عودة وحداد في 10 أيام: كيف وصل الاحتلال إليهما؟
تكشف الاغتيالات الإسرائيلية المتلاحقة لقادة "القسام" باب التساؤلات حول حجم الاختراق الاستخباراتي وآليات تعقب القيادات العسكرية داخل قطاع غزة.
جاء اغتيال إسرائيل لقائد الذراع العسكرية لحركة "حماس" محمد عودة في استهداف مبنى بحي الرمال في مدينة غزة، بعد أقل من أسبوعين على اغتيال القائد السابق عز الدين حداد في الحي نفسه، ليثير علامات استفهام بشأن كيفية امتلاك تل أبيب ما تُسمى في قواميس الاستخبارات "المعلومة الثمينة" عن مكان وجودهما، وبالتالي استهدافهما.
من التتبع.. إلى "الخطأ الأمني"
وقال مصدر من حركة "حماس" لـِ "المدن"، إنَّ هناك عدة عوامل ساهمت في تمكين الاحتلال الإسرائيلي من كشف مكان حداد ومن بعده عودة، أولها انتظار ما يُعرف بـِ "الخطأ الأمني" الناتج عن بقاء القادة العسكريين لـِ "حماس" في "وضع حذر" منذ نحو 31 شهراً (عامان و 7 أشهر)، إلى جانب اضطرار هؤلاء القادة للتواصل والتحرك أحياناً على الأرض والقيام بأدوار ومهام تعرضهم للخطر، بموازاة "أخطاء" من دائرة الأقرباء أو أشخاص "مساعدين" أو "مراسلين" يترددون على أماكن وجودهم، إضافة إلى توظيف إسرائيل لعنصر التكنولوجيا "الدقيقة" وآخر بشري متمثل بعيون العملاء في ظل أوضاع معقدة في القطاع. وبالطبع، لا يُمكن استبعاد عوامل أخرى مرتبطة بما تسميها أجهزة استخبارات الاحتلال منهجية "تضييق الخناق". ويُضاف إلى ذلك "خطأ محتمل" متمثل باستخدام قادة "القسام" للتكنولوجيا في بعض الأحيان، إلى جانب توظيف الاحتلال معلومات ومعطيات قام بجمعها عبر استيلائه على "سيرفرات" وأجهزة حاسوب لـ"القسام" خلال اقتحامه أنفاقاً ومبانٍ خلال الحرب، وهي عوامل كلها مكنت الاحتلال من رسم "صورة استخباراتية" عن قادة "القسام" وطريقة تحركاتهم وعملهم واختيارهم للأماكن السرية، بحسب خبراء الأمن.
رصد "الشقق والأماكن الآمنة"
ووفق المصدر، فإن هناك ما يُعرف بالشقق والمواقع "الآمنة" التي تم تجهيزها قبل الحرب أو تلك المستحدثة، لكن الاحتلال حاول عمل خريطة للأماكن المحتمل وجود قادة "القسام" فيها، سواء عبر تحقيقات مع مقاتلي النخبة الذين اعتقلوا على إثر هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أو خلال الحرب، حيث سعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى فهم كيفية تفكير قادة القسام بوسائل "التخفي"، وماذا يفعلون في حالة الطوارئ؟ وكيف يتصرفون إذا طالت الحرب؟ وهذا يعني أن الاحتلال الإسرائيلي درس كل الخيارات التي كان يمتلكها قادة "حماس" العسكريون، بما يشمل تلك المستحدثة، وهو أسلوب إسرائيلي ساهم في الوصول إلى كثير من قادة المجلس العسكري وأعضاء الصف الأول والثاني وحتى العاشر في "القسام"، بحسب مصادر "المدن" في القطاع.
مراقبة ناقلي الرسائل
ثمة وسيلة أخرى للوصول إلى قادة "القسام" الذين تلاحقهم إسرائيل، إذ ترتبط بمحاولة تتبع ناقلي الرسائل والتعميمات من المجلس العسكري إلى مسؤولي الألوية، باعتبارها وسيلة تم اللجوء إليها نتيجة الحرب، حيث كانت الطريقة قبل ذلك تقوم على ما يُعرف بـِ "الاتصال الآمن" الخاص بـِ "القسام"، وبالتالي وصول التعميم من المجلس العسكري إلى جميع العناصر في لحظة واحدة، لكن هذا الاتصال توقف بنسبة 80 في المئة جراء الحرب، كما توقف الاتصال اللاسلكي بشكل تام. ووفق مصادر "المدن"، فإن المجلس العسكري تقلص عدد أعضائه إلى 5 فقط.
وفي موازاة مساعي جيش الاحتلال اغتيال أي قائد عسكري بـِ "القسام" تتوفر معلومة عنه، فإنه يكثف أيضاً استهداف أفراد يدعي أنهم فاعلون في مهمات الإمداد بـِ "القسام"، وكل هدف متحرك يتم رصده، وكذلك الحال بالنسبة للمواقع المستحدثة.
وبالنسبة لخيار اللجوء إلى الأنفاق التحت أرضية، أوضح مصدر مطلع لـِ "المدن" أن الأنفاق لم تعد بالشكل والكفاءة التي يتصورها البعض، وذلك بسبب تدمير الكثير من "وصلات" الأنفاق، وتضرر تجهيزات لوجستية فيها، واحتلال الجيش الإسرائيلي نحو 60 في المئة من مساحة القطاع، واستخدامه أجهزة تكنولوجية "دقيقة" لرصد ما تبقى من أنفاق، علاوة على عدم إمكانية بقاء قادة "القسام" فيها لفترة طويلة.
"القسام" لا تعلن قادتها الجدد
وبينما تتجه الأنظار إلى قائد كتيبة بيت حانون حسين فياض، بوصفة الخليفة المحتمل لقيادة "القسام" بعد اغتيال محمد عودة، إلا أن مصدراً من "حماس" أفاد "المدن" أن الحركة اتخذت خطوة بعدم إعلان أي من أسماء قيادتها العسكرية، حتى أنها لم تُعلن تعيين محمد عودة خليفة لعز الدين حداد، بالرغم من ادعاء الأمن الإسرائيلي أن عودة الذي اغتالته مؤخرا، هو مَن تولى قيادة "القسام" بعد حداد.
ووفق المصدر، فإن هيكلية وطريقة عمل المجلس العسكري للحركة، قد شهدت تغيراً كبيراً مقارنة بما كان عليه الحال قبل الحرب، كما أن كل لواء بـِ "القسام" الذي يتكون من عدة محاور، يعمل بموجب خطة عامة، لكن يُترك التصرف لكل كتيبة أو مجموعة في حالة الطوارئ بموجب الخطة والتكليفات العامة.
اغتيالات تستبق خطة جديدة لغزة؟
والحال أن تكثيف تل أبيب عمليات الاغتيال لقادة وعناصر "القسام" جاء بعد أن زعم الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف، أن "حماس" هي الطرف الذي يتحمل مسؤولية عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار، بدعوى رفضها "نزع سلاحها"، وهو اتهام اعتبرته الحركة تماهيا مع الاحتلال وانحيازاً له. فيما أشارت مصادر مطلعة لـِ "المدن" إلى أن الاحتلال يخطط لمزيد من التقسيم لقطاع غزة، بحيث يُنشئ منطقتين "حمراء" و"خضراء" إضافة إلى الصفراء، ذلكَ بدعم من ملادينوف تحت عنوان "خطة ب" رداً على رفض "حماس" نزع سلاحها.
وهنا، تساءلت مواقع عبرية عن ما إذا كانت سلسلة الاغتيالات ستؤدي إلى تغيير في القطاع، خصوصاً ما يرتبط بالخطط الإسرائيلية التي تُحاك للقطاع.
الكاتب: أدهم مناصرة/ المدن
2026-05-29 || 09:07