معالم طبية تاريخية منسية في نابلس
خلال الحروب الصليبية في فلسطين، ترك "الفرسان الأسبيتاريون" جزيرة مالطا ليقاتلوا في فلسطين. وقد أسسوا خلال تواجدهم هناك عدة مستشفيات كان أولها مستشفى "البيمارستان الصليبي" في نابلس، فما حال هذا المستشفى اليوم؟
كانت جدتي لبيبة، والتي عاشت ما يربو عن المئة عام رحمها الله، تطلق كلمة "سبيتار" على المشفى، ولكوني محاضرا في تاريخ الطب ومدرسا للمصطلحات الطبية، فقد عادت بي الذاكرة إلى مصطلح جدتي في محاولة إيجاد أصلٍ له. في البداية ظننت أن المصطلح تركي، بيد أن معرفتي المتواضعة باللغة التركية، التي تعلمت الكثير منها سماعاً من زملاء الدراسة في بلغارية، أفادتني بأن مصطلح Hastane "هاست خانة" هو المشفى بالتركية.
نهار هذا اليوم، وأثناء قراءة كتاب عن تاريخ مدينة نابلس، لمعت كالبرق أمام ناظريّ عبارة "الأخوية الاسبيتارية"، وهو اسم أطلق على مجموعة من الفرسان الصليبيين الذين انطلقوا من جزيرة مالطا ليشاركوا في الحروب الصليبية. وبدأتُ عملية بحثٍ شيقة باستخدام متصفح غوغل استمرت سيراً على الأقدام لأجد نفسي في أكثر شارعٍ مألوفٍ لذاكرتي الطفولية في نابلس ولأجد أن المطعم الصغير، الذي كنا نحب شطائره كلما قدمنا إلى نابلس من قريتنا، يقع تماماً على حدود أول مشفى بني تحت أضواء التاريخ في نابلس "البيمارستان الصليبي".
أنشأ فرسان الأخوية الاسبيتارية أول مشفى معروف تاريخياً في مدينة نابلس عام 1180 ميلادية، بيد أن معالم هذا المشفى -مع كل أسف- دمرت نتيجة زلزالٍ هزَّ مدينة نابلس سنة 1198 للميلاد. ويذكر المؤرخون أن الزلزال "لم يترك جداراً قائماً في نابلس إلا حارة السمرة"، فمن هم فرسان الأخوية الاسبيتارية؟ وأين شيّد المشفى المذكور؟
الفرسان الاسبيتاريون
الأخوية الاسبيتارية هي مجموعة من الفرسان انبثقت عن "فرسان الهيكل" في جزيرة مالطة بدايةً، ثم سكنوا جزيرة رودس وغزوا سواحل ليبيا وتونس واحتلوا برقة الليبية. بيد أن المماليك أخرجوهم منها ليعودوا ويحتلوا طرابلس الليبية، وسموا بالاسبيتارية نظرا لكونهم عملوا في خدمة مستشفى القديس يوحنا الأورشليمي بالقرب من كنيسة القيامة "يسمون أيضاً بفرسان القديس يوحنا الأورشليمي". وتعتبر مشاركتهم في الحروب الصليبية من أهم العوامل التي مدت الحملات الصليبية بالحيوية والاستمرار إلى جانب فرسان الهيكل.
أنشأ الفرسان الاسبيتاريون "الهوسبيتاليون" مشفى في مدينة نابلس، كما يذكر خبير الآثار الفلسطيني النابلسي عبدالله كلبونة في بحثه "تاريخ البيمارستانات في مدينة نابلس"، في المنطقة الجنوبية الغربية من شارع الأنبياء في منطقة جامع الأنبياء حالياً .
[caption id="attachment_18960" align="alignnone" width="2189"]

تبدو قارمة قاضي القضاة وكأنها من زمن الصليبيين وقد علاها الصدأ[/caption]
جامع الأنبياء "المساكين"
ويفيد الباحث أن ما بقي من البيمارستان بعد زلزال 1190 م، والذي يمتد من جامع الأنبياء جنوبا، قد استمر في تقديم الخدمة لمرضى الجذام، الذين كانوا يأوون إلى المسجد أيضاً، والذي سمي بجامع المساكين لإيوائه هذه الشريحة من المرضى. وعندما وقع زلزال نابلس الكبير عام 1927 هدم ما تبقى من معالم البيمارستان الصليبي الاسبيتاري لتقوم بلدية نابلس ودائرة أوقافها بشق شارع في المكان وترحيل المجذومين وترميم جامع الأنبياء وإقامة مبان تجارية تم على إحداها تشييد المحكمة الشرعية في نابلس. ومن ثم يتبين أن مساحة البيمارستان تشمل محيط جامع الأنبياء والمحكمة الشرعية والشارع الممتد أمامهما .
ملاحظة هامة: تجمع فرسان مالطا لايزال قائماً كتنظيم مسيحي كاثوليكي بفكرٍ صليبي، وقد عقد أول اجتماع له في العصر الحديث في جزيرة مالطا عام 1990 ويشمل متطوعين من 22 دولة يقدر عددهم بنصف مليون متطوع منهم 100.000 في فرنسا وحدها. وتمارس المنظمة نشاطاً خيرياً غالبه منصبّ على المشافي وتقديم الخدمات الطبية.
الكاتب: عبد الرحمن أقرع
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2014-12-03 || 19:03