إلفريده ييلينيك: حين تنحاز ذاكرة أوروبا إلى فلسطين
الروائية النمساوية إلفريده ييلينيك، ابنة أب نجا من الهولوكوست، وصاحبة "نوبل" للآداب 2004، تنضم إلى الفرنسية آني إرنو، في رفضها لإسرائيل، وتضع صوتها الأدبي في مواجهة السياسات الإسرائيلية في فلسطين.
انضمت الروائية النمساوية إلفريده ييلينيك، صاحبة «نوبل» للآداب (2004) إلى الفرنسية آني إرنو في رفضها لإسرائيل، واضعةً صوتها الأدبي في مواجهة السياسات الإسرائيلية في فلسطين، وفي مواجهة اللغة الأوروبية التي تواصل تغليف المأساة الفلسطينية بعبارات دبلوماسية فقدت معناها.
الروائية النمساوية ابنة أب نجا من الهولوكوست، كانت في ما مضى ضد مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية، لكنها اليوم باتت تهاجم سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين بلغة حادّة، تعبّر عن موقفٍ رافض للاستيطان الإحلالي. ليست ييلينيك غريبة عن الاشتباك مع الأسئلة التي تقع عند تقاطع السلطة والعنف والذاكرة. منذ أعمالها الأولى، انشغلت بتعرية ما تخفيه المجتمعات خلف لغتها، وبالكشف عن العنف حين يتخفّى في المؤسسات والخطابات والصور المألوفة. لذا يأتي موقفها من فلسطين منسجماً مع جوهر مشروعها الأدبي، لا بوصفه موقفاً سياسياً عابراً، بل كامتدادٍ طبيعي لطريقتها في النظر إلى العالم: الشك في الرواية التي تصنعها السلطة، والانحياز إلى من تُسلب منه القدرة على الكلام.
ييلينيك وضعت يدها مباشرة على موضع الألم
في نصها الأخير الذي نشرته على موقعها، تضع ييلينيك يدها مباشرة على موضع الألم: الأرض المسلوبة. هي ترفض أن يستمر الغرب في ترديد «حلّ الدولتين» فيما تتواصل مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، إذ ترى في هذا الخطاب «كلمات فارغة» منفصلة عن الواقع. تحذر من أن المسار الجاري يقود إلى ما يشبه «التطهير العرقي» ولا يختلف عن الهولوكوست.
تدخل ييلينيك إلى فلسطين إذن من بوابة الأرض. في هذا الاختيار تكمن قوة موقفها؛ الأرض الفلسطينية تعود إلى فلسطين، وهذه حقيقة تحاول اللغة السياسية أن تحجبها. يمكنك أن تكرر «السلام» و«حل الدولتين» إلى ما لا نهاية، لكن الكلمات تصبح بلا معنى حين يقتلع الفلاح من أرضه ويأتي المستوطن ليحلّ مكانه. على هذا النحو، فإنّ كلاماً عن «حل الدولتين» لهو بتوصيفها، كذبة.
مطالبة بفرض عقوبات على عنف المستوطنين ومصادرة الأرض
من هذا المنطلق، تحضر دعوتها إلى القادة الأوروبيين إلى فرض عقوبات على عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي، وإصرارها على أنّ العدالة الحقيقية تبدأ من حماية الأرض وإعادتها إلى أصحابها الفلسطينيين، فالسلام، في منظورها، لا يبدأ من طاولة مفاوضات جديدة إنّما من إعادة الاعتراف بما جرى اقتلاعه، ومن حقيقة أنّ الأرض تعود إلى فلسطين.
تنقل بيلينيك السؤال من كم دولة نريد؟ إلى لمن الأرض؟
تنقل بيلينيك إذن السؤال من «كم دولة نريد؟» إلى «لمن الأرض؟». هذا التحويل البسيط ظاهرياً لهو شديد الدلالة؛ ذاك أنه يزيح الستار عن اللغة الدبلوماسية التي اعتادت التعامل مع فلسطين باعتبارها مشكلة حدود، بينما تكشف صاحبة «عاشقات» و«مدرِّسة البيانو» أنها، قبل أي شيء، مشكلة اقتلاع وملكية، وحق في المكان.
على أنّ أكثر ما يكتسب أهمية في موقف ييلينيك هو موقع أوروبا في هذه الحكاية. هي لا تسمح للذاكرة الأوروبية، ولا لجرائم النازية، بأن تتحول إلى ذريعة للصمت أمام ما يتعرض له الفلسطينيون. في نصها، لا تظهر المأساة اليهودية الأوروبية كأنها رخصة أخلاقية لإسكات الآخرين، إنما بوصفها امتحاناً أخلاقياً جديداً: ماذا تفعل أوروبا بذاكرتها حين ترى شعباً آخر يُقتلع من أرضه؟
ما الذي يجعل صوت ييلينيك مختلفا؟
هذه النقطة تحديداً تجعل صوت ييلينيك مختلفاً. هي لا تتحدث من خارج الذاكرة الأوروبية، ولا من موقع المتفرج البعيد عن تاريخ لا يعنيه. إنها تدخل إلى قلب هذه الذاكرة ثم ترفض أن تُستخدم كستار. بيلينيك تقول في المضمر، إنّ تذكّر الضحية لا يكتمل بتحويلها إلى هوية قومية محصنة من النقد؛ بل باستخلاص المبدأ الأخلاقي من مأساتها: لا يجوز أن يصبح ألم الأمس مبرراً لألم اليوم. لعل هذا هو المعنى الأعمق لانحيازها إلى فلسطين. إنها لا تمنح الفلسطينيين تعاطفاً أدبياً أو استعراضياً، بل تعيد إليهم ما تنتزعه منهم اللغة السياسية كل يوم: صفة أصحاب الأرض. في عالم يستطيع فيه الخطاب أن يجعل الاقتلاع «نزاعاً»، والاستيطان «تعقيداً»، والاحتلال «وضعاً أمنياً»، تبدو ييلينيك مصرة على تسمية الأشياء بأسمائها.
هكذا تقف في الجهة التي طالما وقف فيها أدبها: إلى جانب من تسلب منه القدرة على الكلام، وضد اللغة التي تجعل السلب يبدو طبيعياً. فلسطين عندها ليست قضية بعيدة تحتاج إلى مزيد من البيانات الدبلوماسية. إنها اختبار للضمير الأوروبي. عندما تصبح الأرض بلا أصحاب في الخطاب، يصبح أصحابها بلا أرض في الواقع. وهذه، بالنسبة إلى ييلينيك، ليست سياسة فاشلة فحسب. إنها مأساة أخلاقية يجري ارتكابها أمام العالم قبل أن تغطيها الكلمات.
المصدر: بول مخلوف/ الأخبار
2026-09-05 || 16:30