تصدُر قريباً عن دار هاشيت أنطوان في بيروت الطبعة العربية من كتاب "قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، مذكّرات الوزير والنائب اللبناني السابق وليد جنبلاط، بترجمة أدونيس سالم. وكانت قد صدرت بالفرنسية عن دار "ستوك" في باريس. ويأتي فيها الزعيم اللبناني على محطّات في سيرته الشخصية والعائلية والسياسية تتقاطع ونلتقي مع وقائع وتحوّلات لبنانية وإقليمية تتابعت منذ نهايات الخمسينيات إلى سقوط انتصار الثورة السورية في نهاية 2024 على نظام الأسد.
وبذلك تضيء هذه المذكّرات ليس فقط على مواقف جنبلاط وتصوّراته في قضايا عديدة، منها الطائفية والعروبة والعلاقات اللبنانية السورية والقضية الفلسطينية والربيع العربي وغيرها، بل أيضاً على مسار لبناني ومشرقي عربي واسع. ويسرد وليد جنبلاط مروياته، الموثقة والشائقة والكاشفة، بكثيرٍ من الجاذبية والكثافة، وبذلك تصيب قارئها مقادير عالية من المتعة والمعرفة معاً. وتنشر "العربي الجديد" مقاطع من الكتاب في أربع حلقات، هنا الحلقة الثانية، و"المدن" تنشرها نقلاً عن "العربي الجديد".
***
تحالفٌ منافٍ للطبيعة مع الأسد 1976في عام 1969، أضفى اتّفاق القاهرة على وجود منظّمة التحرير الفلسطينيّة في لبنان صفةً شرعيّة، وهو ما شكّل منعطفًا سياسيًّا حقيقيًّا بالنسبة إلى استقرار البلاد. قضى ذلك الاتفاق الذي جرى التفاوض حوله بين ياسر عرفات وقائد الجيش اللبنانيّ، بأن يحترم الوجود الفلسطينيّ المسلّح مبادئ «سيادة لبنان، وسلامة أراضيه، وعدم التدخّل في شؤونه الداخليّة»، بينما، منذ عام 1948، كان يُنظَر إلى الوجود الكثيف للّاجئين الفلسطينيّين في لبنان وكأنّه تهديدٌ للتوازن الطائفيّ الهشّ الذي أرساه في عام 1943 الميثاق الوطني الذي أسّس لاستقلال لبنان. وغالبًا ما يُعدّ اتفاق القاهرة أحد أسباب حرب عام 1975 التي عصفت بالبلاد لأكثر من خمسة عشر عامًا.
منذ مطلع عام 1976، عاش والدي حالة من التوتّر والإحباط الشديدين. فالهجوم الكبير الذي شنّه في الربيع ضدّ المواقع اليمينيّة، بدعمٍ من القوّات الفلسطينيّة، لم يفضِ إلى النتائج التي يرجوها. فقد منعه الأسد من استكمال تفوّقه الميدانيّ ضدّ خصومه، واللقاء بينهما في دمشق جرى بشكلٍ سيّئ. كنّا بحاجةٍ ماسّة إلى السلاح لاستعادة التوازن العسكريّ على تخوم منطقة الشوف. ولم يتخيّل والدي قطّ أنّ السوري سينقلب في خضمّ المعركة على تحالفنا معه ليدعم ألدّ خصومنا، أي حزب الكتائب، وذلك بعدما كنّا، منذ بداية الحرب، نحظى بدعم سوريا، لا بصفتنا دروزًا، بل بصفتنا قادةً لليسار اللبنانيّ العروبيّ. لكنّ الأسد البراغماتيّ رأى في العرض الذي قدّمته الجبهة اللبنانيّة فرصةً تاريخيّة لعودة سوريا إلى لبنان من الباب الواسع. وقد وصل الأمر بكميل شمعون وبيار الجميّل، ممثّلَي تلك الجبهة، إلى عرض إقامة اتّحادٍ فدراليّ بين لبنان وسوريا، من أجل استمالة الأسد. أمّا نحن، فلم نكن بموقع قوّةٍ في تحالفنا مع الفلسطينيّين، كما كنّا نعتمد عليهم عسكريًّا اعتمادًا كلّيًا. لذلك سعى والدي للوصول إلى هامشٍ من الاستقلاليّة في هذا الصراع حيث تتبدّل التحالفات بحسب الظروف، كما رأينا. في مارس/آذار 1976، قرّر والدي التوجّه إلى دمشق لشرح موقفه للرئيس السوري. وأمام إصراره على مواصلة الهجوم على الكتائب، أجابه الأسد: «يا أخ كمال، لا يمكنني تزويدك بالسلاح، فهذا يعني استمرار الحرب، وبالتالي تدخُّل إسرائيل». كان اللقاء بينهما متوتّرًا للغاية، بحسب ما عرفتُه من رفاق والدي المشاركين في ذلك الاجتماع، الذي دام قرابة خمس ساعات. فالأسد كان معروفًا باسترساله منفردًا في الكلام من دون أن ينتظر جوابًا من محاوريه.

سعى كمال جنبلاط إلى لجم طموحات الموارنة، أو «الانعزاليّين»، بحسب وصفه لأولئك الذين أرادوا التقوقع بداخل هويّاتهم الطائفيّة الضيّقة، متجاهلين انتماء لبنان إلى العالم العربيّ. وعمل على تحقيق الاستقلاليّة في عمله السياسيّ، لئلّا يقتصر اعتماده على الفلسطينيّين، ذوي الأجندة السياسيّة الخاصّة بهم. كانت تلك بداية النهاية بالنسبة إليه. فقد شعر بتحوّل الرياح، ورأى بوضوحٍ قيام تحالفٍ منافٍ للطبيعة بين مسيحيّي لبنان وحافظ الأسد. لقد تجرّأ كمال جنبلاط على تحدّي حافظ الأسد العلويّ! هذا الصراع بينهما كان صراع قِيمٍ من وجهة نظر أبي، الذي وضع في رأس اهتماماته حماية لبنان من الدكتاتوريّة السوريّة، مُظهرًا بذلك أنّه صاحب رؤيةٍ بعيدة. «أطالبكم بسحب قوّاتكم من لبنان. نريد أن نبقى مستقلّين. لن أدخل السجن العربيّ الكبير»، قال له أبي أثناء لقائهما الأخير، الذي كان بداية قطيعةٍ طويلة مع دمشق.
"لم يتخيّل والدي أنّ السوري سينقلب في خضمّ المعركة على تحالفنا معه ليدعم ألدّ خصومنا حزب الكتائب"بعد استشهاده بذلتُ جهدًا كبيرًا لتجاوز تلك القطيعة. كنّا مضطرّين إلى مصالحة الأسد، تفاديًا لعزلةٍ زاحفة قد تودي بنا إلى الاضمحلال. فالدروز لا يشكّلون إلّا 6% من سكّان لبنان، ويقطنون منطقةً هي أشبه بجيبٍ محاصَر بين الجبال. ووالدي لم يكن يعارض التقارب مع سوريا، بشرط أن يكون على أساس الديمقراطيّة واحترام الحريّات العامّة. لكنّه منذ ذلك اللقاء، لم يعد بوسعه إلّا أن يتفرّج، عاجزًا، على التقارب بين أعدائه في الجبهة اللبنانيّة ودمشق التي كانت حتى وقت قريب «حليفته» الأساسيّة.
لا يزال اغتيال والدي لغزًا. كشفت التحقيقات أنّ السيّارة التي استخدمها الجناة كانت تحمل لوحةً عراقيّة. ولكن لماذا العراق؟ آنذاك، كان صراعٌ مكتوم يلوح في الأفق بين سوريا والعراق على زعامة العالم العربي، برغم كون البلدين حليفين للاتّحاد السوفياتيّ، وتجمع بينهما أيديولوجيّة حزب البعث الداعية إلى تحقيق الاشتراكيّة والوحدة بين الدول العربيّة. ومع ذلك كانا خصمين لدودين (1). استمرّت العلاقات المتوتّرة بين حافظ الأسد وصدّام حسين حتّى عام 1978. وكادت الحرب تنشب بين البلدين بسبب تنافسهما على النفوذ الإقليميّ وشرعيّة تمثيل العقيدة البعثيّة، برغم أنّ كِلا النظامين يتبنّاها. لذلك كان استخدام لوحةٍ عراقيّة محاولةً مفضوحة لتوجيه أصابع الاتّهام إلى الدكتاتور العراقيّ، وتضليل التحقيق.
آنذاك، لم تكن الحرب الطويلة بين العراق وإيران قد اندلعت بعد. وحين استُشهد أبي في عام 1977، كان الشاه محمّد رضا بهلوي في السلطة بطهران. أمّا الثورة الإسلاميّة وعودة الإمام الخميني من منفاه في نوفل لو شاتو في فرنسا، فقد حدثتا في عام 1979. كذلك لم تكن إيران ضالعةً في الصراع اللبنانيّ. غير أنّ شيعة لبنان كانوا قد بدأوا يكتسبون وزنًا سياسيًّا منذ تأسيس «حركة المحرومين» بقيادة الإمام موسى الصدر، الذي اختفى بشكلٍ غامض في طرابلس الغرب سنة 1979، في خلال زيارةٍ رسميّة له لليبيا. والواقع أنّه تعرّض للخطف، كما أكّد لي نائب وزير الخارجيّة السوري آنذاك، عبد الحليم خدّام.
جاء تغيير النظام في طهران في عام 1979 ليثير مخاوف كبيرةً لدى العرب السنّة، ومن بينهم صدّام حسين الذي يراوده حلم فتح بلاد فارس أسوةً بالخلفاء المسلمين في القرن الميلادي السابع، والذي لم يلبث أن شنّ على إيران حربًا ظنّ أنّها لن تدوم إلّا ثلاثة أسابيع، لكنّها استمرّت ثماني سنواتٍ وحصدت أرواح مئات الآلاف... وكانت جنونًا خالصًا. ثمّ جاء الغزو الإسرائيليّ للبنان في عام 1978 ليضع الشيعة في خطوط المواجهة الأماميّة ضدّ إسرائيل، بدءًا بالأهالي، ثمّ مع حركة أمل وحزب الله.
فُتح التحقيق في جريمة اغتيال والدي، لكنّ القضيّة أحيلت، مع قضيّة الضحايا المسيحيّين الذين سقطوا في الشوف، إلى المجلس العدلي. وهذا، في لبنان، هو المخرج الأفضل لطمس التحقيقات. فقد أوضح لنا عصام أبو زكي، وهو أحد ضبّاط الشرطة القضائيّة، وينتمي إلى عائلةٍ «جنبلاطيّة» في توجّهها السياسيّ، أنّ التحقيق توقّف فجأةً برغم اكتشاف كلّ الأدلّة القاطعة تقريبًا. ثمّ إنّ القاضي حسن قوّاس الذي عُيّنَ محقّقًا عدليًّا في القضيّة، وهو سنيّ من صيدا، هو ابن القاضي الذي سبق له أن تولّى التحقيق في جريمة اغتيال جدّي فؤاد جنبلاط. لكنّ عددًا قليلًا فقط من التحقيقات يصل إلى خواتيمه في لبنان وللأسف، فالسياسة تتدخّل دائمًا بحسب مصالح الأطراف المختلفة. وكان من مصلحة النظام السوري حينذاك ألّا يصل التحقيق إلى نتيجة.
بعد أربعين يومًا على استشهاد والدي، أقمنا أوّل احتفالٍ تأبينيّ له في قصر الأونيسكو ببيروت، أعلنتُ فيه استعدادي للحوار مع كلّ الأحزاب اللبنانيّة، بينما ألقى خلاله ياسر عرفات خطابًا أمام وفود الأحزاب اليساريّة التي أتت من العالم العربيّ، وأفريقيا، وحتّى من أوروبا. وأتذكّر جيّدًا حضور ليونيل جوسبان الذي أوفده الرئيس ميتران، وكان يمثّل الحزب الاشتراكيّ الفرنسيّ، مع رفاقٍ آخرين، من بينهم صديقي العزيز آلان شينال.
طريق دمشقبعد فترةٍ من الحياة العسكريّة، تسلّم جمال عبد الناصر وتنظيم الضبّاط الأحرار مقاليد الحكم في مصر في عام 1952، على أثر الإطاحة بالسلالة الخديويّة التي حكمت البلاد منذ مطلع القرن التاسع عشر. استحوذ عبد الناصر، بما له من كاريزما، على تأييد الجماهير العربيّة، منتهجًا سياسةً اشتراكيّة وقوميّة عربيّة. وقد بلغت شعبيّته ذروتها في عام 1956، حين أعلن تأميم قناة السويس، لينجح بعد ذلك في إلحاق الهزيمة بكلٍّ من فرنسا، وبريطانيا، وإسرائيل، على أثر العدوان الثلاثيّ على القناة، إذ أجبرهم على الانسحاب منها، وذلك بضغطٍ مشترك من الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي. ومن أجل فهم أبعاد تلك الحقبة وحقائقها، لا بدّ من إدراك الدور الكبير لعبد الناصر، الذي تمكّن من إحياء الشعور بالكرامة بين الجماهير العربيّة في أعقاب مرحلة التحرّر من الاستعمار.
"والدي لم يكن يعارض التقارب مع سوريا، على أساس الديمقراطيّة واحترام الحريّات"قام كمال جنبلاط في الفترة الأخيرة التي سبقت استشهاده بسلسلةٍ من الرحلات إلى الخارج، بهدف إحباط السياسة السوريّة والخروج من عزلته. كان مقتنعًا بأنّ السلام الذي تقترحه دمشق بتأثيرٍ من واشنطن ليس الحلّ الأمثل لمستقبل لبنان. فالتقى في فرنسا رئيس الجمهوريّة فاليري جيسكار ديستان، وفرانسوا ميتران رئيس الحزب الاشتراكيّ، وجورج مارشيه زعيم الحزب الشيوعي، سعيًا لإقناعهم بضرورة منع القوّات السوريّة من الدخول إلى لبنان.
وفي مذكّراته بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين الأول 1976، يتحدّث فرانسوا ميتران عن هذا اللقاء الذي جرى في منزله قائلًا: «كمال جنبلاط، النائب منذ عام 1943 والوزير عدّة مرات، يطالب بتمثيلٍ أوسع للطوائف الإسلاميّة بداخل الدولة اللبنانيّة، وبتحسين ظروف عيش الفقراء. وهو في فرنسا منذ بضعة أيّامٍ للدفاع عن قضيّة اليسار اللبناني. جلسنا بعد العشاء نحتسي القهوة، ولأكثر من ساعة تحادثنا، أو بتعبيرٍ أدقّ، استرسل ضيفي طويلًا في الإجابة عن أسئلتي الوجيزة. لم يختلف مظهره عمّا عُرف عنه، بجفنيه نصف المغمضين، وجبينه العالي الذي تعلوه خصلة شعرٍ متمرّدة. وكان مُقِلًّا في حركات يديه، ويتكلّم بصوتٍ هادئ منتقيًا كلماته بدقّة، ولكن بفرنسيّةٍ ممتازة. ينتمي كمال جنبلاط إلى طائفة الدروز، ذلك الشعب الصغير الصامد، المتشبّث بجبله، والوفيّ لتاريخه. [...] وأخيرًا، فإنّ حكم جنبلاط، الزعيم الدرزيّ، على شخص الأسد، الرئيس السوريّ العلويّ، يحمل رواسب قرونٍ ترفض أن تزول...». لقد كان الرئيس ميتران مصيبًا في تحليله حين أشار إلى العداء المتوارث بين هذه الأقليّات، التي انخرطت منذ زمنٍ بعيد في صراعٍ من أجل البقاء بوجه قوًى كبيرة. هذا العداء هو الذي أدّى، بعد أشهرٍ قليلة من هذا اللقاء، إلى تصفية والدي بطريقةٍ مأساويّة.
في مطلع عام 1975، جاء موريس كوف ديمورفيل، وزير الخارجيّة الفرنسيّة الأسبق، ورئيس الحكومة في عهد الجنرال ديغول، إلى بيروت للقيام بمهمّة وساطة. وكان الهدف من زيارته استشارة والدي، صاحب المكانة المرموقة عالميًّا. شرح له أبي أهمّية إصلاح النظام السياسيّ اللبنانيّ وتصحيح ميزان القوى، الذي كان بالنسبة إليه يميل بإفراط لصالح الموارنة، وهو ما كان يصفه بـ«الإستابلشمنت السياسي». كانت فرنسا جهةً فاعلة كبرى في لبنان، ولها رأيٌ يؤخذ بالحسبان. وهي تبقى حتّى اليوم، برغم اختلاف مقارباتنا أحيانًا، سندًا هامًّا لنا.
من صفات أبي الإنسانيّة النبيلة أنّه كان دائم التصرّف على سجيّته سواءٌ مع أبناء الجبل أو مع الدبلوماسيّين الغربيّين، أو الوزراء، أو أمراء الخليج، أو ممارسي التأمّل واليوغا في الهند، أو كبار المسؤولين السوفيات. وكانت الصحافة الأجنبيّة تتحدّث عنه بإطراءٍ وتواكب نشاطه. وهو بدوره كان يرحّب دومًا بإجراء المقابلات الصحافيّة.
عقب عودته من فرنسا، زار كمال جنبلاط مصر، حيث استقبله بحفاوةٍ بالغة الرئيس أنور السادات، الذي خلف عبد الناصر بعد وفاة هذا الأخير في عام 1970، وصاحب مبادرة السلام مع إسرائيل. وقد خصّ السادات والدي بثناءٍ علنيّ أمام مجلس النوّاب المصريّ، تكريمًا لصداقته مع الرئيس عبد الناصر، الذي كان قائدًا طليعيًّا للعالم العربي في عصره، ومجسّدًا لآمالنا بتحقيق الوحدة، وصاحب الدور الأبرز في النهضة التي كنّا نرجوها جميعًا. لكنّ السادات، في حديثٍ جانبيّ خاصّ، حذّر أبي قائلًا: «يا أخ كمال، لا تعُد إلى لبنان. أنت تبدو متعبًا. ابقَ هنا في مصر...» غير أنّ والدي تجاهل هذا التحذير وأجابه بأنّه، إن كان مقدّرًا له أن يموت، فمن واجبه العودة إلى الشوف لكي يسقط إلى جانب شعبه. كان حدسه ينبئه بأنّ نهايته اقتربت.

في تلك الفترة، حاول أبي تدوين مذكّراته مع الصحافيّ فيليب لابوسيترل، وهي تأمّلاتٌ سياسيّةٌ وطائفيّة. ولكن لو أتيحت له إعادة قراءتها، لحذف انتقاداته اللاذعة للمسيحيّين، والموارنة منهم على وجه الخصوص. ومع ذلك، نُشر الكتاب بعد رحيله وحقّق نجاحًا.
مع اشتداد القتال، اضطرّ أبي للعودة من مصر إلى لبنان على متن ناقلة نفط. وقد أجرى رفاقه في الحزب، والسلطات المصريّة، اتّصالاتٍ بالسفير السوفياتيّ في بيروت، لتأمين وصول الناقلة بسلام إلى ميناء الجيّة، الذي بقي تحت سيطرة القوى اليساريّة. ومن هناك اتّجه نحو المختارة. أتذكّر ذلك اليوم جيدًا، فقد راح الجميع يطلقون الرصاص في الهواء ابتهاجًا بعودته بعد غيابه الطويل.
كذلك زار أبي العراق للقاء صدّام حسين، الذي كان يموّل قسمًا من اليسار اللبنانيّ. وهناك قال له الدكتاتور العراقيّ: «عليكم خوض حرب تحرير»، فأجاب والدي: «هذا ما نفعله!».
"زار أبي العراق للقاء صدّام حسين، الذي كان يموّل قسمًا من اليسار اللبنانيّ. قال له الدكتاتور العراقيّ: «عليكم خوض حرب تحرير»، فأجاب والدي: «هذا ما نفعله!»"كانت الرياح تتبدّل بسرعة. وأدرك أبي أنّ العالم العربي، الذي كان حتّى أمدٍ قريب مؤيّدًا لقضيته، بدأ يبتعد عنه، كما نصحه المقرّبون بمغادرة لبنان حفاظًا على حياته. شعرنا بأنّه يخسر الحرب ضدّ أعدائه، أولئك الذين كان يصفهم بالانعزاليّين، ويمثّلهم أقطاب اليمين الثلاثة الكبار من أبناء جيله: بيار الجميّل، مؤسّس وزعيم حزب الكتائب المسيحيّ، وكميل شمعون، وسليمان فرنجيّة مؤسِّس لواء المردة، والأخيران رئيسان سابقان للجمهوريّة. هؤلاء الثلاثة كانوا من كبار الشخصيّات، وكلٌّ منهم يمثّل اتّجاهًا بداخل الطائفة المارونيّة اللبنانيّة، البعيدة كلّ البعد عن أن تكون موحّدة.
كنّا على معرفةٍ أوثق بكميل شمعون لأنّه من الشوف، أمّا آل الجميّل فكانوا من المتن في جبل لبنان، وآل فرنجيّة من بلدة زغرتا في لبنان الشماليّ، التي تشكّل معقلًا حصينًا لهم. والقادة الثلاثة هم، كما ذكرنا، مؤسِّسو الجبهة اللبنانيّة التي وحّدت قوى اليمين في عام 1976 ردًّا على الحركة الوطنيّة التي أسّسها أبي. وهم أيضًا أصحاب ذلك التحالف الجائر مع دمشق (2). وهو تحالفٌ كان مؤقتًا كما رأينا، إذ لم تلبث العلاقات بين القادة الثلاثة أن توتّرت، خصوصًا بسبب التقارب بين فرنجيّة وسوريا، واغتيال نجله طوني وأفراد عائلته في عام 1978، في ما بات يُعرف بمجزرة إهدن، التي كانت بمثابة أولى شرارات الحرب بين المسيحيّين.
كان الأسد يعتمد طريقةً بسيطة للتخلّص من معارضيه، فيوعز إلى أجهزته العاملة في لبنان بأن تنشر شائعة، أو تهديدًا، يتعلّقان بالشخص المستهدف، من دون أن يفصح متى ستتمّ تصفيته أو كيف. لقد شكّل حكمه عهدًا من الرعب. وقد كان أبي الذي اعتاد استطلاع رأي قارئي الأبراج، يعلم أنّه سيموت في الستّين من عمره.
خلال تلك الفترة المثقلة بعدم اليقين، كنّا نلتقي كثيرًا أنا وأبي. كانت علاقتنا وثيقةً برغم بعض الخلافات، ومنها ما يتعلّق بزواجي الأول بممثّلةٍ إيرانيّة فائقة الجمال. كنتُ آنذاك قد أنهيتُ دراستي في الجامعة الأميركيّة في بيروت، حيث التزمت بدون تردّدٍ بنصرة القضيّة الفلسطينيّة. وبدأتُ منذ عام 1975 أرافقه إلى القيادة العسكريّة في عاليه، الواقعة في نقطةٍ استراتيجيّة على تخوم الشوف، جنوبي شرقي العاصمة اللبنانيّة، على طريق دمشق. كانت تلك تجربتي العسكريّة الأولى إلى جانب رفاقنا. ظلّت العلاقة مع سوريا والأسد محور انشغالاتنا، لأنّ منطقتنا كانت بمثابة جيبٍ محاصَر في قلب جبل لبنان التاريخيّ. وهذه العزلة الجغرافيّة وإن ضمنت حمايتنا من الهجمات، فإنّ من شأنها أن تخنقنا أيضًا. كان والدي يشعر بخيانة حلفائنا العرب. وقد برّر الأسد تحالفه مع اليمين المسيحيّ اللبنانيّ بالقول: «عرضنا عليهم الوحدة بين سوريا ولبنان، فوافقوا!». صحيحٌ أنّ كميل شمعون، ببراعته التكتيكيّة المعروفة، أوهم الرئيس السوري بقبول مبدأ الوحدة لاسترضائه وجرّه إلى اللعبة اللبنانيّة، لكنّه قطعًا لم يعنِ ذلك. كان هدفه فقط حمل سوريا على التدخّل ضدّ الفلسطينيّين وقوى اليسار التي يتزعّمها والدي للتخلّص منهم. فقد رأى المسيحيّون في الوجود الفلسطيني المسلّح تهديدًا وجوديًّا لهم، خصوصًا بعد اتفاق القاهرة في عام 1969، برغم أنّ ممثّليهم السياسيّين شاركوا في توقيعه.
كان الرئيس الأسبق كميل شمعون عدوًّا لدودًا لقضيّتنا. وأسّس مع ابنه داني ميليشيا نمور الأحرار، التي قضى عليها لاحقًا بشير الجميّل، نجل بيار الجميّل، بذريعة توحيد البندقيّة المسيحيّة، وهو التعبير الذي استُخدم لتشكيل ما بات يُعرف بالقوّات اللبنانيّة، عدوّنا العسكري الأبرز على جبهات بيروت والشوف. وكما أشرتُ سابقًا، فقد اغتيل طوني فرنجيّة، نجل رئيس الجمهوريّة، في معقل العائلة في إهدن بشمال لبنان، في 13 يونيو/حزيران 1978، ليلحق به داني شمعون سنة 1990 في بيروت، ضمن سلسلةٍ من عمليّات تصفية الحسابات المرتبطة بتلك الحقبة المأساويّة. كان داني صديقًا لي برغم خلافاتنا السياسيّة، وقد عرفتُه جيّدًا لأنّه من أبناء جيلي وجاري في الشوف. وكان قبل الحرب يأتي من دير القمر إلى المختارة لزيارتي. وبرغم أنّه والميليشيا التابعة له، لم يُعرف عنهما اللين أو الرأفة خلال الحرب، كان هو مَن أنقذ حياتي في سبتمبر/أيلول 1975 بتوجيهٍ من والده، حين اختطفني الكتائبيّون في منطقة الحازميّة ببيروت، حيث كنت أقيم مع زوجتي الأولى.

ومنذ ذلك الحين، حافظتُ دائمًا على علاقةٍ طيّبة مع ابنته ترايسي شمعون، سفيرة لبنان في الأردن، التي قدّمت استقالتها احتجاجًا على أثر انفجار مرفأ بيروت في عام 2020. كان الشوف يجمعني بداني شمعون. وبعد اغتياله في عام 1990 مع زوجته وطفليه الصغيرين، أصررتُ على تنظيم جنازةٍ مهيبة لهم تضامنًا مع عائلته، خصوصًا أنّ وحشيّة تلك الجريمة هزّت الجبل بأسره. ويومذاك، احتشد الآلاف، دروزًا ومسيحيّين، على طول الطريق من بعقلين إلى دير القمر، مسقط رأسه ومعقل عائلته. والواقع أنّ تبايننا السياسيّ لم يقدنا يومًا إلى اشتباكاتٍ عسكريّة، أو حتّى إلى اغتيالاتٍ سياسيّة. فقد جمعتنا الجذور المشتركة.
وعلى الرغم من الوئام الظاهري بين الطرفين، كان الرئيس السوري يُضمر كراهيةً عميقة لكميل شمعون، ويعتبره عدوًّا للعروبة وفق عقيدة حزب البعث التي شكّلت أساسًا لشرعيّته السياسيّة. فقد وضع الحزب شعارًا له هو «وحدة، حريّة، اشتراكيّة»، قاصدًا بها الأهداف التي يسعى لتحقيقها، أي وحدة العالم العربيّ، وحريّته بمنأى عن أيّ نفوذ أجنبيّ، وتطبيق الاشتراكيّة باعتبارها نهجًا عربيًّا يتمايز عن الماركسيّة. في المقابل، كانت لبعض الأحزاب المسيحيّة استراتيجيّةٌ إقليميّة مغايرة، فنموذجهم كان، ولا يزال، إسرائيل. فأنا أعرف مثلًا بالمراسلات المتبادلة في خمسينيّات القرن الماضي بين كميل شمعون وموشيه شاريت، أحد الآباء المؤسِّسين لإسرائيل، والذي كان وزيرًا لخارجيّتها مرّاتٍ عدّة، ثمّ رئيسًا للوزراء. كانت تلك المراسلات تنبئ بوجود تحالفٍ موضوعيّ بين فئةٍ من مسيحيّي لبنان والكيان الصهيوني. فهؤلاء المسيحيّون طرحوا فكرة العيش في منطقةٍ تتمتّع بحكمٍ ذاتيّ، على غرار النموذج الإثنيّ الإسرائيلي. إنّه الحلم القديم الذي يراود اليمين اللبنانيّ، والذي يظلّ مستحيلًا بالنظر إلى طبيعة بلدنا، حيث تعيش الطوائف معًا في نسيجٍ مجتمعيّ واحدٍ ومتداخل.
في هذا السياق، أذكر هنا ما حدث في ثلاثينيّات القرن الماضي، حين سعت الوكالة اليهوديّة لتهجير دروز فلسطين إلى جبل الدروز في سوريا، أي منطقة السويداء، والاستيلاء على أراضيهم في الجليل. ولهذه الغاية اتّصلت الوكالة بسلطان باشا الأطرش، بطل الثورة العربيّة الكبرى التي أعلنها الدروز ضدّ الانتداب الفرنسيّ في عام 1925، لكنّه قابل ذلك العرض بالرفض القاطع. فنحن ندرك أنّ إسرائيل تسعى دائمًا لتحويل الأقليّات اللبنانيّة إلى أدواتٍ لها، بهدف إضعافنا والسيطرة على شرقٍ أوسط ممزّقٍ ومفتّت. لكن، مع سقوط النظام السوري، عاد هذا الاحتمال، للأسف، ليلوح في الأفق.
باغتيال كمال جنبلاط، شعرتُ بأنّ الحرب لم تضع أوزارها بعد، وبأنّ عامَي 1975 و1976، وبرغم ما شهداه من عنفٍ غير مسبوق، لم يكونا سوى فاتحةٍ لخطّة أوسع نطاقًا غايتها زعزعة استقرار المنطقة بكاملها، انخرطت فيها أطرافٌ خارجيّة ظلّت حتّى ذلك الحين بمنأى عن الصراع، أقلّه بصورةٍ رسميّة. في الأسابيع التي تلت رحيل أبي، وبالتنسيق مع كوادر الحزب التقدّمي الاشتراكيّ والشيخ محمّد أبو شقرا، شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز في لبنان، قرّرتُ إحياء العلاقة مع سوريا، فالتحالف معها أمرٌ لا بدّ منه لضمان بقائنا كطائفة. وهكذا، سلكتُ طريق دمشق مجدّدًا برغم اغتيال والدي. كان أعدائي كُثُرًا، وليس أمامي سوى تطبيع علاقاتنا مع النظام السوري، الذي يشكّل بحكم الواقع مصدر الدعم الوحيد لنا. لم يكن لدينا أيّ خيارٍ آخر على الإطلاق.
التقيتُ في دمشق رفعت الأسد، شقيق الرئيس، الذي حاول أن يتبرّأ من دم أبي. وجريًا على عادة آل الأسد، نفى كلّ صلةٍ له بالجريمة، ملقيًا باللوم على الآخرين. في تشرين الثاني/نوفمبر 1983، استغلّ رفعت تعرّض حافظ الأسد لأزمةٍ قلبيّة ودخوله المستشفى، ليقود ضدّه انقلابًا، فأصدر الأوامر إلى الفرق التابعة له بالسيطرة على شوارع دمشق. باءت تلك المحاولة بالفشل ونُفي رفعت الأسد إلى فرنسا في عام 1984، حيث استقبله فرانسوا ميتران بحفاوة، وقلّده وسام جوقة الشرف، برغم كونه المسؤول عن جملةٍ من الفظائع، من بينها مجزرتا سجن تدمر (1980) ومدينة حماة (1982)، التي كانت تحت سيطرة الإخوان المسلمين. وحتّى اليوم، لم أفهم سبب هذا التكريم من رئيسٍ اشتراكيّ، في بلدٍ قدّم للعالم شرعة حقوق الإنسان.
وليكتمل المشهد، كان رفعت هو المنظّر لمشروع التقارب بين الأقلّيات اللبنانيّة، وتحديدًا الموارنة، وعلويّي سوريا، الذين تنتمي إليهم عائلة الأسد. رأت بعض الأحزاب المسيحيّة أنّ الهدف الحقيقيّ لذلك المشروع هو إعادة تقسيم سوريا على غرار ما جرى حين أصدر الجنرال غورو قراراته التي قسمت سوريا إلى أربع دول (3). وبذلك يُقسَّم الهلال الخصيب إلى كياناتٍ دينيّةٍ عدّة، ما يؤدّي إلى تذويب نفوذ المسلمين السنّة، بالرغم من كونهم الأغلبيّة في المنطقة بأسرها. لم يكن الدروز جزءًا من نظريّة الأقليّات تلك، لأنّ كمال جنبلاط عارض مشاريع التقسيم إلى كياناتٍ جغرافيّة ومذهبيّة، مصرًّا على أن يكون المدافع الأوّل عن العروبة، التي رأى في الانتماء إليها السياق الحقيقيّ لتاريخنا.
في خضمّ ذلك التوتّر الشديد مع الأسد، حاول بعض المحيطين بأبي تحريضه على مهاجمة العلويّين مباشرة، وهو ما أعتبره خطأً جسيمًا. أحد أولئك الأشخاص كان شيخًا مثيرًا للريبة يُدعى حافظ العجمي، زعم أنّه من دروز فلسطين، تمكّن في مطلع السبعينيّات من دخول حلقة المقرّبين من أبي، حتّى بات يشاركه جلسات القراءة في الصباح الباكر. برأيي، إنّ ذلك الشيخ المزيّف هو من دفع والدي لمهاجمة الأسد عبر مقالات شديدة اللهجة نشرتها جريدة الحزب، وكان مكلّفًا تزويد أبي بمعلوماتٍ مضلّلة، وإيهامه بأنّ مهاجمة العلويّين ستحفّز الأغلبيّة السنّية على زعزعة التوازن الداخليّ في سوريا في غير مصلحة الدكتاتور، وهو ما لم يحدث لا في عام 1976، ولا حتى خلال الثورة السلميّة في عام 2011. هذا الهجوم المباشر كان زلّةً قاتلة ارتكبها أبي، فمن غير الجائز انتقاد عائلة الأسد أو الطائفة العلويّة، لأنّ ذلك كان بمثابة حكمٍ بالإعدام. إنّه المصير عينه الذي واجهه لاحقًا الباحث الفرنسي ميشال سورا (4)، الذي قُتل في الأسر ببيروت بعد كتاباته عن العلويّين وفضحه جرائم نظام دمشق.
"كان حافظ الأسد يقول "لا وجود لفلسطين، فلسطين هي جنوب سوريا" فيردّ عليه عرفات «سوريا هي شمال فلسطين»"بعد أسبوعين على استشهاد والدي، قصدني ذلك الشيخ، وكان يعلم كم أكرهه، وطلب منّي مبلغًا من المال ليتركنا بسلام. بعد ذلك لم أرِد أن أراه في منزلي أبدًا. ولاحقًا، في عام 1982، وكانت الحرب في أوجها، توقّفتُ بسيّارتي عند محطّة وقود في طريق عودتي من دمشق، فاقترب منّي دبلوماسيٌّ إنكليزيّ من أصولٍ لبنانيّة، وطرح عليّ سؤالًا وحيدًا: «ماذا حلّ بالشيخ حافظ العجمي؟» أجبته: «لا أدري». ليعقّب قائلًا: «أظنّه في أستراليا». وقد أكّد بذلك شكوكي في أنّ ذلك الرجل كان مكلّفًا بتضليل كمال جنبلاط من قِبل قوّةٍ خارجيّة، لعلّها بريطانيا. ولكن ما الغاية؟ إضعافنا؟ تقسيمنا؟ ولماذا طرح عليّ السؤال في تلك المنطقة المقفرة؟ لا أزال أجهل الجواب حتّى اليوم.
ثمّة نقطة خلافٍ سياسي أخرى مع الرئيس الأسد تمثّلت في دعم القضيّة الفلسطينيّة، فقد كان والدي مقرّبًا من ياسر عرفات منذ بدأ هذا الأخير مسيرته في المقاومة. وعرفات، المولود في القاهرة، هو ابن تاجرٍ وملّاك أراضٍ من غزّة، أمّا عائلة والدته فمن القدس. وبعد طرده من الأردن في عام 1970 في أعقاب مواجهات أيلول الأسود، اتّخذ عرفات من بيروت مقرًّا لقيادته، ومنها جرى التخطيط لهجوم سبتمبر 1972 ضدّ البعثة الإسرائيليّة إلى الألعاب الأولمبيّة في ميونيخ.
منذ انطلاق نشاطها في لبنان، نشبت العداوة بين منظمة التحرير الفلسطينيّة وسوريا، التي لم تنظر بعين الرضى إلى تعاظم القدرات العسكريّة للفلسطينيّين خارج نطاق سيطرتها. فشعار نظام الأسد كان «إمّا معنا أو ضدّنا». وفلسطين لا وجود لها بالنسبة إلى الرئيس السوريّ. وهذا ما كرّره على مسامعي مرارًا خلال لقاءاتنا، حيث غالبًا ما كان يحتكر الكلام لساعاتٍ طويلة، مرغمًا محاوريه على الصبر وطول الأناة. كان يقول «لا وجود لفلسطين، فلسطين هي جنوب سوريا»، فيردّ عليه عرفات «سوريا هي شمال فلسطين». كان ذلك حوار طرشانٍ بين شخصين يتمسّكان بوجهتي نظرٍ لا تلتقيان. لم يكن الأسد مستعدًّا للدخول في أيّ حديثٍ يتعلّق باستقلال الفلسطينيّين، خصوصًا أنّه لم يؤمن يومًا بقضيّتهم. فقد كان يعتبر نفسه بمثابة صلاح الدين، حتّى إنّه زيّن مكتبه بلوحةٍ لهذا القائد المسلم الشهير الذي عاش في القرون الوسطى. وبوصفه بعثيًّا وفيًّا لعقيدته، كان يؤمن بوجود أمّةٍ عربيّة واحدة، أي إنّ استقلال فلسطين لن يشكّل، برأيه، إلّا انقسامًا إضافيًّا في تلك الأمّة. وهذا رأيٌ يمكن أن يقود في منتهاه إلى شكلٍ من أشكال التحالف أو التقارب الضمنيّ مع وجهات النظر الإسرائيليّة، على أساس المصالح المشتركة.

لم يقبل النظام السوري قطّ المبدأ الذي دافع عنه والدي، والذي تبنّيته من بعده، أي «القرار الفلسطيني المستقلّ» وفق أدبيّات تلك الحقبة. فضلًا عن ذلك، فإنّ آل مخلوف، أي عائلة زوجة حافظ الأسد، وهم ذوو نفوذ في النظام السوري، كانوا ينتمون إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسّسه في ثلاثينيّات القرن الماضي أنطون سعادة، أحد المثقّفين المشهود لهم في تلك الفترة. كان هذا الحزب يطالب بتوحيد دول المشرق من لبنان إلى العراق في ما سمّاه الهلال الخصيب، على أن تشمل أيضًا قبرص، وذلك لسببٍ لم أفهمه أبدًا، ربما لأنّ سعادة من الروم الأرثوذكس، الطائفة ذات الأغلبيّة السكانيّة في قبرص.
عندما اعتُقل سعادة في عام 1949 بتهمة تدبير انقلابٍ ضدّ الدولة اللبنانيّة وأُعدم في بيروت، كان كمال جنبلاط الشخص الوحيد الذي دافع عنه، وندّد علنًا بإعدامه بدون محاكمة. وكان أبي على حقّ تمامًا، فقد أدرك أنّ تلك الجريمة السياسيّة الأولى في لبنان ستفتح الباب أمام دوّامة عنفٍ من الصعب السيطرة عليها. فبعد فترة وجيزة، وتحديدًا في عام 1951، ثأر مناصرو سعادة لإعدامه واغتالوا في الأردن رياض الصلح، الزعيم السنيّ الكبير، وأحد الآباء المؤسّسين للبنان، وأوّل رئيس حكومةٍ بعد الاستقلال في عام 1943. كان رياض الصلح شخصيّةً استثنائيّة، وقف بشدّة في وجه الطائفيّة.
في لبنان، لطالما وجدت بعض الأقليّات الدينيّة في الحركات القوميّة والعربيّة ملاذًا لها لتسمو فوق الانقسامات الطائفيّة، وخاضت نضالها تحت شعار «تحالف الأقليّات يتجاوز الانقسامات»، محاوِلةً بذلك إيجاد هويّةٍ سياسيّة أوسع لها والتعبير عن رغبتها في التحرّر. وفي هذا الإطار، تمكّن أنطون سعادة من استقطاب مثقفين كبار إلى قضيّته، من بينهم غسّان تويني، نجل مؤسّس جريدة «النهار». لم تنل هذه الجريدة إعجاب حافظ الأسد يومًا، وهو ما يفسّر تعرّض أرشيفها للنهب مع دخول السوريّين بيروت في عام 1976. كان غسّان تويني، كوالدي، مناهضًا لنهج الأسد الاستبدادي. وسعى كلاهما إلى تحقيق اشتراكيّةٍ ذات وجهٍ إنسانيّ، تحترم الملكيّة الخاصّة وحرّية المعتقد. لكن، رغم ذلك، لا يمكن أبدًا اعتبار الاثنين شيوعيّين، فوالدي لم يكن ساذجًا في ما يخصّ الاتحاد السوفياتيّ، وقد عبّر عن ذلك مرارًا في كتاباته. وأتذكّر أنّه انتقد في إحدى محاضراته في عام 1970 تسلّط الأحزاب الشيوعيّة في الحكم. لذلك فإنّ تحالفنا مع السوفيات يجب أن يُفهم حصرًا في إطار الصراع العربي الإسرائيلي والنضال من أجل فلسطين. كنّا بحاجةٍ إلى جهاتٍ دوليّة ضامنة.
في النهاية، ومن أجل إسدال الستار على هذا المشهد السياسيّ الواسع، أشير إلى أنّ معسكر خصومنا، وتحديدًا حزب الكتائب، شهد صعود نجم بشير الجميّل، نجل بيار الجميّل. ففي سنواتٍ قليلة، أصبح هذا القائد الشابّ ذو الكاريزما، الرجل الأقوى في جبل لبنان، مستفيدًا من دعمٍ ضمنيّ من جانب الأميركيّين الذين رأوا فيه زعيمًا قادرًا على الوصول إلى تسويةٍ مع إسرائيل، وبالتالي مساعدتهم على تحقيق غايتهم النهائيّة. كذلك نال بشير إعجاب الإسرائيليّين. أمّا بالنسبة إليّ، فقد ذكّرني بالأمير بشير الشهابيّ في القرن التاسع عشر، الذي تحالف مع آل جنبلاط في البداية لترسيخ سلطته، ثمّ ناصبهم العداء الشديد خلال ما عُرف بحرب البشيرين التي خاضها ضدّ جدّي الأكبر بشير جنبلاط، أقوى الزعماء الدروز. وقد نفى الشهابيّ جنبلاط إلى عكّا، حيث أعدمه الوالي العثمانيّ في عام 1825. لذلك، بعد استشهاد والدي، سرعان ما لاحت لنا في الأفق بوادر التهديد الذي يمثّله هذا اليمين الانعزاليّ، ولم يساورنا الشكّ في أنّه سيحاول اقتلاعنا من الشوف ذات يوم.
***
هوامش:(1) تأسّس حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ في الأوساط القوميّة العربيّة بدمشق في عام 1947، وهو يدعو إلى توحيد البلدان العربيّة في كيانٍ واحد. وقد تمكّن عبر الانقلابات من الوصول إلى السلطة في سوريا كما في العراق.
(2) مهّد لهذا التقارب مع سوريا موفدان مسيحيّان كانا من الشخصيّات البارزة في حزب الكتائب، وهما كريم بقرادوني، الأرمنيّ المقرّب من بشير الجميّل، نجل بيار الجميّل، وميشال سماحة، وهو من طائفة الروم الكاثوليك، وقد تولّى عدّة وزارات بعد اتّفاق الطائف في عام 1989.
(3) بعد احتلال الجيش الفرنسيّ سوريا ولبنان، وتعيين الجنرال غورو مفوّضًا ساميًا عليهما (1919-1922). قرّر الأخير في آب/أغسطس 1920 تقسيم سوريا إلى أربعة كيانات سياسية منفصلة، وهي دولة لبنان الكبير التي ضمّت إلى متصرفيّة جبل لبنان أراضي ولاية بيروت وسهل البقاع، التي تشكّل لبنان الحالي، ودولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويّين، والدول الثلاث الأخيرة هي التي تشكّل سوريا الحالية.
(4) اختُطف عالم الاجتماع الفرنسي والمتخصّص في شؤون العالم العربي، ميشال سورا، في أيار/مايو 1985 على يد مجموعة تطلق على نفسها اسم الجهاد الإسلامي، لدى خروجه من مطار بيروت الدولي. كان سورا باحثًا في «المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي» (CNRS) مقيمًا في بيروت، وقد نشر بالتعاون مع أوليفييه كاريه كتابًا بعنوان «الإخوان المسلمون» (غاليمار، 1983)، ندّد فيه بوحشيّة نظام حافظ الأسد في سوريا، ولا سيّما جرائم القمع التي ارتكبها رفعت الأسد ضدّ مدينة حماة.
المصدر: المدن