«مليون كتاب» لإنقاذ تراث الجنوب اللبناني
في مواجهة استهداف الذاكرة الثقافية للجنوب اللبناني، تنطلق حملة «مليون كتاب» لإعادة بناء المكتبات المتضررة، بالتوازي مع توثيق الخسائر ورقمنة الأرشيفات والمخطوطات المهددة بالضياع جرّاء العدوان الإسرائيلي.
لا تقتصر خسائر العدوان الإسرائيلي في جنوب لبنان على المنازل والطرق والأراضي والممتلكات التي تُستهدف بالقصف والنسف والجرف وغيرها من أساليب الإبادة، إذ يمتدّ الضرر إلى ما هو أبعد من الحجر، ليطال الوثائق والكتب والمخطوطات وكل ما يحفظ ذاكرة المجتمعات المحلية وتاريخها. وفي مواجهة خطر ضياع هذا الإرث، تعمل «الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي» في لبنان على حصر الأضرار وتوثيق ما أصاب المكتبات والمواقع التراثية والأرشيفات، بالتوازي مع جهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ورقمنته.
تأتي هذه الجهود في إطار سلسلة ندوات بعنوان «التوثيق في مواجهة المحو»، خُصّصت لتسجيل آثار الاعتداءات الإسرائيلية منذ عام 2024، ليس على المباني السكنية فحسب، وإنما على مختلف الشواهد التي تحفظ تاريخ المنطقة، من المكتبات والسجلات الرسمية إلى المعالم الأثرية والمباني التراثية.
مكتبات تحت الأنقاض
تشير المعطيات التي جرى عرضها خلال إحدى الندوات الأسبوع الماضي، إلى استهداف ما لا يقل عن 18 مكتبة عامة وخاصة خلال الحرب الحالية. ومن بين أبرز الخسائر تدمير مكتبتي بلديتي بنت جبيل والطيبة بشكل كامل، وفق ما أظهرته صور الأقمار الاصطناعية. ورغم عدم اكتمال الإحصاء النهائي بشكل رسمي، إلّا أنّ التقديرات الحالية تشير إلى خسارة ما يفوق 750 ألف كتاب ومخطّط جرّاء العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ عام 2023.
ووفق إفادة أحد أعضاء الشبكة الوطنية لنا، يصعب تحديد الرقم الفعلي للخسائر، نظراً إلى غياب إحصاءات دقيقة تشمل عدد الكتب في المنازل الخاصة. لذلك يُرجّح أنّ العدد يتجاوز التقديرات بكثير، لا سيّما أنّ دار «مؤمنون بلا حدود» في ضاحية بيروت الجنوبية، أفادت بتدمير نحو 400 ألف كتاب في مستودعاتها نتيجة القصف الإسرائيلي على دفعات بين عامي 2024 و2026.
لكن الخطر لا يتوقف عند رفوف الكتب التي دُمّرت، إذ شمل أيضاً سجلات ووثائق رسمية، من بينها سجلات عقارية وسجلات نفوس في عدد من الدوائر، فضلاً عن أضرار طالت مقابر ومباني ذات قيمة تاريخية.
وتضع الشبكة هذه الخسائر ضمن سياق أوسع، باعتبار أنّ ضرب البنية الثقافية والمعرفية للمجتمع يعني قطع الصلة بين السكان وماضيهم. ووُصف هذا النوع من الاستهداف خلال الندوة بأنه «عنف أرشيفي»، فالاحتلال لا يستهدف محو المكان وحده، بل يسعى أيضاً إلى إزالة الوثائق والشواهد التي تسمح للأجيال اللاحقة بالتعرّف إلى تاريخ المنطقة وسكانها.
ويحمل الجنوب اللبناني إرثاً معرفياً متراكماً يمتد في بعض وثائقه ومخطوطاته إلى فترات سبقت العهد العثماني. وقد سبق أن تعرّض هذا الإرث لخسائر خلال حروب إسرائيلية سابقة على مرّ العقود، من بينها حرب عام 2006، حين دُمّرت مكتبة العلّامة محمد حسين فضل الله بما كانت تضمه من مخطوطات فقهية، كما طالت الخسائر مكتبة العلّامة جعفر مرتضى التي احتوت على عدد كبير من مخطوطات علماء جبل عامل.
ترميم وبناء المكتبات العامة والخاصة
في مواجهة المشروع الإسرائيلي بمحو الإرث الثقافي والإنساني والحضاري لمنطقة جنوب لبنان، أعلنت الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي عن خطوة جديدة تمثّلت في إطلاق حملة «مليون كتاب»، على أن تبدأ مطلع أيلول (سبتمبر)، بهدف إعادة ترميم وبناء المكتبات العامة والخاصة التي تضرّرت في الجنوب، بمشاركة الأهالي في هذه المناطق.
وتستند المبادرة إلى الحاجة لإعادة الكتب إلى أماكنها الطبيعية في المجتمعات المحلية، بعدما فقدت مكتبات كثيرة جزءاً من محتوياتها أو دُمّرت مبانيها بالكامل. وفي الوقت نفسه، يجري إحصاء المكتبات الموجودة في الجنوب، وقد بلغ عددها 183 مكتبة، مع العمل على رقمنة نفائسها بالتعاون مع جمعية المكتبات اللبنانية.
ولا تقتصر الخطة على استعادة ما فُقد، ففي مواجهة الإبادة الثقافية، تشمل الخطوات اللاحقة إنشاء مكتبة متخصصة بتراث جبل عامل، بما يحفظ جانباً من الإنتاج العلمي والفكري والتاريخي للمنطقة في مؤسسة واحدة يمكن الرجوع إليها مستقبلاً.
حضارة بين فكّي الإبادة
في سياق الخطّة الإسرائيلية المحكمة لتدمير الشواهد الثقافية والتاريخية في منطقة الجنوب اللبناني، لا ينفصل استهداف المكتبات عن تركيز الاحتلال على جرف المقابر وتدمير المعالم الأثرية التي تشكّل جميعها جزءاً من الذاكرة الجماعية للسكّان. فقد طالت الأضرار قلعة الشقيف – أرنون (بوفور) ومباني تراثية في النبطية، في وقت تتزايد فيه المخاوف على مواقع تاريخية أخرى في الجنوب. وفي تموز (يوليو) الماضي، أدرجت منظمة اليونسكو مواقع قلاع جبل عامل على قائمتي التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر، في خطوة تعكس الاعتراف بالقيمة التاريخية والاستثنائية لهذه المواقع، وبحجم المخاطر التي تواجهها. مع ذلك، عمد الاحتلال إلى تفجير مئات الأطنان في المرتفعات المحيطة بقعلة الشقيف.
بالنسبة إلى القائمين على عمليات التوثيق، فإن المعركة لا تتعلق فقط بإحصاء عدد المباني التي دُمّرت أو الكتب التي فُقدت، بقدر ما ترتبط بالحفاظ على الأدلة التي تجمع الإنسان بأرضه وتاريخه. فحين تختفي المكتبة، أو السجل، أو المخطوطة، أو المعلم التاريخي، لا يضيع شيء من الماضي فحسب، بل تتقلص أيضاً قدرة الأجيال المقبلة على إعادة بناء صورة هذا الماضي. لذلك، تكتسب الرقمنة وإعادة بناء المكتبات وجمع الوثائق المتناثرة أهميّة توازي إعادة إعمار القرى المدمّرة، بوصفها مساراً لإنقاذ الذاكرة الجماعية قبل أن يحوّلها الاحتلال إلى فراغ في السجل التاريخي للجنوب.
المصدر: الأخبار
2026-09-05 || 20:39