شريط الأخبار
الطقس: ارتفاع آخر على درجات الحرارة الخارجية ترحب باعتماد اليونسكو قرارين لصالح دولة فلسطين بايرن ميونخ يطيح بريال مدريد خارج دوري أبطال أوروبا الجنرال منير يزور طهران.. وواشنطن تنفي تمديد الهدنة اعتقال جندي بتهمة قتل فلسطيني في قصرة الشهر الماضي الرئيس يدين الاعتداء على الأسرى بمن فيهم البرغوثي التربية وسلطة الطاقة توقعان اتفاقية لتعزيز الطاقة المتجددة بالمدارس 350 مسؤولاً أوروبياً سابقاً يدعون لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل الشرطة: انخفاض وفيات حوادث السير في 2025 عمال فلسطين.. تجرع المُر من أجل لقمة العيش تقارير: الحزب يستخدم صواريخ "موجهة تلفزيونياً" لا يمكن رصد منصاتها كيف تُسيطر واشنطن على مضيق هرمز؟ نتنياهو سيجتمع بالكابينيت لبحث هدنة محتملة في لبنان اعتقال شاب من طمون جنوب طوباس إيران وأمريكا تتوصلان إلى "اتفاق مبدئي" لتمديد وقف إطلاق النار سوريا: العثور على نفق يمتد من حمص إلى لبنان المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في إقالة بن غفير الكلاب الضالة: نحو حلول شاملة بدل المعالجات المؤقتة صور أقمار اصطناعية تكشف بقايا طائرات أمريكية بمدرج مهجور بإيران الاقتصاد تطلق البوابة الإلكترونية للتجارة الإلكترونية
  1. الطقس: ارتفاع آخر على درجات الحرارة
  2. الخارجية ترحب باعتماد اليونسكو قرارين لصالح دولة فلسطين
  3. بايرن ميونخ يطيح بريال مدريد خارج دوري أبطال أوروبا
  4. الجنرال منير يزور طهران.. وواشنطن تنفي تمديد الهدنة
  5. اعتقال جندي بتهمة قتل فلسطيني في قصرة الشهر الماضي
  6. الرئيس يدين الاعتداء على الأسرى بمن فيهم البرغوثي
  7. التربية وسلطة الطاقة توقعان اتفاقية لتعزيز الطاقة المتجددة بالمدارس
  8. 350 مسؤولاً أوروبياً سابقاً يدعون لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل
  9. الشرطة: انخفاض وفيات حوادث السير في 2025
  10. عمال فلسطين.. تجرع المُر من أجل لقمة العيش
  11. تقارير: الحزب يستخدم صواريخ "موجهة تلفزيونياً" لا يمكن رصد منصاتها
  12. كيف تُسيطر واشنطن على مضيق هرمز؟
  13. نتنياهو سيجتمع بالكابينيت لبحث هدنة محتملة في لبنان
  14. اعتقال شاب من طمون جنوب طوباس
  15. إيران وأمريكا تتوصلان إلى "اتفاق مبدئي" لتمديد وقف إطلاق النار
  16. سوريا: العثور على نفق يمتد من حمص إلى لبنان
  17. المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في إقالة بن غفير
  18. الكلاب الضالة: نحو حلول شاملة بدل المعالجات المؤقتة
  19. صور أقمار اصطناعية تكشف بقايا طائرات أمريكية بمدرج مهجور بإيران
  20. الاقتصاد تطلق البوابة الإلكترونية للتجارة الإلكترونية

رضوى عاشور تحاور ناجي العلي

هذه المقابلة الكاملة أجرتها رضوى عاشور مع ناجي العلي في منزلها في بودابست سنة 1984، ووردت في كتاب "لكل المقهورين أجنحة"، الذي سيصدر قريباً عن دار الشروق بالقاهرة ويضم مقالات رضوى عاشور.


نشرت هذه المقابلة النادرة للمرة الأولى في مجلة "المواجهة" التي تصدرها لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، العدد الخامس، القاهرة، سبتمبر، أيلول 1985 قبل عامين من اغتيال ناجي العلي بكاتم صوت في لندن. وقد اختارت رضوى عاشور أن تترك المساحة كاملة لحديث ناجي، فكان غياب الأسئلة حضوراً لها. وسيدرك القارئ(ة) الأسئلة التي وجهتها له من سياق إجاباته. وهذا هو نص المقابلة الكامل:

أنا من مخيم عين الحلوة: مقابلة مع الفنان الفلسطيني ناجي العلي

أجريت هذه المقابلة قبل 10 أشهر ولكن للأسف لم نتمكن من نشرها قبل ذلك كما أن العدد السابق من "المواجهة" كان مخصصاً لأحداث معرض القاهرة الدولي للكتاب.

وإذ نعتذر للفنان الفلسطيني الكبير عن هذا التأخير نرى أن توقيت النشر له الآن دلالة خاصة في ظل الأحداث الفاجعة التي دارت مؤخرا في بيروت، وفي المخيمات الفلسطينية تحديدا. يقدم ناجي العلي عبر شخصيته وتجربته الحياتية ومواقفه ورسومه نموذجاً مشرقاً للعلاقة التاريخية الحميمة ‏والأصيلة بين الشعبين الفلسطيني واللبناني التي تحاول قوى مشبوهة تخريبها.

إن ناجي العلي ابن مخيم عين الحلوة ينتمي للجنوب اللبناني تماما كما ينتمي لفلسطين. ووفاؤه لهذا الجنوب ‏لا يقارن إلا بوفائه لأرض فلسطين وللمقهورين في هذا العالم. ولكني أتساءل لماذا هذا الفصل؟ أليست هذه القضايا الثلاث قضية واحدة يؤمن ويدافع عنها ناجي العلي؟

رضوى عاشور

‏أنا من مخيم عين الحلوة

س............

‏منذ زمن بي رغبة في التواصل تحديدا مع من يعنونني في مصر وأنا لا اعتبر هذا حديثاً بل أعتبره وصية لك شخصيا ولكل نفس طيب يتحسس الهم الكبير، الهم الوطني، ليس فقط في فلسطين-فليست فلسطين وحدها هي المغتصبة- ولكن أيضا في كل الارض العربية حيث حقوق الجماهير مغتصبة في رزقها وحرياتها وأحلامها

‏من أين أبدأ؟ ربما من دخول وجينا من فلسطين إلى مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان ومن تلك النظرة في عيون أمهاتنا وآبائنا. لم يكن لديهم بيانات ولكن الحزن في عيونهم كان لغة تعلمنا وتملؤنا بالغضب الذي يعبر عنه مرات بالصوت ومرات بالفعل. معظم أبناء وبنات تجي لي بال خمسينات تعرض لحالة قهر وكنا في مخيم عين الحلوة في لبنان نتطلع عبر سجننا الصغير هذا ونستنجد بأي قوة خير. ‏ولما قامت ثورة دولية انتشينا واندفعنا في شوارع المخيم نهتف للثورة ونكتب على الجدران نحييها كنا عاجزين عن تقديم شيء غير ذلك ولكننا شاركنا بنفَسِنا وحياتنا
وحين استرجع هذه الصورة أفكر كم أننا نفتقدها الان في وقت صارت فيه المنطقة العربية بحيرة أمريكية عمليا وضربه الثورة الفلسطينية. يحاول المرء ليس تعزية نفسه ولكن الوقوف وقفة أمام تجربته، أشعر أن لا أحد يقف. تكال لنا الضربات من كل الاتجاهات في قصف ليس عشوائيا بل بقصف سياسي مدروس وموجه، يهلكوننا من كل الجهات

س.................

‏ولدت عام ١٩٣٧ في قرية الشجرة بين طبرية والناصرة قضاء الجليل ولجأت عام ١٩٤٨ إلى أحد مخيمات الجنوب اللبناني، هو مخيم عين الحلوة، بالقرب من صيدا وكغيري من أبناء المخيم كنت اشعر بالرغبة في التعبير عن نفسي فأمشي في المباراة وأشارك في المناسبات القومية وأتعرض كما يتعرض سواي للقهر والسجن. وفي تلك المرحلة تشكل عندي الإحساس بأنه لابد أن أرسم وبدأت أحاول أن وعبر عن مواقفه السياسية وهمي وقهر من خلال رسوم على الجدران.
وكنت احرص أن أحمل معي قلمي قبل أن اتوجه الى السجن وبالمناسبة كان أول من شجعني هو المرحوم غسان كنفاني الذي مر على المخيم للمشاركة في إحدى الندوات. وكان لدينا ناد بسيط أقمناه من الزنك. والتفت غسان إلى الرسوم الكريكاتورية التي كانت ‏على الحائط وتعرف علي. وأخذ مني رسمتين أو ثلاثا ونشرها في "الحرية"، مجلة التقدميين العرب، التي كان يعمل فيها في ذلك الوقت ورغم إنني كنت قد حصلت على دبلوم في الميكانيكا والكهرباء كنت اعمل بشكل موسمي في البساتين، في قطف في البرتقال والليمون ولم يكن هناك عمل آخر متاح ولم يكن مسموحاً لأي فلسطيني أن يكون موظف بلدية
حاولت أن أتابع دراستي وأعبر عن نفسي بالرسم فالتحقت بالأكاديمية لمدة سنة إلا أنني في تلك المرحلة تعرضت للسجن ست أو سبع مرات. وعملت مدرساً للرسم فترة بسيطة بالكلية الجعفرية في صور ثم أتيحت لي الفرصة السفر الى الكويت للعمل في مجلة "الطليعة الكويتية" وهي مجلة ‏للتقدمين الكويتيين

‏في الطليعة كنت أعمل كصحفي ومخرج للمجلة وسكرتير تحرير. ثم بدأت احتل مساحة في المجلة أعبر فيها عن نفسي بلغة الكارياكتور، وتدريجيا اتسعت هذه المساحة فأصبحت أقدم عدة رسوم ثم من صفحة كاملة ثم صفحتين إلى أن اكتشفت أن العمل الأسبوعي لا يفي بحاجتي وأي راغب في التواصل مع الناس بشكل يومي فاخترت صحيفة يومية . ولما لم يكن هناك انسجام بين خطها وتفكيري اشترطت ألا يتدخل أحد في عملي . وكنت قد بدأت أدرك دور الكاريكاتير. وكنت ألاحظ أن رسامي الكاريكاتير في مصر (المدرسة القديمة ) يستخدمون الحوار بكثرة مما لا يعطي فرصة للقارئ لإعمال ذكائه، فاتجهت إلى عكس ذلك ورحت أخلق رموزا يصير تكرارها نوعا من اللغة المشتركة بيني وبين القارئ.

‏عندما ذهبت الى الكويت كان همي أن أدخر "قرشين" كأي شخص يتوجه إلى مجتمع استهلاكي من هذا النوع وأذهب بعد ذلك الى دراسة الرسم في القاهرة أو في روما ثم اكتشفت أن الكاريكاتير يرضيني و أنه بدلا من أن أقيم معرضاً كل عام أو عامين يصل إلى شريحة معينة من رواد المعارض اقتنعت بدور الكاريكاتير وأجلت طموحي الشخصي بالتعبير عن نفسي وقلت حين ترجع البلاد ولو كنت ما زلت على قيد الحياة أكون قد تقدمت في العمر فأجلس في ركني أعبر عن نفسي بلغة التشكيل والألوان.

في الكويت عانيت كثيرا، وحياة الفنان في مجتمع إستهلاكي ليست مسألة بسيطة. لي أصدقاء كثيرون كنا نناضل معاً وسجناً معاً. سنة واحدة في الكويت وأغرقهم المجتمع الاستهلاكي "تَمْسحوا" (أي صاروا عديمي الإحساس). زال عنهم الإحساس بالواجب تجاه جماهيرهم ومخيماتهم. بتلك المرحلة ولدت شخصية حنظلة ويومها قدمته للقراء بشرح وافٍ:
"انا حنظلة من مخيم عين الحلوة، وعد شرف أن أظل مخلصاً للقضية وفياً لها...إلخ". والحق أن هذا العهد كان عهداً أقطعه على نفسي. شخصية هذا الطفل الصغير الحافي هي رمز لطفولتي. أنا تركت فلسطين في هذا السن وما زلت فيه. رغم أن ذلك حدث من ٣٥ سنة، إلا أن تفاصيل هذه المرحلة لا تغيب عن ذاكرتي وأشعر أني أذكر وأعرف كل عشبة وكل حجر وكل بيت وكل شجرة مرت علي في فلسطين وأنا طفل. إن شخصية حنظلة كانت بمثابة أيقونة حفظت روحي من السقوط كلما شعرت بشيء من التكاسل أو بأنني أكاد أغفو أو أهمل واجبي أشعر بأن هذا الطفل كنقطة ماء على جبيني يصحّيني ويدفعني إلى الحرض ويحرسني من الخطأ والضياع. إنه كالبوصلة بالنسبة لي، وهذه البوصلة تشير دائماً إلى فلسطين. وليس فقط إلى فلسطين بالمعنى الجغرافي ولكن بالمعنى الإنساني والرمزي أي القضية العادلة أينما كانت في مصر أوفي فييتنام أو في إفريقيا الجنوبية.

وأنا شخصياً، إنسان منحاز إلى طبقتي. منحاز للفقراء وأنا لا أغالط روحي ولا أتملق أحداً. والقضية واضحة ولا تحتمل الاجتهاد: الفقراء هم الذين يموتون وهم الذين يسجنون وهم الذين يعانون معاناة حقيقية. هناك طبعاً من تاجر بقضايا الفقراء، وهناك من يمر بمرحلة النضال مرور ترانزيت ويطالب بعد ذلك بأن يصبح نجماً أبدياً. المناضل الحقيق دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حق الآخرين وليس على حسابهم.

ويلاتنا كثيرة ومرارتنا كثيرة وأنا لا أتحدث كفلسطيني فقط ولكن كابن مخيم في لبنان وأشعر أنني مدين لأبناء مجتمعي. هناك كثيرون ضمن مواقع السلطة والمؤسسات لا يرضيهم عملي. الأنظمة تحب أن يكون الفنان أو المثقف أو الصحفي أداة من أدواتها فيعلّقوا له النياشين والأوسمة ولكن بتقديري أن على الفنان أن يكون مخلصا لجماهيره.

أنا من مخيم عين الحلوة، وعين الحلوة مثل أي مخيم آخر. أبناء المخيمات هم أبناء أرض فلسطين. لم يكونوا تجاراً ولا مُلاّكاً. كانوا مزارعين فلما فقدوا الأرض فقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات. كبار البرجوازيين لم يأتوا للإقامة في المخيمات، أبناء المخيمات هم الذي تعرضوا للموت ولكل المهانة ولكل القهر. وهناك عائلات كاملة استشهدت في مخيماتنا، وهؤلاء الفلسطينيون هم الذين يعنونني حتي حين أتغيب عن المخيم بحكم ظروف عملي.

س............

كنت أعمل بالكويت حين صدرت جريدة السفير في بيروت. ولقد اتصل بي طلال سلمان، وطلب مني أن أعود إلى لبنان لكي أعمل بها. شعرت أن في الأمر خلاصاً، فعدت. ولكني تألمت وتوجعت نفسي مما رأيت. فقد شعرت أن مخيم عين الحلوة كان أكثر ثورية قبل الثورة. كانت تتوفر له رؤية أوضح سياسياً، يعرف بالتحديد من عدوه ومن صديقه. كان هدفه محدداً: فلسطين، كامل التراب الفلسطيني. لما عدت كان المخيم غابة سلاح، صحيح، ولكنه يفتقد إلى الوضوح السياسي، وجدته أصبح قبائل. وجدت الأنظمة غزته وعرب النفط غزوه ودولارات النفط لوثت بعض شبابه. كان المخيم رحماً يتشكل داخله مناضلون حقيقيون ولكن كانت المحاولات لوقف هذه العملية. وأنا أشير بإصبع الاتهام لأكثر من طرف، صحيح هناك تفاوت بين الخيانة والتقصير، ولكني لا أعفي أحداً من المسؤولية. الأنظمة العربية جنت علينا، وكذلك الثورة الفلسطينية نفسها. وهذا الوضع الذي أشير إليه يفسر كثيراً مما حدث أثناء غزو لبنان.

س.......

عندما بدأ الغزو كنت في صيدا. الفلسطينيون في المخيمات شعروا أنه ليس هناك من يقودهم. اجتاحتنا إسرائيل بقوتها العسكرية، انقضت علينا في محاولة لجعلنا ننسى شيئاً اسمه فلسطين. وكانت تعرف أن الوضع عموماً في صالحها، فلا الوضع العربي، ولا الوضع الدولي، ولا وضع الثورة الفلسطينية يستطيع إلحاق الهزيمة بها. والأنظمة العربية حيدت نفسها بعد كامب ديفيد.

في الماضي كانت الثورة الفلسطينية تبشر بحرب الأغوار، بالحرب الشعبية، العدو جاء باتجاهنا وكل قياداتها العسكرية كانت تتوقع الغزو. وبتقديري، ورغم أنني لست رجلاً عسكريا، ولم أطلق رصاصة في حياتي، أنه كان من الممكن أن تجتاح إسرائيل لبنان بخسائر أكبر بكثير. وهنا تشعرين أن المؤامرة كانت واردة من الأنظمة ومن غير الأنظمة، أقصد مؤامرة تطهير الجنوب والقضاء على القوة العسكرية الفلسطينية وفرض الحلول "السلمية" وتشعرين أنه مقصود أن تقدم لنا هذه "الجزرة" لكي نركض وراء الحل الأمريكي. هذا هو الوضع العربي والوضع الفلسطيني جزء منه. بتقديري أنه كان يمكن أن نسدد ضربات موجعة لإسرائيل ولكن مخيماتنا ظلت بلا قيادة. وكيف لأهاليها أن يواجهوا الآلة العسكرية الإسرائيلية، الطيران والقصف اليومي من البر والبحر والجو، بالإضافة إلى أن الوضع كان عملياً مهترئاً. قيادة هرمت، ومخيمات من زنك وطين، اجتاحها الإسرائيليون وجعلوها كملعب كرة القدم، ومع ذلك وصل الإسرائيليون إلى بيوت وحدود صوفر والمقاومة لم تنقطع من داخل المخيمات وبشهادات عسكريين إسرائيليين وشهادتي الشخصية- اعتقلت أنا وأسرتي كما اعتقلت صيدا كلها وقضينا ٣ أو ٤ أيام على البحر.

بعد أن تم الاحتلال كان همي أن اتفقد المخيم لأعرف طبيعة المقاومة والقائمين بها. أخذت معي ابني- وكان عمره ١٥ سنة وذهبنا بالنهار. كانت جثث الشهداء ما زالت بالشوارع والدبابات الإسرائيلية المحروقة على حالها على أبواب المخيم لم يسحبها الإسرائيليون بعد. تقصيت عن طبيعة المقاومين فعرفت أنهم أربعون أو خمسون شاباً لا أكثر. كان الإسرائيليون قد حرقوا المخيم، والأطفال والنساء كانوا في الملاجئ، وكانت القذائف الإسرائيلية تنفذ إلى الأعماق، وكان قد سقط مئات الضحايا من الأطفال في المخيم وفي صيدا. وبشكل تلقائي عاهد هؤلاء الشباب أنفسهم وبعضهم أنهم لن يستسلموا وأنها الشهادة أو الموت. وفعلاً لم تستطع إسرائيل أن تأسر أي واحد من هؤلاء الشباب. بالنهار في ضوء الشمس كانت إٍسرائيل تنقضّ عليهم، وفي الليل يخرجون بالآر بي جي فقط .

هذه صورة مما حدث في مخيم عين الحلوة، وأنا شاهد ولكني أعرف ان هناك صوَراً أخرى بمخيمات صور والبرح الشمالي والبَصّ والرشيدية.

إن الناس في الملجأ وفي الشارع يدعون الله، يسبّون الأنظمة وكل القيادات ويلعنون الواقع ولا يبرئون أحداً، ويشعرون أن ليس لهم إلا الله ويتحملون مصيرهم.

جماهير الجنوب بما فيها جماهيرنا الفلسطينية المعثرة (الفقيرة) هي التي قاتلت وهي التي حملت السلاح ووفاء لهذا الشعب العظيم الذي أعطانا أكثر مما أعطانا أي طرف آخر وعاني وتهدم بيته لا بد من أن يقول المرء هنا أن مقاومي الحركة الوطنية اللبنانية قد جسدوا روح المقاومة بما يقارب الأسطورة. وفي رايي أن الإعلام العربي مقصر في عملية توضيح روح المقاومة الحقيقية.

في عين الحلوة تبعثر الناس بين البساتين مع أطفالهم، أما إسرائيل فلمت كل الشباب (أنا مثلاً انفرزت ٤ أو ٥ مرات) ثم اعتقلت ونقلت معظمهم إلى أنصار. وهنا بدأ دور النساء. ولا أعتقد بإمكان أي فنان أن يجسد ذلك الوضع الذي عاش في ظله أهالي الجنوب. على الفور بدأت الناس- والجثث في الشوارع- تعود إلى بيوت الزنك الذي انصهر وتعمل مع أطفالنا على إصلاح البيت بالأحجار، بالخشب، تظلل أولادها من الشمس، تعمل كالنمل تعيد بناء عششها التي تهدمت. وكان شاغل إسرائيل والسلطة اللبنانية أيضاً أن تختفي هذه المخيمات لأنها هي البؤرة الحقيقية للثورة ولكن النساء والأطفال في غيبة الرجال في معسكرات الاعتقال أو المختفين ممن الرصد الإسرائيلي قاموا بإعادة بناء مخيم عين الحلوة.

شاهدت كيف كان الجنود الإسرائيليون يخشون من الأطفال (الشبل ابن العاشرة أو الحادية عشرة كان لديه القدر الكافي من التدريب الذي يمكنه من حمل مدفع الآر بي جي، والمسألة ليست معقدة، دبابتهم أمامك وسلاحك في يدك) كان إسرائيليون يخشون من دخول المخيم، وإن دخلوه فلا يكون ذلك إلا في النهار.

عندما تركت لبنان من أكثر من سنة كان مخيم عين الحلوة قد عاد... الحائط الذي ينهدم يعاد بناؤه ويكتب عليه "عاشت الثورة الفلسطينية" المجد للشهداء. وفي تقديري أن هذا العمل لم يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائيا وكنوع من الانسجام مع النفس. كبرياء الناس وكرامتهم هي التي تملي عليهم تلك المواقف. لأنه في حالات كثيرة كان الإنسان يتمنى الموت. الإسرائيليون أوصلونا إلى حالة نفسية من هذا النوع. كنا قد تجاوزنا مرحلة الخوف والهلع. وكان الخط الفاصل بين الحياة والموت قد سقط.

س..............

انصابت ابنتنا الصغيرة "جودي" من قصف عشوائي من جماعة سعد حداد، وكان ذلك سنة ١٩٨١ قبل الاجتياح. كنت نائماً وسمعت الصراخ ثم حملتها وهي تصرخ وأجرينا لها عملية جراحية، ولا نزال نعالجها.

ولكن مصيبتنا تتضاءل أمام مصائب الناس فهناك عائلات فقدت خمسة وستة شباب من أبنائها وأصبح البيت خاوياً، همنا الشخصي لا يذكر. وكان يؤرقني طوال الوقت إحساسي بالعجز عن الدفاع عن الناس، فكيف أدافع عنهم برسم؟! كنت أتمنى لو أستطيع أن أفدي طفلاً واحداً. إن ظروف الاجتياح من قسوتها، أفقدت الناس صوابهم. مرة وأنا عائد إلى البيت مع ابني خالد وجدت رجلاً عارياً. كان الناس ينظرون إليه باستغراب، ناديت على وداد، زوجتي، طلبت منها أن تنزل لي قميصاً وبنطلوناً. كان الرجل حجمه كبيراً فأحضرت قميصاً من عندي وبنطولناً من عند جارنا وألبسناه. كان الرجل في وضع مأسوي جداً، حاولت أن أسأله ولكنه لم يتكلم. سألت عنه فعرفت أنه من صيدا، وأنه عندما استمر القصف عدة ليال اضطر للخروج ليحضر لأولاده خبزاً أو أي شيء يأكلونه، على أمل أن يجد دكاناً مفتوحاً، لأن صيدا القديمة شوارعها مسقوفة وبالإمكان أن يسير فيها الإنسان بقدر نسبي من الأمان. لم يجد الرجل أي دكان مفتوح فعاد إلى بيته. ولكنه وجد البيت وقد تهدم على زوجته وأطفاله السبعة أو الثمانية ففقد توازنه.

وعندما أخذنا الإسرائيليون باتجاه البحر مررت من أمام هذا البيت فوجدت لافتة صغيرة مكتوباً عليها بالفحم "انتبه هنا ترقد عائلة فلان" (للأسف نسيت اسم الشخص). وهذه اللافتة هو نفسه كتبها لأن الجثث كانت ما تزال تحت الردم. فقد الرجل عقله وسار في الشارع عارياً.

هذه صورة من صور المآسي وهي عديدة. كان البعض يسير أمام الدبابات الإسرائيلية ويهتف "تعيش الثورة، تسقط إسرائيل، يسقط بيغين" في حالة فقدان للتوازن.

بجوار بيتنا هناك ساحة، جاءت جرافات كبيرة وتصورنا أن الإسرائيليين سيقيمون مواقع دبابات ولكنهم كانوا قد لملموا الجثث من الشوارع وأتوا بها لدفنها في هذا المكان الذي أصبح مقبرة جماعية.

كل من عاش هذه التجربة رأى حجم المأساة، البعض استطاع استيعابها والبعض الآخر فقد اتزانه. ومع ذلك لم يعد هناك خيار. كانت المرأة تدافع عن زوجها، تعيد بناء بيتها، تؤمن ماءها، تطمئن على الأولاد في أي معتقل، تخرج في المظاهرات، تطالب بالإفراج عن الرجال المعتقلين. وكانت إسرائيل تحصدهم حصداً بالرصاص. وهناك صديقة إيطالية صورت مشهد النساء اللاتي سقطن برصاص الجنود واستشهدن ولاحقها الإسرائيليون ومرغوها في الوحل، ولكنها استطاعت الهروب وجاءت إلى البيت عند وداد زوجتي وغسلت الكاميرا ونشرت الصورة التي التقطتها بمجلات غربية.

في هذه المرحلة كان الجيش الإسرائيلي يأتي بصحفيين إلى صيدا ويجعلهم يشاهدون كيف أن الجيش الإسرائيلي يقدم مياها للشرب للأطفال. ولم تكشف الصحافة المجازر التي جرت في صيدا. صحيح أن بعض الصحفيين كشفوا الذي حدث في صبرا وشاتيلا ولكن حتى هذا تم جزئياً في سياق هدف سياسي. لم يكن الهدف من هذه المجازر البشعة قتل آلاف من الفلسطينيين إنما كان الهدف جزرنا بالمعنى النفسي أي أن نيأس إلى حد التنازل عن حقنا في فلسطين. ولكنه حتى إنْ مل البعض النضال فهناك أجيال آتية وكما كنا نتعلم من الحزن في عيون آبائنا سوف تلتقط منا من بعدنا الرسالة. جيلنا أعطى ولكن حجم المؤامرة علينا كان أكبر. والواقع العربي خدم أعداءنا، والواقع الدولي ومسائل أخرى كثيرة. شعبنا لا ينقصه قيادة بل حزب، حزب يملك دليلاً نظرياً كاملاً يبدأ من نقطة الصفر. إن تفهمي من كلامي أني غير راض عن الثورة سأقول لك نهم، أنا غير راض. أشعر أن فلسطين بحاجة إلى ملائكة، جند الله، ألف جيفارا، أنبياء تقاتل، قيادات حقيقية واعية تعرف كيف ترد. وبتقديري أن الأنظمة العربية أجهضت ثورتنا وبتقديري أيضاً أن المقولة القائلة إن الفلسطينيين وحدهم هم الذين عليهم تحرير فلسطين هي مقولة خائنة، فكلنا يعرف ما هي طموحات إسرائيل بالنسبة لمصر ولبنان وسوريا.

بعد الاجتياح بقيت شهراً في صيدا، حاولت، مثلي مثل غيري، أن أرمم البيت وأن أواسي الناس وأعزيهم، أملأ ماء، أنقل أشياء للناس إلخ. ولكني كنت أفكر ماذا أفعل وانتهيت إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت حيث جريدة السفير وحيث بإمكاني أن أرسم.

مر وقت ظن فيه الناس أني مت، إلى أن مرّت إحدى البنات بصيدا واكتشفت أني موجود فأعطيتها رسومات لي لكي يطمئنوا في السفير ويتأكدوا من أني ما زلت حياً.

وكنت طوال الوقت أفكر: ماذا أفعل؟ وأنتهى بي تفكيري إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت، فودعت زوجتي وأولادي وذهبت. كان من الصعب أن اصل، ليس فقط بسبب الإسرائيليين ولكن أيضاً بسبب الكتائب الذين كانت معرفتهم بأني فلسطيني سبباً كافياً لقتلي.

بدأت رحلتي ذات صباح باكر في سيارة ثم نزلت بين أشجار الزيتون في مَنزَل اسمه الشويفات واتجهت إلى بيروت مشياً ويومها التقيت بالكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس الذي كان طالعاً باتجاه دمشق وكانت لديه أخبار بأني ميت. ثم وصلت السفير.

وفي بيروت التقيت بالكاتبين الفلسطينيين حنا مقبل (رحمه الله) ورشاد أبو شاور وكانا يصدران مجلة اسمها المعركة، فصرت أرسم في السفير وأرسم في المعركة وأتساءل ما الذي بإمكان المرء أن يفعله في مواجهة هذا القصف من الجهات الست (من الجهات الأربع ومن الجو والسيارات المفخخة). وكما يقول الفلسطينيون "هنا يكون الموت موجب كثير" كان المواطن منا يشعر بالتقصير والعجز ويرحب بالموت.

وعشنا معاً نحن العاملين في السفير في تلك الفترة (وحتى البنات مرة طبخن لنا مكرونة بلا لحم طبعاً ولا أي شيء ولكننا وجدناها أشهى أكلة. وكان معنا شاب مصري يعمل في الكانتين ويظل ساهراً معنا يأتينا بالشاي والقهوة). كانت تجربة خاصة وحميمية، وكان شاغلنا هو رفع معنويات الناس بالكلمة، وبالمانشيت، وبالرسم.

السفير قدمت من شبابها، والشاعر علي فودة استشهد وهو يوزع مجلة "الرصيف" التي كان يصدرها. كانت المسألة قدرية، القذائف تصل الأطفال في الملاجئ...وهكذا يشعر الإنسان أن بقاءه حياً محض صدفة، إذا جاءت القذيفة جاءت وإن لم تأت فذلك مجرد صدفة، لم تكن هناك فرصة أمام أحد ليحزن أو ليبكي. وأنا بكيت مرة واحدة بعد خروج المقاومة ومجزرة صبرا وشاتيلا.
ولم يكن بكائي قهراً بقدر ما كان إعلاناً أني فلسطيني وأني أبكي الشهداء وأبكي الوضع. كنت أشعر بالوحشة. كثير من أصدقائي الحميمين كانوا قد ذهبوا وكنت أشعر أن البيوت من حولي فارغة. قبل ذلك كنت تلتقي في نفس تلك الشوارع بالمناضل المصري مع المناصل اللبناني مع المناضل الفلسطيني مع المناضل العراقي. والمرء يشعر بوجودهم ويتحامى فيهم ويستظل بهم. ومع ذلك صار لبيروت بعد خروج المقاومة معزّة خاصة في نفسي.

وكنت أسأل نفسي، كيف أعبّر؟ كنت أشعر بالعجز وأتصور أنه لا يوجد أي شاعر يقدر على تجسيد أي مشهد و لحظة واحدة من لحظات بيروت ومع ذلك كنت أرسم.

وفي يوم كان القصف عنيفاً جداً على بيروت، من الجهات الست، وتوقفت كل الصحف ما عدا السفير. وأين نلجأ؟ إلى الدور الأرضي محل المطابع. واستمر القصف طوال الليل ولم يتركوا زاوية أو بيتاً إلا وقصفوه. وعندما خرجت وجدت كل البيوت مصابة من فوق ومن تحت وانضافت إليها شبابيك جديدة! رسمت زهرة مقدَّمة لبنت-رمز بيروت- من الفجوة التي أحدثتها القذيفة مع عبارة "صباح الخير يا بيروت". إن "صباح الخير" لليلة حالكة بهذا الشكل تكستب معنى خاصاً. تصوري، القارئ، بعد كل هذا القصف والموت، يفتح الجريدة في الصباح، فيرى الرسم، يرى أحداً يصبّح على بيروت. كان ذلك كلقائنا في الشوارع بعد القصف نقبل بعضنا بعضاً ونبتهج أننا ما زلنا أحياء وكل شيء يهون ما دمنا ما زلنا أحياء!

وعندما بدأ الرحيل- وبالمناسبة، لم أستطع رؤية هذا المشهد الذي ربما يكون فيه مقتلي...لم أستطع الخروج لتوديع المقاومة ورؤية الناس وهي ترش الزهور والأرز على المقاتلين. أقول عندما بدأ الرحيل مع أول سفينة غادرت الميناء رسمت فدائياً يترك السفينة الراحلة ويسبح عائداً إلى الشاطئ وهو يقول "والله اشتقنا يا بيروت!".

س.............

الرسم بالنسبة لي مهنة ووظيفة وهواية ورغم أنني أعمل رساماً منذ عشرين سنة إلا أنني لم أشعر أبدا بالرضا عن عملي. أشعر بالعجز عن توظيف هذه اللغة التعبيرية في نقل همي لأن همي كبير، هل ترين كيف؟ والرسم هو الذي يحقق لي توازني الداخلي، هو عزائي ولكنه أيضاً يشكل لي عذاباً. أحياناً أقول إن هذا الكاريكاتير الذي أرسمه يجعل حظي أفضل من غيري أنه يتيح لي إمكانية تنفيس همي وأن الآخرين قد يموتون كمداً وقهراً من ذلك الهم الذي يجثم على قلوبهم وينفث سمه اليومي فيهم. أنا أعرف أن الرسم يعزيني.

وأشعر أيضاً أن الكاريكاتير لغةُ تخاطبٍ مع الناس، لغة تبشير وهو للنقد وليس للترفيه، وأعتبر نفسي جرّاحاً من نوع ما. أرى أن حزني ومرارتي وسوداويتي التي أعبر عنها هي حالة نبيلة ومشتركة بيني وبين المواطنين الذين يحزنهم ويوجعهم هذا الواقع العربي. قلت لك إنني في الكويت خلقت شخصية حنظلة خوفاً من التلوث بالمجتمع الاستهلاكي وإني حاولت أن أرسم بدون تعليق وأن أخلق رموزاً مشتركة بيني وبين القارئ، ومع ذلك فإنني أشعر مرات عديدة أنني أريد أن أكتب تعليقات وأحكي كثيرا ، أعمل منشورا، مانيفستو، أريد أن أؤذن في الناس أن أوصل رسالتي بوضوح وبأي شكل، وأشعر أحيانا أن ذلك يتم على حساب فنية الصورة، ولكني أشعر أني لا أستطيع أن "أتمرجل" وأتعالى على القارئ. أحاول أن أستخدم أدواتي الرمزية ولكني أيضاً مشغول بقضية التوصيل الواضح للشخص العادي الفقير والذي يعنيني في المقام الأول.

س.........

كنت أتابع مجلتي صباح الخير وروز اليوسف أيام أحمد بهاء الدين وصلاح جاهين ورجائي وإيهاب وحجازي وبهجت ورؤوف. ويبدو لي أننا نشأنا في نفس الوقت ولكنهم سبقوني قليلا- ربما لأنه توفرت لهم الفرصة. كانت المادة التي يقدمها هؤلاء الفنانون بها موقف ومتعة ذهنية وصفات مميزة. الْهَمّ الذي كان عندي كان يختلف بعض الشيء. وعندما أسأل بمن تأثرت أقول إنني تأثرت بكل نَفَس طيب إن كان كلمة أو رسمة أو لقاء.

وعندما أرصد دور الكاريكاتير في مصر أتوقف أمام المواقف المشرفة والمحفوظة ليس في ذاكرتي فقط ولكن في ذاكرة كل الناس لفنانين كحجازي وبهجت ورؤوف. وأنا أتابع، إلى حد ما، جريدة الأهالي وأرى رسوم عز العرب. ثم أن هناك أيضاً نبيل السلمي وجورج البهجوري، ورغم أن تعاملهما مع الكاريكاتير محدود إلا أن المرء يعرف مدى معاناتهما يقدر مواقفهما في برلين أو في باريس يعلم أن مجرد إحجامهما كان موقفاً يرفض المشاركة في عمليات التدليس والتزييف والجو الإعلامي المبرمج لجعل كل أدوات الثقافة موجهة لخدمة التطبيع وعلى حساب حقوق شعبنا وحقوق الشعب المصري وكرامته.

س.........

بالنسبة لأعدائي لا أفرق بين عدوي الإسرائيلي وعدوي العربي. لا فرق بين أن يكون اسمه محمد أو إلياس أو كوهين. لست عنصرياً. لقد اتخذت موقفاً ضد حرب لبنان لأنها حرب "مفبركة" وترتبت بأدوات لخلق كل هذه المصائب. الفقير الماروني وُظف ليقاتل من أجل طبقة برجوازية مارونية ضالعة مع إسرائيل وأمريكا وضالعة مع عرب أمريكا. والفقير الفلسطيني أو الفقير المسيحي يموت وعلى بصره وبصيرته غشاوة تجعله يفشل في تحديد أعدائه الحقيقيين. هذا القضايا أحاول شرحها وألح عليها كثيراً.

المؤامرة على المنطقة إذن مستمرة، وأدوات القمع تزداد، والقبلية تكثر وهذا لا يجعل المرء يستسلم بل لا بد أن يستنفر قواه الذاتية وهذا واجب كل القوى الديمقراطية، واجبها أن تشكل نسيجاً واحداً. ولا أعتقد أن هناك اختلافاً أساسياً بين المواطن المصري والمواطن التونسي مثلاً. هناك حقوق مهضومة وواقع تجزئة.

وما أراه أن أمريكا تقاتل من خلال أنظمتها-عرب أمريكا- وأجهزتها البوليسية والإعلامية. ورغم شعوري أن هذا زمن رمادي وزمن داكن فما زلت أبشر بالثورة، ثورة حقيقية مهما كانت التضحيات. إن هذا التمزق الضيق والضغوط والمعاناة لا بد أن يولد منها شيء.

س.......

ما هو واجب المثقف...هل ينتظر أن يركب دبابة؟! ليس المطلوب منه سوى أن يظل ملتصقاً بهمّ الناس ويعبر عن هذا الهَمّ. والديمقراطية بحاجة لشهداء أيضاً وبتقديري أن هناك المئات من السلاطين الجائرين وأن كلمة حق واجبة وضرورية وعلى المرء أن يؤذن في الناس.

ورغم أني شخص غير مثقف إلا أنني أحب قراءة الصفحات الثقافية في الجرائد وأتابع الظواهر الثقافية وأظل قلقاً لأني أعرف أن المثقفين يتعرضون لكثير من الضغط والإغراءات وأن هناك أموال نفط أثرت وما زالت على المئات منهم. لذلك عندما أسمع صوتاً كصوت أحمد فؤاد نجم أو أرى رسما لبهجت أو لحجازي أفرح وأنتعش. وعندما أرى مثقفاً كبيراً، أستاذا جامعياً أو كاتباً، يستخدم لحساب هذه الجهة أو تلك أغضب وعندما أرى شاعراً يحبه الناس ويصنعون منه نجماً يركب الناس أحزن وأبتئس. إن لم يكن من يتغنى بالزيتونة يحب الفلاح الذي غرسها ومستعداً للموت من أجله فأنا لا أريد شعره ولا شاعريته.
هناك ناس تخسر روحها، بلغة المسيح، وإن كسب الإنسان كل الدنيا وخسر نفسه فما هي قيمته؟ والمثقف الذي يستخدم لحساب الأنظمة وإسرائيل والإمبريالية هل يولد من بطن أمه خائناً؟ إنه يبدأ بضمير رخو، ثم يقدم التنازل تلو التنازل ويتحول إلى أداة من أدوات الإعلام الرسمي. ويفكر أنه ناجح وكبير ومهم وهو في الحقيقة مجرد صامولة، مسمار أداة، لا شيء.

س.........

منذ طفولتي وأنا متأثر بشخصية المسيح، ولقد قرأت التوراة والإنجيل والقرآن وأحمل صليباً داخلي وحججت مرتين. إن أول رسم كاريكاتير فكرت فيه هو أن أصلب نفسي، ليس أن أرسم نفسي مصلوباً بل أن أذهب إلى الأمم المتحدة حاملاً صليبي، نوع من التعبير عن وضعنا وحقنا المهضوم، كان عمري ١٣ أو ١٤ سنة. البوذيون يحرقون أنفسهم احتجاجاً وهذا نوع من التعبير السياسي والعطاء.

س.............

المسيح يعنيني كقيمة للفداء ولقد رسمته كثيراً ليس لأنه فلسطيني بل لأنه كان مطارداً أو مغلوباً وهو النبي. أرسمه كجنوبي من لبنان أو كفلسطيني من أبناء المخيمات.

س..........

أتوق إلى زيارة القاهرة، لم أزرها منذ سنوات عديدة. أريد أن آتي ليس للسياحة ولكن كنوع من الوفاء لمصر وحباً لشباب على لسانهم كلمة فلسطين، ما زالوا يرفعون العلم الفلسطيني. أريد أن آتي لأشمهم وأحضنهم وأقول لهم إن كل هذا محفوظ ومقدر وإن شعب فلسطين لن ينسى الخونة ويستحيل أن ينسى من قدموا وأعطوا وظلوا أوفياء للقضية، وأشعر أن من يرفع علم فلسطين ليس وفياً لفلسطين وحدها بل أيضاً لشهداء سيناء.

س...........

في الحرب وأنا في الملجأ قلت لزوجتي إنني أنذر نذراً لو بقيت على قيد الحياة فسوف "أفضح" هذا الواقع العربي بكل مؤسساته وبكل أنظمته على حيطان العالم العربي كله، إن لم أجد جريدة. وما زلت عند نذري. عندي رغبة في الاستمرار وفي الإيفاء بالنذر.... المعركة مفتوحة وما زال عندي أمل. وعندي إحساس أنه لا بد من الحصول على حقوقنا المهضومة مهما كان الثمن. وأشعر بالضعف أمام الناس البسيطة. أما النجوم فليس عندي نجوم. شيء طبيعي أن يكون المرء ثورياً وأن يكون محترماً...وليس طبيعياً في المقابل أن يركب على أكتافنا!.
انتهى

المصدر: مريد البرغوثي


2019-07-24 || 08:31






مختارات


مقترح لإنشاء قصر ثقافي في نابلس

سيد عنبة.. لقاء عن الشيخ إمام الفنان والإنسان

أشياء عن عنترة بن شداد العبسي

"ليتني كنت أعمى".. كي أرى!

إطلاق رواية "دِمَشْقيَ" لسعاد العامري

هل غادر "ناجي العلي" من متردَّم؟

28 عاماً على اغتيال الفنان ناجي العلي

رنا بشارة تعيد دفن ناجي العلي في تراب قريته

وين أروح بنابلس؟

2026 04

يكون الجو حاراً جافاً ومغبراً، حيث يطرأ ارتفاع آخر على درجات الحرارة، لتصبح أعلى من معدلها العام بحدود 9-10 درجات مئوية، وتتراوح في نابلس بين 31 نهاراً و20 ليلاً.

31/ 20

أسعار العملات

الدولار الأمريكي الدينار الأردني اليورو الأوروبي
2.99 4.22 3.53