شوقي عبدالأمير: أنقذوا معهد العالم العربي.. وفلسطين في القلب
شوقي عبد الأمير يتحدث عن مشروعه لتأسيس خطاب عربي جديد من خلال معهد العالم العربي في باريس، مؤكداً أن الثقافة تمثل الخندق الأخير للدفاع عن الحضور العربي وقضاياه.
منذ أكثر من عام ونيف، يتولى الشاعر والدبلوماسي العراقي شوقي عبد الأمير إدارة معهد العالم العربي في باريس، المؤسسة التي أرادت منذ تأسيسها أن تكون جسراً بين العالم العربي وفرنسا، وبين الثقافة العربية والعالم. لكن المعهد، في نظر عبد الأمير، لا يمكن أن يكتفي اليوم بدور المؤسسة الثقافية التقليدية، فالعالم تغيّر، والمنطقة العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، سياسية واجتماعية وفكرية، تحتاج إلى خطاب جديد لا يكتفي بردود الفعل.
من موقعه في واحدة من أهم المؤسسات الثقافية العربية في العالم، يحاول عبد الأمير أن يطرح سؤالاً يتجاوز نشاط المعهد وبرامجه: كيف يمكن إعادة بناء صورة العربي في العالم؟ وكيف يمكن للثقافة أن تصبح أداة فعل ثقافي وسياسي؟ وأين تقع فلسطين في هذه الرؤية؟ وما الذي يستطيع معهد العالم العربي أن يفعله في لحظة تتعرض فيها المنطقة العربية لهزات كبرى؟ عن المعهد، ومشروعه الجديد، وصورة العربي في الخارج، وفلسطين، واللغة العربية، كان ل "المدن" هذا الحوار.
مشروع ثقافي عربي
منذ أكثر من عام ونصف العام تولّى شوقي عبد الأمير إدارة معهد العالم العربي في باريس. أسأله بدايةً: ماذا يفعل اليوم في المعهد؟ وما المشروع الذي يعمل عليه؟ فيقول: "ربما لا يعرف الكثيرون من المعنيين بشؤون الثقافة، وحتى العرب بشكل عام، خصوصاً عرب المشرق، مدى أهمية ودور المعهد الكبير".
ويضيف: "معهد العالم العربي في باريس هو أكبر مؤسسة ثقافية إعلامية تعنى بالثقافة العربية وبالحضور العربي ثقافياً في العالم، ليس فقط في فرنسا، وإنما عبر فرنسا وأوروبا إلى العالم. العام الماضي زار المعهد مليوناً و700 ألف شخص. ويضم مكتبة كبرى فيها نحو 200 ألف كتاب، ومتحفاً عظيماً يضم الآثار العربية، إضافة إلى المعارض الكبرى التي أقيمت عن كليوباترا وغزة وبيبلوس وبغداد مدينة السلام، والأنشطة التي لا تتوقف".
لا يتحدث عبد الأمير عن مؤسسة هامشية في المشهد الثقافي الفرنسي، إنما عن مبنى يحتل موقعاً استثنائياً في قلب باريس، في مواجهة نوتردام، ويستقطب جمهوراً واسعاً من الفرنسيين والأوروبيين والعرب. فيقول: "موقع المعهد مهم جداً. لدينا مبنى هائلاً من عشرة طوابق مقابل نوتردام، في قلب باريس. وباريس هي عاصمة الثقافة عالمياً، كما أن نيويورك عاصمة المال. لذلك نحن أمام مسؤولية كبيرة. لكن هذه المسؤولية، في رأيه، لا تتعلق فقط بإقامة المعارض وتنظيم الفعاليات، إنما بإعادة التفكير في طبيعة الحضور العربي نفسه.
خطاب عربي جديد
نسأله عن المعهد الذي يُقدَّم بوصفه أكثر من مكان للمعارض والمتاحف، مساحة للحوار، ومركزاً للأبحاث، وجسراً بين العالم العربي وفرنسا. وعن رؤيته للمرحلة المقبلة. فيتوقف عبد الأمير عند فكرة أساسية: "أنا لا أريد أن أقول إنني أنا من أعطى المعهد هذا البعد. المعهد كان يعمل وحقق، قبل أن أصل، وخلال أربعين عاماً، إنجازات عظيمة. وسنحتفل العام 2027 بالذكرى الأربعين لانطلاقته. لكن المطلوب أكبر، والحاجة أكبر".
ما يحتاجه العالم العربي، بحسب عبد الأمير، ليس المزيد من النشاطات المتفرقة، إنما بناء مشروع متواصل وسردية ثقافية مستمرة. يقول: "الثقافة العربية اليوم، وأستطيع أن أقول لك الكيان العربي في الخارجن، والخطاب العربي في الخارج، يحتاج إلى عمل أعمق، وإلى مشاريع متواصلة، وإلى بناء. هناك مشاريع تكون أحياناً منتشرة في الزمان والمكان، لكننا نحتاج إلى تأسيس. الخطاب العربي في العالم يحتاج اليوم إلى وقفة تأمل وأمل، وإلى تخطيط استراتيجي مهم".
ومن هنا يحدد ما يراه مشروعه الأساسي في المعهد: "أسعى لأن أضع هذه الرؤية الجديدة القائمة على تأسيس الخطاب، تأسيس خطاب عربي جديد". فالمنطقة العربية، كما يرى، لا تمر فقط بانقلابات سياسية وعسكرية، إنما بانقلابات أعمق تمس الفكر والمجتمع والثقافة: "العالم أحدث انقلابات وما زالت الانقلابات تتواصل، خصوصاًفي منطقتنا العربية. أقصد انقلابات فكرية واجتماعية، وليست انقلابات سياسية. هذه الهزات الثقافية والفكرية تحتاج إلى وقفة تأمل، ولا تحتاج إلى مجرد ردود أفعال سياسية ودبلوماسية وعسكرية. تحتاج أيضاً إلى وقفة تأملية فكرية يُعنى بها المفكرون والدارسون ليقدموا أجوبة عملية. والمعهد جاهز، وأنا أريد أن يكون حضوري اليوم في المعهد منطلقاً لهذا".
كيف ينظر لنا العالم؟
لكن قبل أن يطرح المعهد خطاباً جديداً عن العالم العربي، هناك سؤال أكثر صعوبة: ما الصورة الموجودة أصلاً؟ نسأله عن الملفات التي يرى أن المعهد يجب أن يكون حاضراً فيها، وعن صورة العربي في الخارج، فيقول إن البداية يجب أن تكون من فهم الطريقة التي يُنظر بها إلى العرب.
"ما هي صورة العربي في الخارج، وما هو دور المعهد؟ هو تقديم أفضل صور للحضور العربي في فرنسا، وعبر فرنسا في العالم. لكن لنعرف أولاً كيف ينظر لنا العالم؟ كيف ينظر لنا العالم لكي نستطيع الرد". ثم يطرح تصوره لما يسميه "الأثافي الثلاث" التي تُطبخ عليها صورة العالم العربي. ويكمل: "صورة العالم العربي مطبوخة على ما أسميه الأثافي، وهي الأحجار الثلاثة التي كانوا يضعون عليها القدر. هذه الأحجار الثلاثة التي تُطبخ عليها صورة العالم العربي مكوّنة من: الماضي، العربي رجل الماضي، والاستهلاك، العالم العربي مجتمع استهلاكي وأسواق، والعنف، المنطقة العربية ساحة معارك وعنف".
بالنسبة إليه، هذه الصورة النمطية هي ما ينبغي للثقافة العربية أن تواجهه. "هذه الثلاثية الخطيرة التي تُبنى عليها صورة العالم العربي. نح بحاجة لمواجهة هذه الصورة النمطية للخروج إلى العالم برؤية جديدة. نحن مجتمعات ليست للماضي فقط، نحن نملك إبداعاً في الحاضر. لسنا مجرد أسواق، نحن ننتج للثقافة والفكر. والمعارك والحرب التي على أرضنا هي أيضاً معارك الآخرين، ونحن نريد أن نخرج من هذا المنعطف الدامي إلى العالم بوجه سلام، وبوجه حضاري، وبوجه يقدمنا على أفضل صورة".
لكن هل يستطيع المعهد القيام بهذا الدور وحده؟ يجيب عبد الأمير بوضوح: "المعهد موجود ومستعد لهذا الدور، لكنه لا يستطيع أن يعمل من دون دعم عربي. أقولها من هذا المنطلق: الحضور المادي العربي في المعهد ضئيل، ضئيل، ضئيل. ونحن بحاجة إلى وقفة، إلى دعم عربي...العرب ليسوا فقط بالمواقف العاطفية. نريد من الإخوة، لا سيما الدول الميسورة، أن تمد يدها إلى المعهد لكي نرتقي معاً بصورة العربي وحضوره في العالم".
ليلى شهيد
إذا كان عبد الأمير يتحدث عن صورة العربي في العالم، فإن فلسطين تبدو واحدة من أكثر القضايا حضوراً في هذا الخطاب. نسأله مباشرة: أين فلسطين في هذا العالم؟ لا يتردد: "فلسطين، معهد العالم العربي يعني فلسطين في القلب وفي قلب المعهد". ويستعيد سلسلة من المشاريع التي جعلت فلسطين حاضرة في المعهد، من معرض غزة إلى معرض "ماذا قدمت فلسطين للعالم؟"، الذي استمر ثمانية أشهر، "وآخر شاهد هو أن مكتبة معهد العالم العربي أعطيناها الآن اسم الراحلة ليلى شهيد".
غزة: الكنوز الناجية
ويأتي معرض غزة ليشكل نموذجاً واضحاً على ما يعنيه عبد الأمير حين يتحدث عن الثقافة بوصفها فعلاً سياسياً وحضارياً. المعرض الذي حمل عنوان "الكنوز الناجية من غزة" الذي كان ردّاً ثقافياً على محاولة اختزال غزة في الحرب والدمار.
يقول: "عملنا مشاريع كبيرة ومهمة جداً، مثل معرض غزة. المعرض الذي عملناه كان وقفة بوجه من تحدث بأن غزة ستتحول أو يريدونها أن تتحول إلى ساحل سياحي. فالرد الحضاري الذي قدمه المعهد هو عمل معرض غزة: خمسة آلاف عام من التاريخ. ومن هذا المعرض نشأ أيضاً تعاون جديد مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، من خلال ترجمة كتالوغ المعرض وإصداره بالعربية. نشرنا الكتالوغ، نشرناه باللغة الفرنسية، كوننا في باريس ونخاطب الجمهور الفرنسي. لكنه كتالوغ عظيم، مجلد. عندما التقيت الدكتور عزمي بشارة في الدوحة، وأخبرته أننا بحاجة إلى أن نصدره بالعربية، بادر الرجل، بمبادرة كريمة وموقف رائع، إلى تبني ترجمة ونشر الكتالوغ".
ويرى عبد الأمير في هذه الخطوة بداية لمسار أوسع: "شكل هذا التعاون الآن خطوة مهمة في مسيرة العلاقات بين معهد العالم العربي والمركز، وسيكون منطلقاً جديداً لأنشطة سنوية نأمل من خلالها أن نعطي بعداً عالمياً لهذا النشاط الذي يُعنى بالحضور الثقافي والفكري العربي في العالم".
الخندق الأخير
في نهاية الحوار، يعود عبد الأمير إلى المعهد بوصفه مسألة وجود. فنسأله عن كلمته الأخيرة إلى المتلقي العربي، فيقول: "أقول للعرب اليوم إننا لا نملك، في هذا المنعطف الحضاري الخطير، خندقاً للدفاع عن وجودنا في العالم غير الثقافة". ثم يضيف: "الثقافة هي الخندق الأخير، وهي المكان الذي يستطيع العرب أن يدافعوا من خلاله عن وجودهم وأن يقدموا للعالم عطاءهم أكثر من أي شيء". ولا يفصل عبد الأمير الدفاع عن الثقافة، عن الدفاع عن اللغة العربية نفسها. "لنقلها بوضوح: لسنا صناعيين، لا نصنع سيارات ولا طائرات ولا نملك التكنولوجيا المعاصرة، لكننا نملك عطاءً إنسانياً إبداعياً وفكرياً وتاريخياً عظيماً. لذا يجب أن ندافع عن حصوننا الثقافية، عن خندقنا الثقافي الأخير، الذي هو لغتنا".
ثم يختم من النقطة التي يرى أنها الأشد إلحاحاً، أي اللغة العربية اليوم، "وأنا أشيد بإصدار الموسوعة الخاصة التي أصدرها مركز الدراسات عن اللغة العربية، والدفاع عن اللغة العربية، والدفاع عن ثقافتنا العربية، هي آخر المتاريس التي نواجهها أمام هذا العصف التاريخي الذي يمر بنا، والذي يهدد بوضعنا على هامش التاريخ".
الكاتب: محمود وهبة/ المدن
2026-08-20 || 20:11