آمال خليل التي لا يعرفها القراء: "أُمّ الهمم" بعطائها الصامت
يستعرض هذا التقرير سيرة الصحفية آمال خليل، التي عرفت بعملها الإنساني والميداني قبل ارتقائها في الجنوب أثناء تغطيتها الصحفية.
خلف المانشيت العريضة والتقارير الصحفية الجريئة، ثمة آمال خليل أخرى لا يعرفها القراء. هي آمال الإنسانة صديقة الجميع، التي تمد يد العون بلا "كاميرات" ولا توثيق. في حديثٍ خاص مع "المدن"، يرسم علي خليل، شقيق الشهيدة آمال، سيرة عاطفية لأختٍ كانت ترى في العالم مكاناً يحتاج إلى الكثير من "الترميم" الإنساني. عالم بات يضيق أكثر فأكثر إنسانياً.
"الرؤوفة والحنونة"
يقول علي بغصة: "كثيرون يعرفون آمال الصحفية الصلبة، لكن قلة من تعرف آمال التي كانت تمارس إنسانيتها بصمتٍ مطبق. كانت تصر على مساعدة الآخرين عبر "صدقة السر"، تمد يد العون لعائلات محتاجة دون أن يدري أحد بأنها هي الفاعلة، حتى نحن أهلها لم نكن نعلم بكل تفاصيل عطائها".
يصفها شقيقها بـ "أم الهمم"، تلك التي لا تهدأ. "كانت تركض لمساعدة الجميع. تسهر الليل لتطمئن أن كل من حولها بخير وآمن. آمال لم تكن تحب البشر فحسب، بل كانت حتى تسخّر جزءاً من وقتها للرفق بالحيوان وإطعام الحيوانات الشاردة. كانت رؤوفة وحنونة بشكل مفرط. تمتلك حساسية رفيعة تجاه الكائنات الضعيفة، وكأنها تحاول موازنة القسوة التي تراها في مهنتها كصحفية تغطي الحروب".
طيبة قلب واسعة
في بلدتها البيسارية، لا يبدو الحزن عابراً. يرى رئيس البلدية، محمد مشورب، في رحيل آمال خسارةً تتجاوز العمل الإعلامي. ويقول لـ"المدن": "آمال كانت مثالاً للمحبة الصافية لكل أهالي القرية. لم تتعالَ يوماً بمكانتها الصحفية، بل ظلت ابنة الضيعة الوفية التي تتفانى لمساعدة غيرها. باستشهادها، تفقد البيسارية ركناً من أركان الإنسانية والشهامة".
كانت آمال تبتسم في وجه المخاطر. طريقة عيش خاصة بها. تواجه الخطر بنكتة أو بمزاح. خفيفة الظل تمتلك طيبة قلب لا متناهية. تحسب حساب كل كلمة أو تفصيل قد يؤذي مشاعر الناس البسطاء. كانت صحفية "إنسانية" بامتياز، تبحث وتركض خلف قصص المقهورين قبل قصص القادة.
أما زملاء آمال في المهنة، الذين اعتادوا رؤيتها في الخطوط الأمامية، فيتحدثون عنها كأنها أشبه بـ"نسمة". كانت خفيفة الظل وتسهّل عليهم مشقة التغطية. لم تكن آمال مجرد زميلة "شاطرة"، بل كانت "الأخت" التي تقاسم زملاءها كسرة الخبز وقارورة الماء تحت القصف.
لم تكن السترة الزرقاء التي ارتدتها آمال خليل يوماً مجرد زيٍّ مهني. كانت تعتقد، وربما ببعض المثالية، أن تلك السترة تليق بنبلاء المهنة، أو "تميمة حظ" تحميها من غدر آلة القتل. لكن في بلدة الطيري الجنوبية، سقطت آمال وسقط معها وهم "الحماية الدولية". وانضمت إلى قافلة الشهود الذين صاروا هم الخبر، بعدما طاردوا الحقيقة لسنوات في زواريب القرى وحقول التبغ.
تصفية حساب مع المدنيين
تفتح حادثة استهداف آمال خليل الباب مجدداً على عبثية الرهان على "الشرعية الدولية" في صراعٍ لا يقيم وزناً للمواثيق. فالقانون الدولي الإنساني واضح في نصوصه؛ إذ تنص المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على وجوب حماية الصحفيين بوصفهم مدنيين. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنف تعمد توجيه هجمات ضد مدنيين، بمن فيهم الصحفيون، على أنه "جريمة حرب".
إلا أن إسرائيل، وفي ظل هدنةٍ تجاوزت وصف "الهشة" لتصبح مجرد حبرٍ على ورق، تواصل سياسة القضم الممنهج للأراضي الجنوبية واستهداف العزل. لا تمييز هنا بين حامل كاميرا أو مزارعٍ في أرضه. بل تتقصد استهداف من تشاء وساعة تشاء. وها هي تنتقم أخيراً من آمال.
رحلت آمال خليل، تركت سترة الصحافة المدمّاة في الطيري، وعادت إلى تراب الجنوب الذي أحبته. رحلت "أم الهمم"، لكن "صدقة السر" التي زرعتها في بيوت الفقراء، وأصوات الحيوانات التي كانت تطعمها، ودموع أهل البيسارية، ستبقى الشاهد الأصدق على أن آمال كانت، وستبقى، النبض الإنساني الذي لم يستطع الرصاص إسكاته.
الكاتب: مالك دغمان/ المدن
2026-04-23 || 22:39