محمد الكرد: مَن يمنح الضحية إذناً بالغضب؟
يتناول كتاب «الضحايا المثاليون» للكاتب الفلسطيني محمد الكرد، الصادر عن دار الآداب، شروط التعاطف الغربي مع الفلسطينيين، من خلال الشهادة الشخصية والتحليل السياسي ونقد التغطية الإعلامية والثقافية.
في «الضحايا المثاليون» (دار الآداب)، يفكّك الكاتب الفلسطيني محمد الكرد شروط التعاطف التي تفرضها المؤسسات الإعلامية والثقافية الغربية على الفلسطينيين، حيث يُقبل الألم ويُدان الغضب. بين الشهادة الشخصية والتحليل السياسي والسخرية، يفضح الكتاب آليات تبرئة القاتل وترويض الضحية، ويطرح أسئلة عن اللغة والتمثيل وحق الفلسطيني في العدالة دون امتحان براءته
كم ينبغي للفلسطيني أن يموت حتى يستحقّ الرثاء؟ وكم ينبغي له أن يتخفّف من حياته، من غضبه وانتمائه وذاكرته، حتى يُسمح له بالبقاء فيها؟ بين السؤالين يتحرّك محمد الكرد في «الضحايا المثاليون» (ترجمة سمير سكيني، دار الآداب، 2026)، مسلّطاً الضوء على تلك المسافة التي تفصل الاعتراف بألم الإنسان عن الاعتراف بحقّه في تغيير شروط وجوده. تستطيع الماكينة الإعلامية التي تغطي المجازر الصهيونية اليوم أن تتباكى على طفل تحت الركام، ثم يضيق صدرها ذرعاً بالأب الذي يريد تسمية قاتله، ويمكن أن تظهّر نواح امرأة فقدت بيتها، ثم تعترض على مفرداتها حين تتحدّث عن استعادته.
في هذه المسافة بين المسموح والممنوع تزدهر صناعة ثقافية-سياسية كاملة: مقابلات تلفزيونية، وأفلام وثائقية، وكتب ومؤتمرات ومؤسّسات تبرع في جعل المأساة قابلة للمشاهدة، فيما تظلّ أسبابها محجوبة خلف ستائر اللغة.
يسأل الباحث المقدسي عن الثمن الذي يدفعه الفلسطيني لقاء ظهوره في الصورة، وعن الأجزاء التي يُطلب منه أن يتركها خارج الإطار. صدر الكتاب بالإنكليزية عن «هايماركت» عام 2025 بعنوان «الضحايا المثاليون وسياسات الاستعطاف»، ويصل إلى العربية محمّلاً بسؤال يقع في صميم لغتنا: ماذا نفعل حين نستعير، للدفاع عن أنفسنا، المعجم الذي صيغ لإدانتنا؟ يفتتح الكرد ملاحظاته بالاعتراف بصعوبة الكتابة في زمن الإبادة، وبذلك العجز الذي يصيب الكلمات أمام أطنان القذائف، فيكتب من داخل هذا البارادوكس الشاقّ، بعيداً من الاطمئنان إلى قدرة النصّ على أداء واجبه بمجرّد صدوره.
تتضاعف مرارة الكتابة حين يلاحظ العلاقة بين ازدياد الشهداء واتّساع المنابر المتاحة للحديث عنهم؛ كأنّ على الفلسطيني أن يدفع من أجساد أهله أجرة دخوله إلى المجال العام. وفي بعض الأوساط الثقافية والأكاديمية، تصير فلسطين رصيداً يمنح أصحابه مكانة، فيما يظلّ أهلها عرضة للمحو. من هنا يأتي إصراره على إعادة السلطة المعرفية إلى الذين يعيشون الجلجلة وأنيابها في لحمهم الحيّ، أولئك الذين سيُستدعون لاحقاً بوصفهم شهوداً على تاريخ شاركوا في صنعه، أو مادّة لدراسات تعرف عنهم أكثر ممّا تسمح لهم بقوله. في مقدّمة الكتاب احتراس يستحقّ الانتباه: يعترف الكاتب بما بذله الفلسطينيون للعمل داخل منظومة معطوبة، وبما ابتكروه من وسائل لكسر حصار الرواية، ولذا يضع نقده في امتداد تلك المحاولات، ويفتحه على ضرورة الخروج من دورانها المرهق.
حين يختفي القاتل من الجملة
يبدأ الفصل الأول، «لا دماء على يد القنّاص»، من الموت الذي استقرّ في نشرات الأخبار حتى اكتسب رتابة نشرات الطقس: أعداد تتوالى، جثث تعبر الشاشة، وعبارات تمنح القتل هيئة حادثة وقعت من تلقاء نفسها، كشاحنة مثلًا تعطلت فراملها وحادت عن طريقها. يموت الفلسطيني في الخبر، ويختفي الذي قتله من الجملة. وكأنّ لهذه الصياغة اقتصادها السياسي: كلّما ابتعد الفاعل عن اللغة، أمكن للجريمة أن تدخل في نظام الأشياء، وأن يصبح الاعتراض عليها مبالغة في الانفعال. يوسّع الكرد صورة القنّاص لتشمل المسافة التي تتيح القتل من دون لقاء العينين؛ مسافة البندقية، ومسافة المكتب وغرفة الأخبار والبيروقراطية والتمويل.
نظافة اليد هنا ثمرة توزيع المسؤولية على عدد من الأيدي، ليضيع الدم بين القبائل، على حد المقولة العربية الأثيرة. يطعّم الكرد الكتاب بمقاطع شعرية بإيقاع تتجاور فيه المرارة والسخرية، وتتراكم الأفعال والأسماء كأنّ اللغة تحاول ملاحقة ما يتجاوز قدرتها على الإحصاء. يتعرّض المجاز نفسه للجرح حين تصبح الأجساد المعلّقة والأثاث فوق الأشجار وقائع تحتاج إلى وصف مباشر. ومن داخل هذا المشهد ينتقل إلى الطريقة التي يُستقبل بها صوت الناجي: يستعيد مثلًا مقابلة مع السفير الفلسطيني في بريطانيا بعد مقتل أفراد من عائلته في غارة إسرائيلية، حيث أعقبت التعزيةَ العابرة من المذيعة مطالبةٌ بتأكيد موقفه من قتل المدنيين الإسرائيليين: ينكمش الفقد إلى «خسارة شخصية»، ثم يُفتح فوراً ملفّ مساءلة صاحبه.
تكشف هذه النقلة «الرشيقة» منظومة كاملة للعالم المستكبر: للضحية وقت قصير كي تحزن، وعليها من بعده أن تقدّم أوراق اعتمادها الأخلاقية أمام الغرب «النظيف». ما يشغل الكرد في نزع الإنسانية عن الضحية هو هذه القدرة المؤسّسية على اعتبار المشاعر العادية انحرافاً حين تصدر عن الفلسطيني؛ الغضب، والنفور من الجندي، والرغبة في الدفاع عن البيت، تتحوّل إلى قرائن تحتاج إلى تفسير واعتذار. تحتفظ الإنسانية الممنوحة بشروطها، ويمكن سحبها عند أوّل ارتفاع في الصوت.
من الحاجز الإسرائيلي إلى حصار اللغة
يأخذنا الكرد منذ أول وعيه بالاحتلال إلى البيت والطفولة: يتذكّر أمّه وهي تخفي اللحم والبيض تحت مقعد السيارة عند عبور الحاجز، وأباه ممسكاً بهويّته الزرقاء، واختلاف ألوان الهويّات داخل العائلة. يتعلّم الطفل وجود الحواجز الإسرائيلية من حركة يد الأم المرتبكة، ومن الخوف الذي يجعل مشتريات البيت أشياء تستوجب الإخفاء. ثم يلاحظ كيف يستبق المحيطون به الاتّهام: البائع والسائق والدليل السياحي في القدس والمدن الفلسطينية المحتلة، جميعهم يحملون تفسيراً جاهزاً لوجودهم، ويشرعون في الكلام حتى مع السياح من موقع الدفاع. هكذا يعبر الاستعمار من الحاجز إلى اللسان، ويترك في الجملة التفاتة دائمة نحو السامع «الأجنبي»، بحثاً عن رضاه أو اتّقاءً لشكّه. تصبح الذات حاشية على تصوّر الآخر عنها، ويفني الإنسان بعض عمره في تصحيح صورة سبقت وصوله.
تبلغ هذه الفكرة كثافتها في الفصلين الأول والثاني، حيث يفكّك الكرد الانتقال من خانة «الإرهابي» إلى خانة «الضحية». تبدو الخانة الثانية للوهلة الأولى أهون الشرّين، غير أنّ بابها يفضي إلى حيّز أضيق: ينبغي للضحية أن تكون ضعيفة، عاجزة عن الفعل، وأن تروي وجعها منفصلاً عن المشروع السياسي والجماعة والتاريخ. يُقبل الألم الفردي ما دام عاجزاً عن التحوّل إلى مطالبة جماعية، وعلى الجريمة أن تظل في دائرة مغلقة وحسب. أمّا حين يصل الحزن إلى اسم الفاعل، أو حين يستعيد صاحبه قدرته على التنظيم والرفض، تبدأ الريبة عند من نصبوا أنفسهم في موقع القضاة الأخلاقيين. بهذا المعنى تصير الضحية المثالية صورة للإنسان بعد حذف قدرته على المبادرة، ويغدو التعاطف مكافأة على إتقان الحذف.
سياسات الاستعطاف... حين يحاكم اللصّ ضحيته
تتأسّس «سياسات الاستعطاف» على التعامل مع موازين السلطة كما لو أنّها قدر ثابت، وعلى البحث عن استثناء رحيم داخلها. تتعلّق المسألة هنا بما نسمح للمخيّلة السياسية أن تتصوّره: هل ينحصر الممكن في إقناع القاضي بتخفيف الحكم، أم يشمل مساءلة المحكمة التي منحت السرقة صفة الحقّ؟ يسخر الكاتب من عالم يحمل فيه اللصّ مطرقة القاضي، ويُطلب فيه من المسروق تحسين حجّته، ويكشف التفاوت في تلقّي العنف حين تمنح البزّة العسكرية أفعال صاحبها مظهر الضرورة والنظام، فيما تثير الملابس الرياضية والشباشب ذعر المتفرّج أمام فعل المقاوم.
وكأنّ للزيّ سلطة سابقة على المشهد، ولصاحبه رصيد من الشرعية يُحرم منه الواقع تحت السلاح. يحرص الكرد، في هامش دالّ، على استثناء المؤمنين بالسلمية عن قناعة مبدئية من هذا النقد؛ موضوعه ذلك الميزان الذي يطمئن إلى عنف الدولة ويستنكر تلقائياً كلّ فعل خارج احتكارها، يستدعي كذلك عبارة أودري لورد عن أدوات السيّد، ليتساءل عن مقدار التغيير الذي تتيحه وسائل صُمّمت لحماية المنظومة، إذ يمكن للاحتلال تأجيل وضع يده على بيت مقدسي، وقد يحرِج خبرٌ عن التعذيب في السجون المحتل فيتراجع خطوة شكلية إلى الوراء. يعترف النصّ بهذه المكاسب المحدودة، ثم يسأل عن جدواها وتبعاتها: استمرار المحتل في منح الاستثناء وسحبه، واستمرار الحاجة إلى ضحية مستوفية للشروط.
تبلغ السخرية ذروتها حين يتخيّل الحريّة التي ينالها الفلسطيني بعد تهذيب لغته، والتخلّي عن ملامحه وهويّته وأنيابه: حريّة الظهور في الوثائقيات، والتبعثر على صفحات الجرائد، والحصول على نعي بعد القتل، فلسطيني يُسمح له بتمثيل نفسه في حكاية لا يملك نهايتها. من هذا الموضع نفهم دلالة استعادته تجربة الكتابة عن جدّته رفقة، حين تتطلب «أنسنتها» على هذا المنوال أن تُحذف من كلامها كل التعليقات البذيئة الدالّة على مرارة النزوح و«البهدلة» في مخيمات النزوح، واختزال محنتها في الصمود، وكأن على المرء أن تبقى دموعه ويخفى بصاقه، كما يقول، والنتيجة مفارقة جارحة: تتأنسن الضحية حين تفعل آلية الترويض فعلها، وتدخل الذاكرة إلى الأدب بعد اجتياز رقابة الذوق السياسي.
هل يحتاج المقتول إلى سيرة قدّيس؟
تستحقّ هذه الحجة من الكاتب النقاش إذا استعرضنا المروحة الواسعة التي يمكن اللجوء إليها لكسر هذه الهيمنة الابستيمولوجية الغربية: فالحكاية الحميمة لربما تنجح في كسر التجريد المفهومي للقضية، والتوثيق الحقوقي يمكنه المساهمة ولو نظريًا في إدانة المجرم، ومخاطبة الجمهور الأجنبي بلُغته قد تفتح شقوقاً في جدار التواطؤ والصمت، ويمكن للقارئ أن يسأل أيضاً عن الفروق داخل الجمهور الذي يخاطبه الكرد باسم الغرب؛ بين المؤسّسة المموّلة للسلاح الإسرائيلي الفتاك، والمُشاهِد المروض من الماكينة الإعلامية المعادية، والطلاب الذين رأيناهم يخرجون من الجامعات الغربية ويهتفون باسم غزة فلسطين، فهل تحتاج هذه المواقع إلى درجات مختلفة من الخطاب، وإلى عمل سياسي تتولاه النخبة أو المؤثرون على مواقع التواصل التي تؤثر في الرأي العالمي اليوم؟ يظلّ الكتاب أكثر انشغالاً بكسر شروط الكلام من رسم استراتيجية مفصلة للتعامل مع هذه القضايا، وكأنه يترك للقارئ مهمّة متابعة السؤال ربما لأن الكرد يجعل التضامن نفسه قابلاً للمساءلة: ماذا نريد من الفلسطيني الذي ندافع عنه؟
هل نقبل اختلافه عنّا، وتناقضاته، وخياراته التي تربكنا، أم نطلب منه أن يكون نسخة جريحة من تصوّراتنا؟ يضيء استعمال الكرد المتعمّد للرجل الفلسطيني هذه المسألة؛ فالتكرار الذي يحصر الرثاء في النساء والأطفال قد يدفع الرجال إلى عتمة الاشتباه، ويحرم النساء والأطفال أنفسهم من تاريخهم وفاعليّتهم، إذ يحوّلهم إلى علامات جاهزة للبراءة والعجز... تنقّلات الكتاب البارعة بين الشهادة والتحليل والشعر والتهكّم تعيد إلى الصوت ما تطلب الشاشة تهذيبه، وتسمح للغضب بأن يفكّر، وللسخرية بأن تكشف تناقض الحجة. لعل أهم ما يطرحه الكرد هو هذا السؤال المركزي المباشر: كم مرّة صنعنا من الشهداء صوراً متشابهة، وأثقلناهم بفضائل استثنائية كي نحمي حقّهم من الاعتراض؟ كم مرّة ظننّا أنّ الدفاع عن المقتول يحتاج إلى سيرة قدّيس؟ يقترح الكرد أن نردّ إلى الإنسان اتّساعه، وأن نعفيه من امتحان الكمال المفروض عليه تحت النار. قد تكون تلك البداية الأصعب: أن نحمل الاسم بما فيه من حياة، وأن نرى في صاحبه شخصاً يستحقّ العدالة حتى حين تخذلنا صورته، وأن ننقل السؤال أخيراً من وجه الضحية إلى يد القاتل القذرة التي تضغط الزناد.
المصدر: الأخبار
2026-10-19 || 00:44