«بيت الشعر» يشقُّ عصا الطاعة: لا للتطبيع!
هذه المرة، لم يكتب «بيت الشعر» المغربي قصيدة عن فلسطين، بل اتخذ موقفاً. في بيان لافت، رفض رفع التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى تبادل السفراء، ودعا إلى «وقف كل أشكال التطبيع»، مخاطباً الملك محمد السادس بصفته رئيس «لجنة القدس».
أصدر «بيت الشعر» في المغرب مؤخراً بياناً يرفض فيه القرار المفاجِئ للحكومة المغربية الذي قضى برفع التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل من مكتبي اتِّصال إلى درجة تعْيين سفيرين في كلٍّ من الرباط وتل أبيب.
يأتي هذا البيان في سياق تاريخي طويل الأمد، يعود به المؤرِّخون والمختصون إلى صفقة «بيع» الحسن الثاني ليهود المغرب للوكالة «اليهودية» التي جلبتهم إلى فلسطين المحتلَّة، لتمتد هذه العلاقة المشبوهة في عراقتها إلى تعاون الموساد والاستخبارات المركزية الأميركية وأجهزة نظام الحسن الثاني وأطراف من الاستخبارات الفرنسية في اختطاف وتصفية القائد اليساري الأممي المغربي المهدي بن بركة.
لكنَّ ثمَّة ماضياً قريباً أكثر إيلاماً يتمثَّل في توقيع الحكومة المغربية (بقيادة رئيسها الإسلامي عن «حزب العدالة والتنمية» سعد الدين العثماني) على استئناف العلاقات الدبلوماسية ضمن الاتفاقيات «الإبراهيمية» في 10 كانون الأول (ديسمبر) 2020، لتتطوَّر إلى علاقات عسكرية واستيراد مواد فلاحية ومناورات مشتركة وسماح برسوّ سفن حربية وشحنات أسلحة في الموانئ المغربية. هذا ما أشار إليه بيان «بيت الشعر» بعبارة «القرار الخطير وما تضمّنه من إجراءاتٍ مُصاحبة، لنعتبره صكّ تبرئةٍ للكيان الصهيوني الغاشم الذي يُواصلُ يومياً جرائمَه الدموية واعتداءاته الوحشيّة على الشعب الفلسطيني في غزة، وهو ما يستدعي، في رأينا، وقْف كل أشكال التطبيع وممارسة الضغط لوقْف العُدوان وسياسة الاستيطان التي ينهجها الكيان الغاشم ضِدًّا على القانون والرأي العام الدوليين».
ووضع البيان إصبعه على الجرح والموطن الحقيقي للقرار السياسي في المغرب بمخاطبَته ملكَ البلاد بمهماته الدستورية وصلاحياته الدّينية والروحية والرمزية، خصوصاً بوصفه رئيس «لجنة القدس الشريف»، الذي «سيُقدِّر معنى الألم العميق الذي أحدثه قرارٌ مماثل في نفُوس شعبه ولدى نُخب بلاده الفكرية والثقافية والأدبية والشعرية».
ويأتي هذا البيان انسجاماً مع ميثاق «بيت الشعر» في المغرب، الرَّافض للتطبيع وتذكيراً بمواقفه الثابتة من القضية الفلسطينية التي يراها قضية وطنية وإنسانية ترتبطُ بالوجدان والضمير الشعبي المغربي. أمر عكسه عددٌ من الإشارات الرّمزية الدّالة لـ «بيت الشعر» في المغرب منذ تأسيسه سنة 1996. وقد عدَّد البيان بعضَها: اختيار الشاعر الفلسطيني محمود درويش عضواً في الهيئة الاستشارية، والاحتفاء بالشعرية الفلسطينية في آخر دورة لهذه الجائزة، التي فاز بها الشعراء الفلسطينيون غسان زقطان، طاهر رياض، زهير أبو شايب ويوسف عبد العزيز عام 2026، وأخيراً تخصيص مجلة «البيت» التي تصدر عن «بيت الشعر» عدداً من افتتاحياتها لفلسطين، قضيةً وأفقاً للتفكير والحرية والإبداع.
بهذه الخطوة النبيلة والصارخة في وجه تلميع المشاريع العنصرية والإبادية لآخر كولونياليات العصر الحديث الإحلاليَّة، يبدو أنّ المثقف في العالم العربي-الإسلامي بدأ يستعيد توهُّجه ودورَه العضوي، بعدما مسخته التجاذبات الطائفية والمذهبية والعِرقيَّة ورساميل و«أظرفة» البترودولار والتمويلات المشبوهة تحتَ مسمَّى المنظمات غير الحكومية.
المصدر: الأخبار
2026-09-26 || 19:43