إعصار اسمه ترامب
الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيُغيّر الشرق الأوسط بأسلوبه العدواني والحرب التي أشعلها مع نتنياهو، مما يتسبب في إقصاء حلفائه وبروز مراكز قوة وتحالفات سياسية وإسلامية جديدة.
بالأسابيع الأولى من الحرب مع إيران، التي بدأت في 28 شباط/ فبراير، توقع كثيرون في إسرائيل انضمام السعودية إلى الحرب. وبالطبع، إلى جانبهم، جانب التحالف الأميركي الإسرائيلي.
وفق خطة الموساد، بعد التصفية الخاطفة للنخبة العسكرية التابعة للحرس الثوري وقوات الباسيج وتدمير بنيتها التحتية العسكرية، ستدخل إلى إيران من عدة اتجاهات جماعات عسكرية، بل وحتى جيوش نظامية من دول أخرى. من العراق، عقد الرهان على الميليشيات الكردية المسلحة؛ ومن الشمال، الجيش الأذربيجاني؛ ومن الخليج، منطقة خوزستان الإيرانية الغنية بالنفط وذات الأغلبية العربية، الإمارات والسعودية. لم تكتف هاتان الدولتان بالسماح باستخدام أراضيهما لشن سلاح الجو الأمريكي غارات وطلعات جوية من القواعد الأميركية على أراضيهما، بل شاركتا أيضاً بشكل مباشر في الهجمات.
التسريبات في وسائل الإعلام الأميركية، بما فيها صحيفتا نيويورك تايمز وول ستريت جورنال، أشارت إلى أن الأمير محمد بن سلمان يطلب من ترامب حرفياً ليس وقف إطلاق النار، بل الإجهاز على إيران نهائياً. ويبقى من غير المعروف ما إذا كان هذا صحيحاً أم مجرد محاولة لجرّ بن سلمان إلى الحرب بالقوة.
خطة إسرائيل لتغيير النظام الإيراني
اصطدمت خطة إسرائيل لتغيير النظام وتفكيك إيران بصعوبات متوقعة. فعلى الرغم من صدمة حملة القصف، حافظ النظام الإيراني على هيكله الحاكم، وقاوم، ونجا في نهاية المطاف.
لكن، في 28 آذار/ مارس، أي بعد شهر بالضبط من بدء الحرب، وخلال منتدى مبادرة الاستثمار المستقبلي في ميامي، الذي تم تنظيمه بدعم مالي من المملكة العربية السعودية، فجأة قال ترامب ما لم لم يكن أحد ليتخيله: على محمد بن سلمان أن يُقبّل (..). لم يكن يتوقع أن يحدث هذا، أن يضطر إلى تقبيل (..). لكن هذا ما هو الأمر عليه. الآن عليه أن يكون لطيفاً معي، أخبروه بذلك؟
لقد سمع العالم أجمع مثل هذه الإهانة من فم الرئيس الأميركي بحق زعيم الدولة التي هي مركز الأمة الإسلامية. أي أن ترامب قام بنفسه بإقصاء بن سلمان من التحالف المناهض لإيران. فهل كان ذلك عن قصد؟ أم عن تسرع؟
الإعصار الأصهب في الجغرافيا السياسية
لم تتأخر نتائج بروز الإعصار الأصهب في الجغرافيا السياسية. في نيسان/ أبريل أصبحت باكستان النووية المفاوض الرئيسي مع إيران نيابةً عن الولايات المتحدة. وقبل ذلك بستة أشهر فقط، وقّعت باكستان وثيقةً بشأن تحالف عسكري استراتيجي مع المملكة العربية السعودية، التي اشترت مظلة نووية من إسلام آباد.
لقد دفعت الرياض فعلياً ثمن حمايتها العسكرية بدخولها تحت الدرع النووي للجيش الباكستاني، تحسباً لأي طارئ. ولم يطل الأمر حتى تحقق ذلك: ففي كانون الثاني/ يناير 2026، وافق ترامب على خطة نتنياهو والموساد لشن حرب في المنطقة.
وحين أصبح الحليف العسكري للرياض الوسيط الأول بين ترامب وطهران، قام رئيس المخابرات السعودية السابق لفترة طويلة، الأمير تركي الفيصل، بدعم إيران بشكل صريح، معلناً أنها الدولة الوحيدة التي تقف فعلياً في طريق التوسع الإسرائيلي في المنطقة (قبل ذلك مباشرة، أجرى تاكر كارلسون مقابلة مع سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مكابي، الذي أكد مغتبطاً أنه وفقًا للعهد القديم، فإن الشرق الأوسط بأكمله ملك لليهود ويجب أن يعود إليهم).
تحالف سياسي جديد
وفي أيار/ مايو سمعنا بالفعل عن تحالف سياسي جديد، السعودية، قطر، باكستان وتركيا. ويعتقد المحلل السعودي مبارك العاطي، الذي نقلت عنه صحيفة معاريف الإسرائيلية، أن الرياض منشغلة بتشكيل تكتل عربي إسلامي جديد هدفه احتواء اتفاقيات إبراهيم. أي أن إيران لن تقف وحدها في مواجهة قوة التحالف الأميركي الإسرائيلي؟ هل الأمر كذلك؟ هل يشكل السعوديون تكتلاً لمواجهة مشروع صهر ترامب، كوشنر، وإسرائيل لإقامة شراكة استراتيجية عسكرية سياسية بين الدول العربية وإسرائيل؟
ومن الواضح أن سلطنة عُمان ستنضم إليهم قريباً. وكل هذا العجب يتحقق بفضل الرئيس الأميركي!
في اجتماع لمجلس الوزراء يوم الثلاثاء، أعلن ترامب أنه إذا استمرت عُمان في التقرب من إيران (التي تعمل معها على بروتوكول جديد للملاحة في مضيق هرمز، معتبرة المضيق مياهها الإقليمية)، فإن الولايات المتحدة ستبدأ قصف عُمان: إما أن يتصرفوا بشكل جيد، أو سنضطر إلى تفجيرهم. وعلى جانبي ترامب، جلس وزير الخارجية روبيو ووزير حربه هيغسيث، وتعلو وجهيهما ابتسامات باهتة.
سويسرا الشرق الأوسط
سويسرا الشرق الأوسط التي كانت لسنوات عديدة بمثابة أرض محايدة للمفاوضات بين جميع الأطراف المتحاربة في المنطقة، بما في ذلك تنفيذ مهام التفاوض الحساسة لواشنطن، أصبحت هدفاً جديداً لترامب الغاضب. ونحن نعرف من يقف وراء هذا الغضب. وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن غفير، الذي يستمتع بتقديم عروض استفزازية في الحرم القدسي، الموقع المقدس للمسلمين، والمبادر لإقرار عقوبة الإعدام على الفلسطينيين، علّق مؤخراً على التقدم الذي تم إحرازه في المفاوضات الأميركية الإيرانية: إسرائيل لن تسمح لترامب بتوقيع هذه الصفقة، في الرد على سؤال أحد الصحافيين.
إسرائيل لن تسمح لترامب أيضاً بالوقوف مكتوف الأيدي أمام تشكل تحالف جديد في الرياض أو الدوحة أو طهران أو مسقط. لقد كانت الخطة تقضي بأن يتشكل التحالف الكبير حول محور أنشأته إسرائيل، لا ضدها. لكن ترامب يصنع المعجزات.
خلال ولايته الأولى، تمكن ترامب مع إسرائيل من إقناع الإمارات والبحرين بتوقيع اتفاقيات إبراهيم، وإجبار المغرب والسودان على إعلان تطبيع العلاقات مع إسرائيل (ومع ذلك، لم يتمكنوا من الضغط علنًا على السعوديين، ولكن تم تطبيع العلاقات بين تلك الدول مع إسرائيل سرًا).
لكن الإمارات وقّعت معاهدة السلام مع إسرائيل، ورأى الجميع كيف دفعت ثمنها خلال هذه الحرب، والتي، بالمناسبة، لم تنته بعد. والخسائر الهائلة التي تكبدتها الإمارات باتت واضحة بالفعل، حيث توقفت فجأة عن كونها ليس فقط ملاذاً هادئاً وآمناً، بل أيضاً مركزاً عالمياً للالتفاف على العقوبات وتخزين كل ما تم كسبه بشرف لجميع الأنظمة واقتصادات الظل في العالم. إن مجرد حقيقة أنهم قاموا بخداع إيران ببراعة، والتي كانت تستثمر أو تخزن الأموال في البنوك الإماراتية لعقود، مقابل عشرات المليارات من الدولارات، تشير إلى أن النهر العالمي للأموال الخفية سيغير مساره إلى الأبد - ويتدفق في اتجاه مختلف تمامًا - إلى عمان وسنغافورة وهونغ كونغ، أي مكان آخر غيرهم، لكن ليس نحوهم. وتتنطع تركيا وحتى باكستان وسواهما كثيرون للعب دور مغاسل الظل الإيرانية.
اتفاقيات إبراهيم مع إسرائيل
في ظل كل هذا الانقسام العالمي وإعادة تجميع الشرق الأوسط، تبدو كلمات ترامب بشأن انضمام إيران وباكستان (!) أيضاً إلى اتفاقيات إبراهيم، خيالاً مجنوناً. وإذ يدرك هذا الجنون، يحاول ترامب نزع عصا الترهيب العسكرية. فقد أعلن أمس أنه لن يكون هناك سلام مع إيران حتى توقع المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول الخليجية اتفاقيات إبراهيم مع إسرائيل.
ربما إذا رفض نتنياهو الصداقة، المبادرة فوراً إلى إغراق المنطقة بصواريخ توماهوك؟
وسواء كان ترامب نفسه، أو نتنياهو، أو كوشنر وبن غفير، فإنهم ما زالوا يتصورون شرق أوسط جديداً يسوده حسن الجوار وإسرائيل، وهو ما يحدد توجه العالم العربي المحيط بها. لقد كانت لوحة حلم.
لكن الحرب التي أشعلها ترامب ونتنياهو هي التي حولت حتى ملامح هذا العالم إلى ضباب. فلم يعد مجرد وجود القواعد الأميركية في المنطقة بمثابة ضمانة للدول العربية. فأي مفاوضات تجري خلف الكواليس ستُعلن في أي لحظة من قبل مكتب نتنياهو، وستُعرض وكأن دول الخليج خاضعة تماماً لإرادة نتنياهو.
إنشاء حلف شمال أطلسي إسلامي جديد
المستشار العسكري للمرشد الإيراني الجديد، محسن رضائي، قال عشية زيارة ترامب إلى الصين بأن المنطقة لن تكون مرتبطة بالمعادلات الأميركية الصينية. في طهران، وكما هو الحال في الدوحة والرياض، يتحدثون عن ضرورة إنشاء حلف شمال أطلسي إسلامي جديد. ويقومون بذلك لحماية أنفسهم من دون الاعتماد على الضمانة العسكرية الأميركية، وهو ما قد يكون مكلفاً، كما أظهرت الأحداث الأخيرة. وعندما تسمع عن استراتيجيات خفية في العالم الإسلامي، تسمع رنين ساعة بيغ بن الخافت في مكان ما بعيد. بريطانيا، التي لا تتصدر عناوين الأخبار ولا تهدد بمحو العالم من على وجه الأرض، تحوز على حضور خفي في منطقتها العزيزة على قلبها.
أتذكر خطاب الملك تشارلز الأخير أمام الكونغرس الأميركي، حين أهدى الرئيس الأميركي جرس سفينة غارقة، كما أكد تشارلز. وكان الجرس منقوشًا عليه اسم السفينة الغارقة: ترامب. وقال الملك عندما تحتاج إلى مساعدة، يا سيادة الرئيس، دق هذا الجرس، وسنسمعك ونأتي لنجدتك. ويبدو أن هذا التشبيه قد يصبح تنبؤاً. فحاملة الطائرات الأميركية الكبيرة المسماة ترامب لا تراعي العواقب، وهي تندفع بلا هوادة، واستراتيجيتها القائمة على التفجير والتدمير في منطقة مليئة بتعقيدات الشرق تُهدد بإغراقها.
ظهور مراكز قوة جديدة
لا شك أن ترامب سيغير الشرق الأوسط، وسيؤدي أسلوبه العدواني إلى ظهور مراكز قوة جديدة وتحالفات سياسية جديدة، لم يكن ليتصورها أحد من قبل. إذا كان أي شخص يعتقد أنني قلق بشأن نتائج الانتخابات النصفية، فهذا هراء، لا أهتم. سأكمل مهمتي حتى النهاية.
ربما ترامب لا يخادع هنا، ولا تعنيه انتخابات الكونغرس النصفية حقاً. فهو رئيس ولايته الأخيرة. وما سيفعله روبيو وفانس والحزب الجمهوري بأكمله لاحقاً لم يعد من شأنه.
ترامب زاحف كالإعصار، يقتلع القديم والبالي من طريقه، ويحطم ويسحق كل ما يعترضه، وما لا يستطيع الصمود أمام زحفه سيختفي في غياهب النسيان، ويذهب معه.
لكن ما ينجو لديه كل الفرص ليصبح أقوى. وهذا ما أتمناه لنا جميعاً.
الكاتبة: يوليا يوزيك
2026-05-29 || 12:40