إدوارد سعيد وعمر الشريف: سؤال النقد والتمثيل
إدوارد سعيد ينتقد عمر الشريف كنموذج للتكيّف مع السلطة الغربية، فيما أصبح كلاهما لاحقاً وجهين عربيين معروفين، لكل منهما طريقته في التعامل مع الهوية والانتماء.
إدوارد سعيد لا يحب عمر الشريف، فقد تحدث عنه في مذكراته بنوع من الغضب والنفور والسخرية المكتومة. قال صاحب "الاستشراق" إن نجم هوليوود كان زميلاً له في مدرسة فكتوريا الشهيرة التي يدخلها "أولاد الذوات"، وحسب الوصف، فإن الفتى عمر حينها كان موكلاً من قبل الإدارة بعرافة الصفوف، وكان يلجأ للعنف والضرب ليضبط فصول التلاميذ. بدا وكأن الشريف "عميلاً" للإدارة ضد زملائه.
في سيرته الذاتية المؤثرة "خارج المكان" (Out of Place)، يرى إدوارد سعيد أن "ميشيل شلهوب" (الاسم الأصلي لعمر الشريف) لم يكن مجرد زميل دراسة متسلط، بل كان يمثل في نظره النموذج المتأقلم مع السلطة الاستعمارية. فبينما كان سعيد يشعر بالاغتراب والتمرد داخل جدران كلية فكتوريا، كان الشريف يجسد الانضباط الذي تفرضه الإدارة البريطانية، وهو ما خلق فجوة شعورية بينهما لم تردمها لاحقاً أضواء الشهرة.
وتكمن ملامح هذا التناقض في أمور عديدة، فقد وصف سعيد زميله القديم الشريف، بأنه كان ضخم الجثة مقارنة بزملاء سنّه، وكان يستخدم قوته البدنية لفرض النظام، وهو ما اعتبره سعيد لاحقاً نموذجاً مصغراً للسلطة الاستعمارية والانضباط القسري داخل بيئة مدرسية. كما يشير سعيد بذكاء مرّ إلى أن نجومية عمر الشريف بدأت هناك؛ ليس كفنان، بل كفرد يؤدي دوراً رسمياً مرسوماً له من قبل "الأسياد" الإنكليز.
وفي خطاب ناقد الاستشراق، ثمة خيبة أمل سياسية، فبالنسبة لسعيد، المفكر المشغول بالهوية والتحرر، كان عمر الشريف يمثل الشرقي الذي روّضه الغرب، الشخص الذي تخلى عن تعقيداته المحلية ليصبح "العربي العالمي" المقبول في هوليوود، وهي صورة يراها صاحب "الاستشراق" سطحية ومضللة.
سعيد والشريف: وجهان متناقضان للهوية العربية
المفارقة أن الرجلين أصبحا لاحقاً من أشهر الوجوه العربية في العالم، لكن بطريقتين متناقضتين تماماً، فإدوارد سعيد أصبح صوت الضحية، والمدافع الشرس عن القضايا العربية بلغة أكاديمية صارمة، محاولاً تفكيك الصورة النمطية التي صنعها الغرب عنا. أما عمر الشريف فقد أصبح هو نفسه تلك "الصورة"، الوسيم الغامض والعربي "المتفرنج" الذي استهلكته الشاشات الغربية كأيقونة رومانسية. لعل غضب سعيد لم يكن شخصياً بقدر ما كان غضباً من النموذج الذي يمثله الشريف؛ أي نموذج الشخص الذي يجد راحته في خدمة النظام القائم، سواء كان إدارة مدرسة بريطانية أو استوديو في هوليوود.
عندما قرأت مذكرات سعيد للمرة الأولى، أصابني بعض الامتعاض، رجحت حينها أن ثمة بُعداً شخصياً في تلك النظرة، ونحن كبشر لا نخلو من ذلك. لكنني استعدت تلك الكتابات، حين ضرب الشريف مذيعة أو مراسلة صحافية على الملأ، ليُسكتها ويوقف إلحاحها.
ما أعاد كل هذه الذكريات لي هو حديث متلفز شهدته مؤخراً، تحدث فيه عمر الشريف بكل صراحة وبساطة، كيف كان وسيطاً بين السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن. لقد طلب السادات منه أن يجس نبض قادة الكيان في مسألة السلام المزمع، وبكل بساطة ذهب النجم الهوليوودي إلى السفارة الإسرائيلية في باريس وطلب من السفير أن يكلم بيغن. وقد كان. من هناك انطلق سلام السادات- بيغن.
ربما لم يكن غضب سعيد موجهاً إلى عمر الشريف نفسه، بل إلى النموذج الذي رآه فيه، أي الشرقي الذي يجد طريقه إلى العالم عبر التكيّف مع شروطه. والمفارقة أن سعيد والشريف خرجا من المدرسة نفسها، وصارا وجهين عربيين معروفين في العالم، لكن أحدهما أمضى حياته في تفكيك الصورة التي صنعها الغرب عن الشرق، بينما عاش الآخر داخل تلك الصورة نفسها، ونجح فيها.
غير أن الزمن، بحكمته القاسية، أراد أن تنتهي هذه الحكاية بمفارقة لا يجرؤ الخيال على اختراعها. ففي الشيخوخة، بدا وكأن الرجلين تبادلا أدوارهما في صمت. سعيد، الذي جعل من الاغتراب فلسفةً وعلماً، انتهى إلى أن يُقرّ بأن نيويورك هي "مدينة المنفى" بامتياز، وأنه بات يفضّل حالة "عدم الانتماء" على أي وهم بالجذور. أما الشريف، الذي بدا في كل مكان وكأنه في بيته، فقد اعترف في إحدى مقابلاته المتأخرة بأنه "فقد هويته" وأنه صار "غريباً في كل مكان"، مُعرباً عن رغبته في العودة إلى القاهرة ليجلس مع أصدقاء الطفولة الذين ما زالوا يتذكرون.
كأن التاريخ أراد أن يقول لنا إن الانتماء ليس ميراثاً يورَّث، ولا موقفاً يُختار مرة واحدة وإلى الأبد. وأن الرجل الذي ظنّه سعيد "مروَّضاً" بالكامل، كانت تسكنه في الخفاء تلك الحيرة ذاتها. ربما لم يكن الفارق بينهما في الجوهر، بل في اللغة التي عبّر بها كلٌّ منهما عن جرحه.
الكاتب: حسين جلعاد/ المدن
2026-04-01 || 23:36