تفرض التكنولوجيا تحديات على المجتمع ومؤسساته. وخلال انتشار الهواتف الذكية بات من الصعب حصر المخاطر والإشكاليات، خاصة في ظل وجود عدد هائل من التطبيقات التي تحتويها هذه الهواتف.
وخلال السنوات العشر الآخيرة ظهر مصطلح المواطن الصحفي، وهو الفرد القادر على نقل الأحداث والأخبار بجودة عالية من خلال استغلال تطيبقات الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وعقب إطلاق شركتي جوال والوطنية موبايل خدمة الجيل الثالث للإنترنت في فلسطين، أصبح بإمكان كل مواطن استغلال هذه الخدمة ونقل الأحداث بالصوت والصورة من موقع الحدث نفسه. وهذا شكل تحدياً كبيراً لدى الإعلاميين الفلسطينيين، الذين تكمن مهمتهم بنقل الأحداث الجارية بمسؤولية ومصداقية.
هذه الإشكالية دفعت
دوز للبحث وراء حيثيثات هذا التحدّي القديم الجديد.
وفي حديث مع الأكاديمي المختص في مجال "السوشال ميديا" في جامعة بيرزيت محمد أبو الرب، أوضح أنه "ما من شك بأن خدمة الجيل الثالث للإنترنت ستساعد الصحفي على نقل الأحداث بشكل أسرع ومباشر". وتابع أبو الرب لـ
دوز: "هذه الخدمة بالتأكيد ستقلل تكاليف البث العالية للشركات، ووسائل الإعلام محدودة الميزانية".
وأضاف أبو الرب: "سنشهد حالات تداخل بين الصحفي والمواطن الصحفي، وحدوث تزاحم على نقل الأخبار والبث المباشر، خصوصاً في منطقة أزمات واحتلال مثل فلسطين". وأشار أبو الرب إلى أن "هذا التداخل قد يضعف من جودة العمل الإعلامي، ويزيد من تركيز الجمهور على أحداث على حساب أحداثٍ أخرى".
ومن جهة أخرى، اعتقد مراسل قناة العربية عبد الحفيظ جعوان "أن الجيل الثالث لن تؤثر على التحديات التي واجهها الصحفي خلال السنوات الاخيرة، وذلك ببروز منافس شرس في الميدان وهو المواطن الصحفي". وبيّن جعوان، "أن الخدمة قد تزيد من حجم التحدّي نوعا ما على عاتق الصحفي الفلسطيني، ولكن ليس بهذا الفارق الكبير".
وعبّر جعوان عن وجهة نظره قائلا: "إن الصحفي يمكنه استغلال هذه الخدمة بشكل أفضل من المواطن العادي، وبقليل من الذكاء، من خلال ممارسة تغطيات مباشرة خارج إطار العمل، وتكون مخصصة لجمهور السوشال ميديا، ولكن بأسلوب إعلامي متقن". وتابع جعوان: "فعل الصحفي ذلك، سيستعيد شيئاً من بريقه، خصوصاً أن الصحفي ما زال يتمتع بشيء من الثقة والمصداقية عند الجمهور أكثر من المواطن الصحفي".
متعة الـ 3G ستنتهيبيّن المتخصص في مجال الإعلام الرقمي مراد السبع، "أن مصطلح المواطن الصحفي يجب ألّا يحل محل الصحفي المعتمد والموثوق في نقل الخبر، حيث إن الصحفي لديه أخلاقيات ومسؤولية مهنية تجاه الجمهور".
وأكد السبع أن "المواطن الصحفي هو عامل مساعد، ويجب أن يكون المسؤول عنه هو الصحفي نفسه، لكي يتأكد من المعلومة ويقدّمها إلى الجمهور بكل ثقة ومسؤولية".
وأشار السبع إلى أن "الصحفي مرتبط بوسيلة إعلامية جماهيرية تحاسبه إن أخطأ، وتقطع سبل عيشه إن أساء، كما أن لديه مسؤولية ذاتية وعامة، في حين أن المواطن الصحفي لديه مسؤولية التباهي، وهنا يجب على الصحفي أن يتحقق من هذا التباهي".
وعند حديثه عن خدمة الجيل الثالث للإنترنت، قال السبع "إن هذه الخدمة لن تؤثر كثيرا من حيث إحلال المواطن الصحفي محل الصحفي". وتوقع السبع أن متعة الإبحار عبر هذه الخدمة "سوف تنتهي قريباً، نظراً للارتفاع الباهظ على أسعار الخدمة، وهذا الارتفاع في السعر لن يخدم على المستوى البعيد الصحفي أو المواطن الصحفي". وأكد السبع أن "عنصر الاستفادة من الخدمة مرهون بالسعر ونوع الخدمة المقدمة".
الصحفي على المحك؟ من جانبه، قال المختص في مجال صحافة الموبايل أمجد حسين: "إن الصحفي الفلسطيني كان يلجأ إلى الاشتراك بالإنترنت الإسرائيلي ليواكب الأحداث الجارية". وتابع حسين: "مع خدمة الجيل الثالث أصبح متاحاً للصحفي تغطية الأحداث بشكل مباشر من أي مكان بالضفة".
وبين حسين أن كل مواطن يحمل هاتفاً ذكياً بإمكانه أن يكون مراسلاً لأي حدث يجري أمامه، وهذا يعتبر تحدياً أمام الصحفيين، الذين يتميزون عن أي مواطن عادي بالدقة والنوعية في نقل الحدث، كي لا تصبح وظيفة الصحفي على المحك.
وأشار حسين إلى أن امتلاك المواطن القدرة على نقل أي حدث بأي وقتومن غير ضوابط "يزيد من احتمالية انتشار الأخبار الكاذبة والإشاعات بشكل أسرع، وهذا يزيد من العبء على الصحفي كي ينقل الصورة الصحيحة ويبحث عن طرق أكثر حرفية لنقل الخبر ليكون هو الأسرع والأدق".
دور النقابةاعتبرت الناشطة الشبابية آلاء دياك أن خدمة الجيل الثالث ستساعدها بشكل واسع في نشر الأحداث والفعاليات التي تغطيها. وقالت دياك: "إن الإنترنت المتاح في كل مكان وزمان لا يشكل تحدياً على الإعلاميين فحسب، بل يؤثر على المواطنين الصحفيين أنفسهم، بحيث شكل الجيل الثالث لهم مرحلة جديدة للتعامل بمصداقية أكثر لكسب ثقة جمهورهم". واعتبرت دياك أن التحدي الملقى على عاتق المواطن الصحفي أصعب، لأن "الرقابة على ما ينتشر من قبلهم هي رقابة ذاتية نابعة من الحس بالمسؤولية".
من جهته، أكد مدير نقابة الصحفيين الفلسطينيين يوسف محارمة، أن النقابة تحاول جاهدة تنظيم هيئة العمل الإعلامي، وتوفير فرص عمل لكل الكفاءات القادرة على إثبات جدارتها للعمل الصحفي والإعلامي. وقال محارمة: "إن النقابة تعمل على حماية الصحفي بمختلف المجالات الحقوقية والمالية والأخلاقية".
وأضاف محارمة: "الصحفي المعتمد يعمل لدى مؤسسة تحميه وتحمي حقوقه وهذا غير محقق للمواطن الصحفي، وبالتالي فإن المواطن الصحفي يتعرض لخطر مضاعف ولا يمكن حمايته قانونياً نظراً لعدم احتوائه من قبل أي مؤسسة إعلامية".
وحول مفهوم المواطن الصحفي، أشار محارمة إلى أن هذا المصطلح ليس غريباً على الساحة الإعلامية، ولكن عقب إطلاق الجيل الثالث أصبح من الصعب حصر المواطنين الصحفيين، وهذا يشكل تحدياً كبيراً، فالجمهور الفلسطيني "يتعرض لكمية هائلة من المعلومات بوقت واحد، ومن الصعب التأكد من صحتها بسبب الانتشار السريع لها".
وأوضح محارمة، أن النقابة "ستعقد العديد من الدورات للصحفيين لتدريبهم على التعامل السلسل مع خدمة الجيل الثالث، والحفاظ على مهنيتهم في ظل وجود المواطنين المنافسين، بهدف كسب ثقة الجمهور الفلسطيني بفضل المصداقية والمهنية التي سيلتزم بها الصحفي".
الكاتبة: لمى منصور
المحررة: سارة أبو الرب