فيلم "طبيب أميركي" في غزة: بلادنا تموّل الإبادة
فيلم "طبيب أميركي" يوثق معاناة ثلاثة أطباء تطوّعوا في غزة، كاشفاً فظائع الحرب ومحاولاتهم نقل الحقيقة إلى الرأي العام الأميركي ومساءلة المؤسسات عن دورها.
أن تكون طبيباً أميركياً في غزّة يعني أن تستخرج من أجساد الأطفال شظايا دفعت ثمنها من ضريبة دخلك. يعرف الأطباء الثلاثة الذين يتابعهم فيلم «طبيب أميركي» هذه المعادلة، ويعرفون أنّ الشهادة بالكلام لن تهزّ بلداً تمرّس في إشاحة النظر. المطلوب دليل يُرى كاملاً، بكلّ قسوته. وعند هذه العتبة بالذات، تتردّد المخرجة بوه سي تينغ. يبدأ الوثائقي بخلاف أخلاقي أمام شاشة حاسوب. تقترح تينغ تمويه صورة أطفال فلسطينيين قُتلوا في غارة، صوناً لكرامتهم. يعترض الجرّاح اليهودي الأميركي مارك بيرلموتر بحدّة، الكرامة سلبها القاتل أولاً، وحجب الجثة يحوّل المجزرة إلى فكرة مجرّدة. تنحاز المخرجة إلى منطقه، وتترك الكاميرا مثبتة على الصورة. ومن تلك اللحظة يتضح العقد مع المتفرج، لا تمويه ولا تجميل، ولا راحة لأحد.
إلى جانب بيرلموتر، ابن أحد الناجين من المحرقة، يتابع الفيلم طبيب الطوارئ الفلسطيني الأميركي ثائر أحمد، الآتي من شيكاغو والأب لطفلين، والجرّاح فيروز سيدوا من كاليفورنيا، الذي تطوّع في أوكرانيا ويرى أنّ ما شهده هناك يبدو هيّناً قياساً بغزّة. اثنان منهم (بعدما رُفض دخول الثاني للمرّة الثانية بسبب أصوله الفلسطينية) في مستشفى ناصر الطبي في خان يونس، قبل هدنة مطلع 2025 وخلالها وبعدها: أطراف مبتورة، جروح مفتوحة، ومضادّات حيوية تُهرَّب كأنها سلاح محظور. ثم يأتي 18 آذار (مارس)، فينهار اتفاق وقف إطلاق النار. وبعد خمسة أيام تسقط الصواريخ على المستشفى أمام العدسة. يُسقط الفيلم الذريعة الإسرائيلية الجاهزة بهدوء. يؤكّد سيدوا أنّه لم ير نفقاً واحداً في المراكز التي عمل فيها، ويذكّر بأنّ وجود مقاتل جريح على سرير لا يحوّل المستشفى إلى هدف مشروع.
يدور النصف الآخر من الفيلم في أميركا، وهنا يتحوّل الوجع إلى صدمة من نوع آخر. يعود الأطباء ليطرقوا أبواب الإعلام والمؤسسات الطبية والكونغرس، حاملين سؤالاً بسيطاً: أين تذهب أموال دافعي الضرائب؟ يأتيهم الجواب رسائل كراهية، ومحتوى مولّداً بالذكاء الاصطناعي، وتضليلاً تغذّيه إدارة ترامب.
لا يحتاج الفيلم إلى دفع هؤلاء الأطباء للتعبير عن آرائهم، فهم جميعاً يعيشون حالة من اليأس والمرارة وانكسار القلب، مما يجعلهم يتحدثون بشكل صادق وصريح ومباشر عن الفظائع التي شاهدوها. يستند الوثائقي إلى خبرات وخلفيات كل من بيرلموتر، وأحمد، وسيدوا، ويُظهِر كلاً منهم كصوت فاعل في مخاطبة الرأي العام. ويصبح استعراض المذابح المباشرة أكثر إثارة للقلق بطريقة مختلفة حين يعود هؤلاء الرجال إلى أميركا، حيث يجدون أنفسهم مضطرين للمشاركة في جهود مناصرة محدودة، سرعان ما تتعرض للهجوم بمجرد الإشارة ولو تلميحاً إلى وقوع إبادة جماعية. «طبيب أميركي» قويّ ومهمّ. يعرف المشاهد العربي كلّ ما فيه، بأسماء الشهداء وتواريخ المجازر، وقد رأى أقسى منه على هاتفه كلّ ليلة. غير أنّ الفيلم يعرف جمهوره بدقّة، ويخاطب الأميركي بلغته وبالمنطق الذي يفهم به العالم: طبيبٌ يحمل جوازه، وضرائب تخرج من جيبه، وكونغرس يُسأل، وجرّاح يهودي يسمّي الإبادة باسمها.
المصدر: الأخبار
2026-10-20 || 21:14