مشاركة المرأة في الانتخابات المحلية.. من تمثيل إلزامي إلى التأثير في القرار
تزايد حضور المرأة الفلسطينية في الانتخابات المحلية ترشحاً ومشاركةً يعكس تحولاً تدريجياً في دورها نحو دور فاعل في صنع القرار.
في مشهد يعكس تنامي حضور المرأة الفلسطينية في الحياة السياسية ومشاركتها المتزايدة في الشأن العام، تخوض مرشحات غمار الانتخابات المحلية بدوافع ترتكز على خدمة المجتمع وتعزيز دور المرأة في مواقع صنع القرار، رغم ما يرافق هذه التجربة من تحديات مجتمعية وثقافية متفاوتة.
أرقام تكشف ارتفاع نسبة تمثيل المرأة
وتشير المعطيات الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية إلى أن النساء يشكلن نحو 49% من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين للانتخابات المحلية لعام 2026، فيما بلغت نسبة المرشحات في القوائم البلدية نحو 32%، مقابل نحو 23% في المجالس القروية. كما ترأست سيدات ثماني قوائم انتخابية، في حين شكلت النساء نحو 57% من طواقم إدارة العملية الانتخابية، ما يعكس حضوراً متزايداً في المشهد الانتخابي من حيث الترشح والإدارة والمشاركة.
هذا الحضور، وفق مرشحات، لم يعد يقتصر على استيفاء متطلبات قانونية، بل بدأ يأخذ طابعاً فعلياً على الأرض. وتقول المرشحة جيهان أبو عمر من بلدة جماعين جنوب نابلس لـ"وفا"، إن ترشحها جاء انطلاقاً من قناعة بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي، من خلال أفكار قابلة للتطبيق تسهم في تطوير مجتمعها المحلي، معتبرة أن تجربتها داخل القائمة جاءت على أساس الكفاءة والخبرة، وليس فقط استجابة لمتطلبات "الكوتا" النسائية.
وأوضحت أبو عمر، أن قرار خوض الانتخابات لم يكن سهلاً في البداية، في ظل وجود بعض التحفظات المجتمعية تجاه مشاركة المرأة في الحياة العامة، إلا أن الدعم الذي تلقته من محيطها العائلي والاجتماعي ساهم في تعزيز ثقتها بنفسها، إلى جانب الدافع الداخلي الذي دفعها لخوض التجربة.
ولفتت إلى أن أبرز التحديات التي واجهتها تمثلت في النظرة التقليدية التي ما زالت تشكك بقدرة المرأة على القيادة واتخاذ القرار، مؤكدة أن هذه النظرة شكلت حافزاً إضافياً لها لإثبات جدارتها وكفاءتها في المجال العام، وليس عائقا أمام مشاركتها.
وأضافت، أن تجربتها داخل القائمة الانتخابية كانت إيجابية إلى حد كبير، إذ تم اختيار أعضاء القائمة، بمن فيهم النساء، على أساس الكفاءة والخبرة، وليس فقط استجابة لمتطلبات التمثيل النسوي، ما عزز ثقتها بقدرتها على التأثير في حال الفوز ودخول المجلس البلدي.
وأشار أبو عمر إلى أن المرأة لم تعد مجرد ناخبة أو عنصر مكمل في العملية الانتخابية، بل أصبحت شريكا أساسيا في صياغة القرار المحلي، مشددة على أن مشاركتها تعكس تطوراً في وعي المجتمع تجاه دور المرأة، وتساهم في تحقيق تمثيل أكثر عدالة لاحتياجات مختلف الفئات.
وفيما يتعلق بأولوياتها، تشير إلى أهمية دعم المشاريع الصغيرة التي تديرها النساء لتعزيز استقلاليتهن الاقتصادية، إضافة إلى توسيع برامج التدريب المهني لتمكينهن من دخول سوق العمل بمهارات جديدة، فضلا عن تعزيز التواصل بين البلديات والنساء لضمان الاستجابة لاحتياجاتهن بشكل مباشر وفعال.
وأكدت أبو عمر، أن مشاركة المرأة في الانتخابات، ترشحا وتصويتا، تمثل خطوة أساسية في مسار تعزيز العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع أكثر شمولاً وتمثيلاً.
تجارب المرشحات الانتخابية
من جانبها، تقول المرشحة همسة التكروري التميمي عن إحدى القوائم في بلدية الخليل إن دافعها الأساسي للترشح يتمثل في خدمة أبناء مدينتها وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، معتبرة أن العمل البلدي في جوهره يرتبط مباشرة بحياة الناس اليومية واحتياجاتهم الأساسية.
وتضيف التميمي في مقابلة مع "وفا"، أن خبرتها الممتدة لأكثر من 23 عاماً في القطاع الحكومي مكنتها من الاطلاع على التحديات التي تواجه المجتمع المحلي، وهو ما عزز رغبتها في خوض التجربة الانتخابية بهدف المساهمة في تحسين الواقع القائم، ولو بشكل تدريجي.
وتوضح أنها لا ترى فرقاً في طبيعة التحديات اليومية بين الرجل والمرأة، كونها تعيش نفس الظروف الخدمية مثل باقي المواطنين، بما في ذلك الأزمات المتعلقة بالخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعلها أكثر إدراكا لأولويات العمل البلدي.
وحول التحديات، تشير إلى أنها لم تواجه صعوبات تذكر بسبب كونها امرأة، لافتة إلى أن الدعم الذي تلقته من أسرتها وبيئة عملها كان عاملاً أساسياً في تعزيز ثقتها بخوض هذه التجربة وتحمل المسؤولية، وهو ما يعكس تغيراً تدريجياً في نظرة المجتمع لدور المرأة.
وشددت التميمي على أن تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة يمثلان أولوية أساسية، مؤكدة أن المرأة شريك كامل في بناء المجتمع، وأن وجودها في مواقع صنع القرار ضرورة لضمان تمثيل عادل لمختلف الفئات واحتياجاتها.
كما تعبر عن ثقتها بقدرتها على إحداث تأثير إيجابي داخل المجلس البلدي في حال فوزها، من خلال العمل على تحسين مستوى الخدمات والاستجابة لمطالب المواطنين بشكل أكثر فاعلية.
دور المرأة في المجالس المحلية
وبهذا الخصوص، يؤكد مدير عام التشكيلات والانتخابات في وزارة الحكم المحلي باسم حدايدة لــ"وفا، أن تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية للهيئات المحلية في فلسطين لم يعد تمثيلاً شكلياً أو رمزياً، بل أصبح جزءاً أساسياً من النظام الانتخابي المعتمد منذ عام 2004.
ويشير إلى أن هذا التمثيل يقوم على شقين رئيسيين: ضمان حضور المرأة في مرحلة الترشح من خلال القوائم الانتخابية، وضمان قدرتها على التأثير في النتائج والوصول إلى مواقع صنع القرار داخل المجالس المنتخبة.
ويشدد في المقابل، أن مشاركة المرأة لا تتوقف عند مرحلة الترشح، بل تمتد إلى داخل المجالس المنتخبة من خلال رئاستها أو عضويتها في اللجان المختلفة، ومساهمتها في اتخاذ القرار البلدي، بما في ذلك الملفات الخدمية والتنموية.
كما يشير إلى أن التجارب السابقة أظهرت وصول نساء إلى مواقع قيادية، سواء كرئيسات مجالس أو نائبات رؤساء، إضافة إلى مشاركتهن الفاعلة في اللجان المالية والخدماتية ولجان البنية التحتية والعمل المجتمعي.
ويؤكد حدايدة أن المرأة أصبحت عضواً كامل الحقوق داخل الهيئات المحلية، وأن دورها لم يعد رمزياً، بل بات جزءاً من عملية صنع القرار وتقديم الخدمات للمواطنين.
دور أكثر فاعلية للمرأة في صنع القرار
وحسب الأرقام الرسمية التي تعكس ارتفاع نسب المشاركة، وتجارب المرشحات التي تشير إلى تطور في الأدوار، وخطاب المؤسسات الذي يؤكد الطابع الإلزامي والمؤسسي للتمثيل، تبدو مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات المحلية في مرحلة انتقالية واضحة، فهي من جهة تمثيل يفرضه القانون لضمان الحضور، ومن جهة أخرى تتجه تدريجياً نحو دور أكثر فاعلية داخل المجالس المنتخبة.
المصدر: وفا
2026-04-16 || 15:46