عدد قياسي من البؤر الاستيطانية في الضفة منذ اندلاع الحرب
تشهد الضفة الغربية تصاعداً خطيراً في الاستيطان بدعم من الحكومة الإسرائيلية، حيث تُقام البؤر الاستيطانية العشوائية بشكل متسارع، ويتعرض الفلسطينيون لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين.
قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، إن التقديرات تشير إلى أن المستوطنين، وبدعم من حكومة إسرائيل والإدارة المدنية التي يتولى أمرها وزير الاستيطان في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش، أقاموا في عهد الحكومة الحالية عددا قياسيا من البؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة الغربية، وأن العديد منها أقيم بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وشهدت الفترة منذ مطلع العام الماضي إقامة 29 بؤرة استيطانية، بما في ذلك 14 بؤرة ومزرعة رعوية منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر، كان آخرها أربع بؤر استيطانية على أراض فلسطينية في شهر آذار الجاري في بلدة سنجل، وفي عين الساكوت في الأغوار الشمالية، والمعرجات الى الشمال من مدينة أريحا، ومنطقة خلة النحلة قرب وادي رحال الى الجنوب من بيت لحم.
وجاء ذلك بتشجيع من وزراء وأعضاء كنيست بعد أن شكل نتنياهو حكومته الجديدة بالتحالف مع رئيس حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش، ورئيس حزب "القوة اليهودية" ايتمار بن غفير في كانون الأول 2022، حيث بدأت سلطات إسرائيل تسمح للمستوطنين بإقامة هذه البؤر والمزارع الاستيطانية دون عوائق تذكر، وبعد أن قررت إضفاء الشرعية الاحتلالية في عام 2023 على نحو 15 بؤرة استيطانية بأثر رجعي.
وبعض هذه البؤر والمزارع أُقيمت بطريقة تندرج حسب جمعيات إسرائيلية تراقب هذا النشاط، كجمعية "كيرم نبوت" في إطار الفساد، إذ أن من أقامها هم أقارب لموظفين يعملون في سلطة الطبيعة والحدائق وفي الإدارة المدنية الإسرائيلية.
وفي هذا الإطار لا يكتفي المستوطنون بالسيطرة على الأرض، بل وبشكل منهجي أيضا على ينابيع المياه خاصة في شمال غور الأردن، والتي يستخدمها المزارعون وتجمعات الرعاة في القرى الفلسطينية الذين تحاصرهم هذه البؤر والمزارع وتدفعهم نحو هجرة أراضيهم ومراعيهم تحت الضغط المشترك لهؤلاء المستوطنين وقوات إسرائيل وما يسمى بـ"فرق الطوارئ".
رابطة بين البؤر الإسرائيلية في المكان
والى جانب ذلك، يقوم هؤلاء المستوطنون بشقّ طرق تسهل العمل والحركة بين هذه البؤر والمزارع وبينها وبين المستوطنات القريبة، كما هو الحال في عين الساكوت في الأغوار الشمالية وفي المحمية الطبيعية وادي قانا في محافظة سلفيت، بهدف إيجاد رابط بين البؤر الاستيطانية في المكان، وبين مستوطنة "عمانوئيل" قرب قراوة بني حسان، وطرق أخرى في أراض خاصة فلسطينية بما في ذلك طرق أخرى قرب محطة معالجة مياه المجاري التابعة لمدينة سلفيت، فضلا عن شق عدد من الطرق في منطقة جنوب جبل الخليل.
وكانت سلطات إسرائيل قد أصدرت ثلاثة أوامر عسكرية بمصادرة 329.522 دونم من الأراضي في بلدات طمون جنوب شرقي محافظة طوباس، ودير استيا في محافظة سلفيت، والخضر وبتير وحوسان في محافظة بيت لحم، ودير دبوان في محافظة رام الله، لغرض توسيع عدد من الطرق الاستيطانية.
منظمة تدفيع الثمن
وتتعهد جهات وجمعيات يمينية متطرفة بالمساعدة النشطة في بناء هذه البؤر الاستيطانية وتمكين منظمة "شبيبة التلال"، التي يعتبر اسمها واجهة تجميلية لمنظمة "تدفيع الثمن" الإرهابية، كحركة "نحالاه" الاستيطانية، التي تتزعمها اليمينية المتطرفة دانييلا فايس، وتتعهد بتوفير الدعم السياسي وتنظيم حملات التمويل الجماعي لهذه البؤر وتتلقى دعماً من شخصيات عامة مثل الوزير سموتريتش، والحاخام الأكبر في القدس أرييه شتيرن، والحاخام الأكبر لصفد شموئيل إلياهو، وعدد من رؤساء بلديات المستوطنين في الضفة الغربية.
يشار إلى أن هذه الحركة تطلق منذ أعوام حملات بناء هذه البؤر الاستيطانية، بدعم عدد كبير من الوزراء وأعضاء الكنيست من الليكود وحلفائه في الحكومة الإسرائيلية، من أمثال يولي إدلشتين، ويسرائيل كاتس، وياريف ليفين، وزئيف إلكين، وجلعاد إردان، وأييليت شاكيد، وميري ريغيف، وتساحي هنغبي، ويوآف جالانت، وجيلا جمليئيل، وأوفير أنوكيس، فضلا عن سموتريتش وبن غفير، وغدت هذه البؤر تؤوي أكثر من أربعة آلاف مستوطن متطرف في ما يقرب من ألفي منزل متنقل ومبان دائمة يقع حوالي 80 منها على أرض يملكها فلسطينيون، وباتت تسيطر على نحو 35 بالمئة من الأراضي في المنطقة المصنفة (ج) في الضفة الغربية.
وتروج هذه الحركة كما تشير بياناتها لخطة تعود إلى عهد رئيس الوزراء السابق يتسحاق شامير، وترمي حسب مخططاتها إلى توطين مليوني يهودي في الضفة الغربية.
سكان هذه البؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية الذين يمارسون نشاطهم بتشجيع من حكومة إسرائيل، خاصة من سموتريتش وبن غفير، ومن رؤساء مجالس المستوطنات أمثال يوسي داغان، لا يكتفون بالسطو على أراضي وأملاك الفلسطينيين، بل تتجاوز أعمالهم الإجرامية ذلك لتطال الفلسطينيين في منازلهم وأماكن امنهم ومناحي حياتهم المختلفة، وقد سلطت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الأسبوع الماضي الضوء على إرهاب هؤلاء حين قال بأن "أغلبية كبيرة من الفلسطينيين الذين قتلوا في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، لم يقتلوا بالضرورة لأسباب مقنعة، وليس من قبل قوات الأمن الإسرائيلية المؤهلة، لكن من قبل أفراد مثل شباب التلال"، لتزيد من الأسئلة المتعلقة بطبيعتها والأنشطة التي تقوم بها.
أولمرت أضاف أنه "بدعم وزير بالحكومة لمجموعات عنيفة من المستوطنين، فإنهم يضربون الفلسطينيين وينهبون منازلهم".
أولمرت، الذي اتهم نتنياهو بالفشل في الدفاع عن الإسرائيليين بسبب الثقة المفرطة والغطرسة، أشار في هذا السياق إلى أن رئيس الوزراء يقوم بتوجيه إسرائيل عن قصد في حرب شاملة، ليس على الفلسطينيين في قطاع غزة وحسب، بل وفي الضفة الغربية كذلك.
يذكر أن عدد الذين ارتقوا في الضفة الغربية على أيدي وحدات الجيش الإسرائيلي العاملة في الضفة الغربية و "فرق الطوارئ" وهي عمليا ميليشيا مستوطنين مسلحة، وزعران "تدفيع الثمن" الإجرامية، منذ السابع من أكتوبر يقترب من نحو 450 مواطنا فلسطينيا.
هذه البؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية التي يبنيها المستوطنون من جماعات "تدفيع الثمن" بمباركة من حكومة إسرائيل ومن الإدارة المدنية الإسرائيلية التي يسيطر عليها سموتريتش وأعوانه، هي عمليا دفيئات إرهاب كان المكتب الوطني قد حذر من انتشارها ومن نشاطاتها الإجرامية، وقد جاء توجه الإدارة الأميركية توسيع دائرة العقوبات لتتجاوز الأفراد نحو البؤر الاستيطانية ككيانات إرهابية، ليؤكد ما ذهب إليه المكتب الوطني وعديد منظمات مجتمع مدني إسرائيلية مناهضة للاستيطان في هذا المجال.
سلسلة من الاعتداءات
تجدر الإشارة الى أن المستوطنين نفذوا خلال الأشهر الأخيرة سلسلة اعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، كان أعنفها في حوارة وبورين وقصرة وعصيرة القبلية وخربة طانا في محافظة نابلس، وبلدتي سنجل ودير دبوان في محافظة رام الله، حيث أحرقوا 6 منازل وغرف زراعية و35 مركبة، وكسروا زجاج 26 مركبة وأحدثوا أضرارا في هياكلها، وهاجموا 36 منزلاً وحطموا زجاج نوافذها وخلايا شمسية وخزانات مياه، وسلبوا أموالا من السكان، إضافة إلى السطو على الأغنام ومصادرة مركبات وجرارات زراعية بقوة السلاح في بلدة سنجل بمحافظة رام الله وإعطاب شبكة الكهرباء في قرية الناقورة في محافظة نابلس، هذا الى جانب تحويلهم حياة المواطنين الفلسطينيين في جبال جنوب الخليل وفي الأغوار الفلسطينية، خاصة الشمالية، الى جحيم لا يطاق بهدف تهجيرهم من أراضيهم ومضاربهم ومراعيهم في سياسة تطهير عرقي ترعاها إسرائيل.
ورغم وضوح الصورة والزيادة الفعلية لانتهاكات المستوطنين واعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم، فإن الشرطة الإسرائيلية تدعي أن عدد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين انخفض إلى النصف خلال فترة الحرب على غزة، جاء ذلك على لسان العقيد أبيشاي معلم، مسؤول شكاوى الجمهور في شرطة إسرائيل الذي أكد الأسبوع الماضي في جلسة خاصة عقدتها لجنة فرعية في لجنة الخارجية والأمن البرلمانية في الكنيست، أن عدد اعتداءات المستوطنين في الأشهر الخمسة الأخيرة بلغ 270 اعتداء مقابل 537 في الفترة نفسها من السنة الماضية.
ردود الفعل الدولية
وعلى خلفية هذه الصورة، بدأت ردود الفعل الدولية ضد البؤر الاستيطانية وعنف المستوطنين تتزايد وتنتقل من عقوبات على مستوطنين يمارسون العنف ضد الفلسطينيين، كما هو دارج في لغة الإدارة الأميركية وغيرها من الدول الغربية، الى عقوبات على بؤر استيطانية ككيانات تمارس عنفا منظما ضد الفلسطينيين بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية نيتها فرض عقوبات على بؤرتين استيطانيتين، بؤرة "حفات تسفي بار يوسف" الرعوية في محافظة رام الله، ومزرعة "موشيه شرفيت" الرعوية في منطقة الأغوار، وثلاثة مستوطنين جدد، لتفتح الباب على الأرجح لدول أخرى للتعامل مع البؤر الاستيطانية باعتبارها دفيئات لمنظمات إرهاب يهودي.
وعلى صعيد متصل، حذر مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية يشكل جريمة حرب، ويحمل خطر القضاء على أي إمكانية عملية لقيام "دولة فلسطينية قابلة للحياة، موضحا أن توسع المستوطنات الإسرائيلية يعد تهجيرا للسكان من قبل إسرائيل، وهو ما يرقى إلى "جريمة حرب" بموجب القانون الدولي.
وحول عنف المستوطنين، أضاف تورك أن هذا العنف والانتهاكات المتعلقة بالاستيطان بلغت مستويات جديدة صادمة، خاصة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ووثق تورك في تقريره الذي استند إلى مراقبة قامت بها الأمم المتحدة بنفسها بالإضافة إلى مصادر أخرى، إنشاء 24 ألفا و300 وحدة سكنية إسرائيلية جديدة في الضفة الغربية خلال عام واحد حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023، قائلا إنها الزيادة المسجلة الأعلى على الإطلاق منذ بدء المراقبة عام 2017 خاصة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
تجدر الإشارة إلى أن حكومة إسرائيل أقرت خططا لبناء 18 ألفا و515 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة الغربية خلال العام الجاري، وهو أكبر عدد من الوحدات السكنية تتم الموافقة عليه خلال عام واحد.
المصدر: جريدة القدس
2024-03-17 || 13:37