فتح ملفات المال العام.. اختبار لجدّية المساءلة ومكافحة الفساد
الساحة الفلسطينية تشهد تطوراً لافتاً في ملف قضايا الفساد، مع إعلان النيابة العامة اتساع دائرة الاستدعاءات والتحقيقات في عدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الفساد بقضية المعابر والحدود، فهل ستكون هذه الخطوات بداية مسار جديد لمحاربة الفساد داخل المؤسسات العامة؟ تحقيق من جريدة القدس
تشهد الساحة الفلسطينية تطوراً لافتاً في ملف قضايا الفساد، مع إعلان النيابة العامة اتساع دائرة الاستدعاءات والتحقيقات في عدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الفساد بقضية المعابر والحدود التي أصدرت حكمين بالسجن بحق اثنين من المتهمين فيها.
ويؤكد مسؤولون وخبراء قانونيون، في أحاديث منفصلة، أن هذا التطور، الذي تزامن مع نشر معلومات رسمية حول مسار التحقيقات وإحالة متهمين إلى القضاء، ولاحقاً إصدار أحكام، أعاد ملف المال العام إلى صدارة الاهتمام، في ظل مطالب متزايدة بالشفافية والمساءلة، وعدم الاكتفاء بمعالجة قضايا محددة أو أفراد بعينهم.
ويرى المسؤولون والخبراء أن توسيع نطاق الاستدعاءات يعكس طبيعة هذه القضايا المركّبة، التي لا يمكن اختزالها في شخص واحد، نظراً لتشعب الجرائم المحتملة وتداخل أطراف من القطاعين العام والخاص.
ويؤكدون أن اطلاع الرأي العام على الإجراءات القانونية يسهم في تعزيز الثقة، ويحد من الشائعات، شريطة الالتزام بمبدأ سيادة القانون، واحترام قرينة البراءة، والفصل بين الاتهام والحكم القضائي النهائي.
ويتساءلون حول ما إذا كانت هذه الخطوات تمثل بداية مسار جاد ومستدام لمكافحة الفساد، أم أنها ما زالت محكومة باعتبارات ظرفية، مؤكدين أن نجاح هذا المسار مرهون باستمراريته، وشموليته جميع مستويات المسؤولية، وتعزيزه بإصلاحات بنيوية تضمن المساءلة، وتكفل حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، بما يرسخ الثقة ويعزز الحكم الرشيد.
عامل أساسي في تعزيز الثقة
يؤكد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د. عمار دويك أن الهيئة تنظر بإيجابية كبيرة إلى الخطوات التي اتخذتها النيابة العامة في ملاحقة متهمين بجرائم فساد والاعتداء على المال العام، وصولاً إلى إصدار الأحكام بحقهم، معتبراً أن نشر نتائج هذه الإجراءات وإصدار بيانات رسمية للرأي العام يُعد تطوراً مهماً طالبت به الهيئة في وقت سابق.
ويوضح دويك أن إطلاع الرأي العام الفلسطيني على مسار التحقيقات والإجراءات القانونية يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز الثقة، ويسهم في الحد من الشائعات، مؤكداً أن بيان النيابة العامة في هذا السياق كان مهماً ومحل تقدير.
ويشدد دويك على أن الأمل معقود على أن تشكل هذه الخطوات بداية لمسار متواصل من الجدية في محاربة الفساد داخل المؤسسات العامة، وألا تتوقف عند حدود قضايا بعينها.
ويشير إلى أن النيابة العامة أعلنت نيتها الاستمرار في هذا النهج، معرباً عن أمله بأن تواصل ذلك فعلياً، رغم ما قد تتعرض له من ضغوط معاكسة من مراكز قوى أو جهات مستفيدة تسعى لإبطاء إجراءات الملاحقة أو حماية أطراف متورطة.
ويشدد دويك على أن دور مؤسسات المجتمع المدني، ومن ضمنها الهيئة المستقلة، يتمثل في دعم جهود النيابة وتعزيز موقفها في مواجهة الفساد.
ويلفت دويك إلى أن توقيت هذه الإجراءات يكتسب أهمية خاصة في ظل التغيرات الكبيرة الجارية، والحديث المتزايد عن إصلاح السلطة الفلسطينية، معتبراً أن محاربة الفساد أصبحت مصلحة وجودية للسلطة، في ظل شح الموارد وتصاعد الاهتمام الدولي بملف النزاهة والشفافية.
ويؤكد أهمية أن يلمس المواطن جدية حقيقية في هذه الجهود، وأن يكون واضحاً أنه لا أحد فوق القانون، مؤكداً كذلك أهمية شمول الإجراءات أشخاصاً يشغلون مواقع حساسة، خاصة في وزارة المالية، باعتبارها الجهة الأهم في إدارة المال العام، معرباً عن أمله باستمرار العمل من أجل تطهير المؤسسات العامة من أي مظاهر فساد، وترسيخ سيادة القانون والمساءلة الشاملة.
تحقيق أكبر قدر من ضمانات المحاكمة العادلة
وفي معرض تعقيبه على البيانات الصادرة عن النيابة العامة وما نشرته وسائل الإعلام حول أحكام محكمة جرائم الفساد المتعلقة بقضية المعابر والحدود، يرى نقيب المحامين أن أي إجراء قضائي في إطار دولة المؤسسات يجب أن يراعي ويأخذ بعين الاعتبار جملة من الاعتبارات قوامها تطبيق صحيح للقانون النافذ، وتحقيق أكبر قدر من ضمانات المحاكمة العادلة.
ويوضح عباس أن المجتمع الفلسطيني، من أفراد ومؤسسات، يدعم بشكل كامل كافة الجهود الوطنية لتفعيل منظومة مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، بما يحقق الردع العام والخاص، ويطبق ذلك كلما اقتضى الواجب.
بناء دولة المؤسسات والقانون ومبادئ الشفافية والمساواة
ويشير عباس إلى أن مسيرة بناء دولة المؤسسات والقانون يجب أن تقوم على مبادئ الشفافية والمساواة، بحيث يطبق القانون على الجميع دون تفرقة بين المواطن والفرد العادي والمسؤول.
ويؤكد أن الحالة الفلسطينية، في ظل الاحتلال، تتطلب جهدًا مضاعفًا لتكريس قيم الشفافية والمساءلة في جميع المجالات التي تستدعيها الضرورة، لضمان حماية المال العام وتحسين جودة الخدمات العامة.
ويشير نقيب المحامين إلى أن هذه الممارسة لا تقتصر على الرقابة فقط، بل تتطلب أيضًا وجود قضاء فاعل يكرس ضمانات المحاكمة العادلة، وحق الدفاع المكفول دستورياً لكل متهم.
أداة أساسية لتحقيق المساواة
ويوضح عباس أن الرقابة على أعمال الوظيفة العامة تمثل أداة أساسية لتحقيق المساواة في تلقي الخدمات العامة وتعزيز ثقة المواطن بالمؤسسات، بالإضافة إلى صون المال العام من أي مساس.
ويشدد نقيب المحامين على أن تعزيز منظومة مكافحة الفساد وحوكمتها ليس مجرد واجب قانوني، بل هو ركيزة أساسية في بناء دولة القانون والمؤسسات التي تسعى فلسطين لتحقيقها.
جرائم الفساد.. طبيعة خاصة وأركان قانونية مختلفة
يوضح أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين والمستشار القانوني أمجد الشلة أن مكافحة جريمة الفساد تقع في صلب اختصاص وعمل النيابة العامة، وتحظى باهتمام واضح من المستوى السياسي الفلسطيني، وهو ما تجسد بإقرار منظومة قانونية ومؤسسية خاصة لمعالجة هذا النوع من الجرائم.
ويؤكد الشلة أن الإطار القانوني لمكافحة الفساد يستند إلى قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005، وما لحقه من تعديلات لاحقة، أبرزها القرار بقانون رقم (37) لسنة 2018، إضافة إلى إنشاء هيئة مستقلة هي هيئة مكافحة الفساد، واستحداث نيابة متخصصة بجرائم الفساد، فضلاً عن وجود محكمة مختصة للنظر في هذه القضايا.
ويبيّن الشلة أن جرائم الفساد تتميز بطبيعة خاصة وأركان قانونية مختلفة، مع التأكيد على ضرورة عدم التسليم بتفاصيل الاتهام لكل تهمة على حدة قبل الفصل القضائي.
النيابة وممارسة الصلاحيات المنصوص عليها قانوناً
وبالعودة إلى ما أعلنت عنه النيابة العامة إعلامياً بشأن قضية التحقيقات بملفات الفساد، يؤكد الشلة أن النيابة مارست صلاحياتها المنصوص عليها قانوناً، من خلال إجراء التحريات والتحقيقات، وجمع الاستدلالات، واستجواب المشتبه بهم، ومن ثم إحالة الملفات إلى المحكمة المختصة.
ويشدد الشلة على ضرورة التمييز بين ما تُسنده النيابة من اتهامات، وبين ما ستقرره المحكمة لاحقاً عند نظر القضية وإصدار الحكم النهائي.
الخلط بين ضغط الرأي العام ومقتضيات القانون
ويشير الشلة إلى أن من أبرز الإشكالات في قضايا الفساد احتمال الخلط بين ضغط الرأي العام وحديث الشارع ووسائل الإعلام، وبين مقتضيات القانون وأحكامه، محذراً من الانجرار وراء اعتبارات سياسية أو إعلامية قد تهدف إلى تحقيق مكاسب دعائية أو تجميل صورة أطراف معينة تحت شعار مكافحة الفساد.
ويلفت إلى أن الأخطر في هذا النوع من القضايا هو ما قد يندرج تحت إطار "اغتيال السمعة"، مؤكداً أن المبدأ الدستوري الراسخ يقضي بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
مخاطر التوقيف في قضايا الفساد
ويحذر الشلة من مخاطر التوقيف في قضايا الفساد لما له من مساس بحرية الأفراد وسمعتهم، مشدداً على أن التوقيف ليس هدفاً بحد ذاته.
ويؤكد الشلة أن النجاح الحقيقي في متابعة قضايا المال العام لا يقاس بعدد الموقوفين، بل بصدور أحكام قضائية عادلة، وفق معايير وضمانات تكفل حقوق المتهمين كاملة، وتمكنهم من ممارسة حق الدفاع بجميع الوسائل القانونية المتاحة.
عدم اختزال القضية في شخص واحد
يؤكد المستشار القانوني في ائتلاف أمان بلال البرغوثي أن البيانات الصادرة عن النيابة العامة المتعلقة باتساع دائرة الاستدعاءات في ملف المعابر والحدود يشير بوضوح إلى وجود متهمين وشركاء جدد، حيث إن هذا الملف لا يمكن اختزاله في شخص واحد، نظراً لطبيعة الجرائم المنسوبة وتعقيداتها وتشعب أطرافها.
ويوضح أن قضية المعابر والحدود معروفة بأنها لا تقتصر على شبهة فساد واحدة، بل تتضمن أنماطاً متعددة من الجرائم، من بينها الرشاوى، والمتاجرة بالنفوذ الوظيفي، والاستثمار غير المشروع للوظيفة العامة. ويشير البرغوثي إلى أن اتهام شخص بقضية المعابر والحدود ثم إصدار حكم بحقه، لا يعني بالضرورة أن المسؤولية تقع عليه وحده، إذ من البديهي وجود شركاء آخرين من القطاعين العام والخاص.
ويلفت البرغوثي إلى أن الملاحقات الجارية تشمل بالفعل عدداً من الأشخاص في القطاع الخاص، مع توقعات باتساع الدائرة لتطال أطرافاً إضافية، لافتاً إلى أنه لا يُستبعد وجود شركاء من داخل القطاع العام أيضاً.
الاتساع نحو التحقيق بجرائم خطيرة
ويبيّن البرغوثي أن ما يجري تداوله حول ملف المعابر يدل على اتساعه ليشمل قضايا خطيرة، قد تتعلق بتهريب آثار، أو معادن ثمينة، أو مجوهرات، وربما تهريب مجرمين، ما يستدعي توسيع دائرة الاستدعاءات وتوجيه الاتهام لكل من يثبت تورطه.
الشفافية لم تعد ترفاً
وفيما يتعلق بالتساؤلات حول التوجه نحو عهد جديد من الشفافية والمحاسبة، يعتبر البرغوثي أن النيابة العامة باتت تدرك اليوم أن المواطن الفلسطيني بحاجة إلى المعلومة، وأن الشفافية لم تعد ترفاً، بل ضرورة لحماية النيابة نفسها، وحماية النظام السياسي، وإعادة بناء ثقة المواطن بوجود جهود حقيقية لمكافحة الفساد.
ويؤكد البرغوثي أن تغييب المعلومات واحتكارها، بحجج قانونية تتعلق بحظر النشر، أدى في كثير من الأحيان إلى تآكل ثقة المواطنين، حتى في القضايا التي توجد فيها إرادة سياسية حقيقية للملاحقة، مشيراً إلى أن غالبية انطباعات الرأي العام تعكس ضعف الثقة بجهود مكافحة الفساد الرسمية.
أهمية قانون الحق في الحصول على المعلومات
ويلفت البرغوثي إلى أن الانتقال نحو عهد جديد يتطلب إقرار وتطبيق قانون الحق في الحصول على المعلومات، وهو مشروع قرار بقانون مطروح حالياً على منصة التشريع التابعة لوزارة العدل.
ويبيّن البرغوثي أن إحدى مواد القانون، وبناءً على مطالبات ائتلاف أمان ومنظمات المجتمع المدني، تمنح النيابة العامة صلاحية استثناء قضايا الفساد والقضايا التي تثير الرأي العام من حظر النشر، بما يتيح نشر معلومات محددة تخدم الصالح العام.
ويؤكد البرغوثي أن هذا التوجه يعكس إدراكاً تشريعياً بأهمية نشر المعلومات، لما له من فائدة على النظام السياسي والقضائي، وتعزيز ثقة المواطن الفلسطيني بجهود مكافحة الفساد، مشدداً على أن الشفافية تصب في مصلحة المؤسسات الرسمية قبل أن تكون مصلحة للمواطن.
خطوة في الاتجاه الصحيح
يرى المستشار القانوني لمؤسسة الحق، أشرف أبو حية، أن قيام النيابة العامة بنشر نتائج التحقيقات في ملف الفساد المتعلق بقضية هيئة المعابر والحدود ومن ثم إصدار الحكم النهائي بحق متهمين رئيسيين فيها، يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح، مؤكداً أن من حق المجتمع الاطلاع على مسار التحقيقات، خاصة في القضايا المرتبطة بالفساد وهدر المال العام، والتي تحظى بتفاعل واسع وشكلت رأياً عاماً واضحاً.
ويؤكد أبو حية أن صدور الحكم أمر في غاية الأهمية، بما يحقق الغاية الرئيسية من سرعة التقاضي والإجراءات، وكذلك بما يحقق الردع العام والردع الخاص.
ويشير أبو حية إلى أن صدور الحكم يرسل رسالة واضحة للمجتمع بأن التحقيق وحده غير كاف دون أن يكون هناك قضاء مستقل وعادل ونزيه يعطي تحقيقات النيابة فاعليتها وقيمتها على الصعد كافة.
ويقول أبو حية: "نحن نتطلع إلى أن يكون التعامل من قبل النيابة العامة والقضاء على حد سواء، في جميع الملفات المتعلقة بالمال على على هذا النحو والنهج".
منهجية مكافحة الفساد
ويوضح أبو حية أن قضية المعابر والحدود لا يمكن التعامل معها بوصفها ملفاً منفصلاً أو استثنائياً، بل يجب أن تُقرأ في سياق أوسع يتعلق بمنهجية مكافحة الفساد بشكل عام، مشدداً على أن نجاح هذا المسار يرتبط بالدرجة الأولى بتوفر الإرادة السياسية لدى النظام السياسي القائم.
ويشير أبو حية أنه في حال توافرت هذه الإرادة، فإن هناك العديد من قضايا الفساد التي شغلت الرأي العام وما زال المجتمع ينتظر إجابات واضحة بشأنها.
ويؤكد أبو حية أن الشفافية في إجراءات التحقيق تمثل عنصراً أساسياً في تعزيز الثقة العامة، مشيراً إلى أن المساءلة لا ينبغي أن تقتصر على القضايا التي تحظى باهتمام إعلامي أو شعبي، ولا على الملفات التي يكون المتهمون فيها من صغار الموظفين أو المتعاقدين مع الحكومة فقط، بل يجب أن تشمل جميع مستويات المسؤولية دون استثناء.
ويبيّن أبو حية أن دور النيابة العامة، على أهميته، ليس الدور الوحيد في منظومة مكافحة الفساد، لافتاً إلى أدوار موازية تقوم بها جهات أخرى، أبرزها هيئة مكافحة الفساد باعتبارها جهة رئيسية، إضافة إلى ما يصدر عن ديوان الرقابة المالية والإدارية، فضلاً عن تقارير مؤسسات المجتمع المدني والتحقيقات الصحفية الاستقصائية.
ويعرب أبو حية عن أمله في أن يشكل ملف المعابر سابقة يُبنى عليها في ترسيخ مبادئ المساءلة والمحاسبة في قضايا الفساد وهدر المال العام، داعياً إلى اعتماد النهج ذاته في التعامل مع سائر القضايا الأخرى، بما يعزز سيادة القانون ويستجيب لتطلعات المجتمع في الشفافية والعدالة.
جهود مكافحة الفساد استباقية لمنع تفاقم الظاهرة
يؤكد مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، عصام عاروري، أن الأصل في جهود مكافحة الفساد في أي دولة أن تكون استباقية، تقوم على ضوابط واضحة تمنع تفاقم الظواهر قبل وصولها إلى مراحل خطيرة، لا سيما في قطاعات حساسة مثل المعابر، التي تتحكم بمصدر بالغ الأهمية للشعب الفلسطيني وبكمٍّ هائل من المصالح المرتبطة بحركة الأفراد والبضائع.
ويوضح عاروري أن استمرار شخص متنفذ في موقعه على رأس هيئة المعابر لعقود طويلة يطرح تساؤلات جوهرية، خاصة في ظل وجود نصوص قانونية تُلزم بتحديد مدد إشغال بعض الوظائف المشابهة، منعاً لتحولها إلى مراكز نفوذ تُبنى حولها شبكات مصالح يصعب تفكيكها لاحقاً.
ويتساءل عاروي: أين كانت الجهود الاستباقية؟ وأين دور ديوان الرقابة المالية والإدارية وهيئة مكافحة الفساد، لا سيما أن الديوان يقوم بجولات تفتيشية دورية على المؤسسات العامة دون انتظار شكاوى؟
ويشير عاروري إلى مفارقة لافتة، تتمثل في تكرار التفتيش على جمعيات خيرية ومؤسسات أهلية عدة مرات، مقابل غياب واضح للرقابة المسبقة على المعابر، متسائلاً عمّا إذا كانت قد أُعدت تقارير رقابية ساهمت في كشف الخلل قبل تفاقمه. ولفت إلى أن ما كُشف، رغم الترحيب به، أظهر عيوباً بنيوية في النظام القائم، سمحت للفاسدين بالبقاء فترات طويلة وتحقيق إيرادات مكّنتهم من رشوة موظفين عموميين.
ويبيّن عاروري أن بيانات النيابة العامة كشفت وصول الفساد إلى وزارة المالية، حيث تورط موظفون يفترض أن تكون مهامهم رقابية على العطاءات والتحويلات المالية والإيرادات، ما يدل على عمق المشكلة.
ويشدد عاروري على أن ملاحقة الفاسدين وإحالة المتورطين للقضاء ومحاكمتهم كما جرى بملف المعابر والحدود أمر بالغ الأهمية، لكنه لا يغني عن معالجة الثغرات البنيوية بصورة استباقية، محذراً من أن إدارات أخرى قد تعاني المشكلة ذاتها.
اعتبار مرحلة الشفافية والحكم الرشيد ما زال مبكراً
ويتوقف عاروري عند الانطباع السائد لدى الرأي العام بوجود تسييس أحياناً لجهود مكافحة الفساد، بحيث تظهر ملفات عند حدوث خلافات بين متنفذين، مع وجود مظاهر ثراء لا تتناسب مع الرواتب والوظائف العامة، إضافة إلى تساؤلات واسعة حول حوكمة الأراضي الحكومية وأملاك الأوقاف.
ويشير عاروري إلى أن الحكم على الاتجاه نحو الشفافية والحكم الرشيد ما زال مبكراً، معرباً عن أمله بأن تكون هذه القضايا بداية لمسار جاد يقوم على سيادة القانون والمساواة أمامه دون استثناء.
القضية تجاوزت "طول أمد التقاضي"
يرجح الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إياد الرياحي، أن التحقيقات الجارية بملف الفساد بشأن المعابر والحدود ستفضي إلى ظهور معلومات جديدة، ومتّهمين إضافيين، وربما قضايا وأنواع أخرى من الفساد ارتبطت بهيئة المعابر ووزارات أخرى.
ويؤكد الرياحي أن القضية تجاوزت الإشكالية الرئيسية المتعلقة بطول أمد التقاضي، بعد إصدار حكم قضائي لم يستغرق وقتاً طويلاً، مشيراً إلى أن هذا النوع من القضايا قد يستغرق سنوات طويلة أمام المحاكم، مع وجود المتهمين الرئيسيين خارج حدود فلسطين، ما يعيق سير العدالة ويؤخر الحسم القضائي، لكن في هذا الملف تم تجاوز هذه الإشكالية.
غياب آليات المساءلة يغذي الفساد
ويرى الرياحي أن هذا المسار بشأن قضية مكافحة الفساد بهيئة المعابر والحدود لا يشكل نهجاً إصلاحياً شاملاً، ولا يقود بالضرورة إلى تعزيز الحوكمة والنزاهة في عمل المؤسسات الحكومية.
ويعتبر الرياحي أن غياب آليات المساءلة في المجتمع الفلسطيني يمثل أحد أبرز العوامل التي تغذي ظاهرة الفساد وتكرسها.
ويشير الرياحي إلى جملة من التحديات البنيوية أمام الشفافية والمساءلة، من بينها ضعف الجهاز القضائي، وما تعانيه المحاكم من طول وتعقيد إجراءات التقاضي، وغياب المجلس التشريعي، إضافة إلى آلية التشريع عبر القرارات بقانون، التي يرى أنها تؤثر سلباً على مصالح المواطنين بشكل مباشر، وتنعكس على برامج الحماية الاجتماعية.
الإصلاح الحقيقي عملية شاملة
ويشدد الرياحي على أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون عملية شاملة، موضحاً أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح ملف بعينه، كملف المعابر، أو الادعاء بوجود نهج إصلاحي قائم، في ظل غياب المساءلة والمحاسبة وحرمان المواطنين من الوصول إلى المعلومات.
ويلفت الرياحي إلى أن تجارب سابقة في قضايا فساد أُثيرت على نطاق واسع انتهت بإجراءات تقاضٍ طويلة، دون محاسبة فعلية، أو بإغلاق الملفات أو الوصول إلى تسويات وصفقات مع المتهمين.
ويؤكد الرياحي أن أي أمل بإصلاح شامل لمؤسسات السلطة الفلسطينية بما فيها الحكومة يبقى محدوداً دون ضغط شعبي حقيقي، مشدداً على أن المدخل الأساسي للإصلاح يتمثل في إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية.
ويوضح الرياحي أن وجود مجلس تشريعي يوفر أداة مساءلة فاعلة لعمل السلطة والحكومة وهيئاتها، إلا أن هذا الخيار يبقى غير متاح حالياً، بفعل الاحتلال والانقسام السياسي، إضافة إلى منظومة القرارات بقانون التي حدّت من المشاركة السياسية.
توضيح مسار قضية تحولت إلى رأي عام
يشدد مدير مركز "ثبات" للبحوث واستطلاعات الرأي، والباحث في قضايا الحكم والسياسة، جهاد حرب، أن بيانات النيابة العامة المتعلقة بثلاثة ملفات خاصة بهيئة المعابر وتداعياتها مع أطراف أخرى وصولاً للحكم على بعض الشخوص، تؤكد السعي نحو الشفافية ومسار إنفاذ القانون في قضايا الفساد التي تشغل الرأي العام.
ويوضح حرب أن النيابة العامة تسعى إلى توضيح مسار قضية تحولت إلى قضية رأي عام، عبر وضع الجمهور الفلسطيني أمام نتائج أعمالها الأولية، لا سيما ما يتعلق بإحالة هذه الملفات إلى المحكمة، بما يعكس توجهاً لإطلاع المجتمع على الخطوات القانونية المتخذة في هذا الملف الحساس.
ويشير حرب إلى أن النيابة العامة وجهات إنفاذ القانون، بما فيها هيئة مكافحة الفساد، ما زالت تعمل وتحقق وتجمع الاستدلالات بشأن القضايا المتعلقة بالقضية إلى أن وصلت لمحاكمة بعض الشخصيات، إضافة إلى سعيها للتحقيق مع بعض الأطراف التي كانت تتعامل معه أو تُتهم بالشراكة في الجرائم المنسوبة إليه.
إعلان موعد جلسة المحاكمة تطور مهم
ويشير حرب إلى أن إعلان النيابة العامة عن موعد جلسة محاكمة حول ملف المعابر والحدود يُعد تطوراً مهماً في أدائها الإعلامي والقانوني، إذ يتيح للجمهور الفلسطيني والمهتمين بملفات مكافحة الفساد متابعة إجراءات المحاكمة وربما حضور جلساتها، وهو أمر نادر في القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام، ويعزز مبدأ العلنية والرقابة المجتمعية.
ويرى حرب أن النيابة العامة هدفت من هذه البيانات إلى توجيه رسالة واضحة مفادها بأنها تواصل متابعة قضايا الفساد ذات الأهمية العامة، ولن تتراجع عن السير فيها، كما تحمل الرسالة بعداً ردعياً موجهاً إلى من قد يفكر في ارتكاب أفعال فساد، أو يعتقد أن أجهزة إنفاذ القانون لا تقوم بدورها في الملاحقة والمساءلة.
ويشدد حرب على أنه من المبكر الحديث عن اعتماد منهج جديد شامل للسلطة الفلسطينية في مكافحة الفساد، إلا أن هذه الخطوات قد تشكل إحدى معالم الطريق في هذا الاتجاه. ويبيّن حرب أن دور النيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد لا يتركز في اكتشاف الفساد بحد ذاته، بل في التحقيق بناء على أعمال جهات أخرى، مثل المؤسسات الحكومية، وديوان الرقابة المالية والإدارية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، التي تكشف عن شبهات فساد، وعندما تقتنع النيابة بوجود مخالفات ترقى إلى جرائم، تقوم بإعداد لوائح اتهام وإحالتها إلى المحكمة للفصل فيها وفق القانون.
المصدر: القدس
2026-02-08 || 14:23