لبنان في الهدنة: غارات ومجازر وعمليات توغّل وتجريف
يشهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً يشمل غارات وتوغلات واشتباكات مع الحزب وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهة.
يحترق الجنوب اللبنانيّ تحت وطأة تصعيدٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ متواصل، فيما بات البقاع الغربيّ مهدّداً بيئيّاً واجتماعيّاً بعد سلسلة الغارات التي استهدفت بحيرة القرعون أمس، في مشهدٍ لا يقلّ عن كونه كارثيّاً. غاراتٌ ارتجاجيّة عنيفة، وتوغّلات بريّة، وتجريفٌ للأراضي، وتدميرٌ لما تبقّى من مصالح تجاريّة ومنازل، في إطار ما يبدو تدميراً شاملاً وممنهجاً يُعيد الجنوب إلى واقع احتلالٍ جديد، مهدَّد بالتوسّع ضمن استراتيجيّة إسرائيليّة تسعى إلى فرض معادلة ميدانيّة مختلفة.
ويأتي هذا التصعيد وسط تلويحٍ إسرائيليٍّ بتوسيع الغارات وترسيخ ما يُسمّى "الحزام الأمني"، بما يطرح أسئلةً ثقيلة حول كلفة هذا التمدّد عسكريّاً على إسرائيل، واحتمال تحوّله إلى حرب استنزاف طويلة، في مقابل مدى قدرة حزب الله على تحمّل تبعات مواجهةٍ مفتوحة لتحرير الأرض، في ظلّ الظروف القاسية التي يعيشها النازحون.
توغّل شمال الليطاني
ميدانيّاً، تواصل العدوان بوتيرةٍ تصاعديّة، إذ شنّت إسرائيل أكثر من 170 غارة على الجنوب والبقاع الغربيّ، ما أدّى إلى استشهاد 31 مواطناً، بينهم أطفالٌ ونساء، وإصابة 40 آخرين.
وفي تطوّرٍ لافت، توغّلت قوّة إسرائيليّة في بلدة زوطر الشرقيّة، شمال نهر الليطاني، جنوبيّ لبنان، وسط اشتباكاتٍ وهجمات أعلن حزب الله تنفيذها ضدّ القوّة المتقدّمة.
نتنياهو: تعميق العمليّات وترسيخ الحزام الأمني
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، أنّ إسرائيل قرّرت تعميق عمليّاتها العسكريّة في الجنوب اللبنانيّ، مؤكّداً أنّ الجيش "ينفّذ عمليّاتٍ بقوّاتٍ كبيرة في الميدان، ويفرض سيطرته على مناطق عدّة".
وقال نتنياهو إنّ العمليّات تهدف إلى "تعزيز الشريط الأمنيّ لحماية البلدات الشماليّة"، موضحاً أنّ الجيش الإسرائيليّ يعمل حاليّاً بقوّاتٍ كبيرة في الجنوب اللبنانيّ، حيث "يسيطر على مواقع مشرفة وإضافيّة، ويقوم بتحصين الحزام الأمنيّ هناك".
اتصال نتنياهو – ترامب
وفي موازاة التصعيد، أفادت وسائل إعلامٍ عبريّة بأنّ نتنياهو أجرى مكالمةً هاتفيّة مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، على وقع توسيع تل أبيب عدوانها على لبنان.
وقالت هيئة البثّ العبريّة الرسميّة: "نتنياهو وترامب يجريان مكالمةً هاتفيّة في ظلّ توسيع القتال في لبنان، والمحادثات بين الولايات المتّحدة وإيران".
استعدادات للجبهة الشماليّة
بالتزامن، أعلنت وسائل إعلامٍ إسرائيليّة بدء الجيش تعبئة جنوده بهدف تكثيف العمليّات العسكريّة، وسط سلسلة غارات استهدفت بلداتٍ عدّة، واشتباكاتٍ مستمرّة مع حزب الله.
وأفادت هيئة البثّ الإسرائيليّة بأنّ الجيش طلب بشكلٍ فوريّ من الجنود الذين سُرّحوا خلال الأيّام الأخيرة الالتحاق بخدمة الاحتياط، في مؤشّر إلى رفع الجهوزيّة لتوسيع العمليّات على الجبهة الشماليّة.
حزب الله يهاجم لواء المدرّعات 401
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ 32 هجومًا على جنودٍ وآليّاتٍ ومواقع إسرائيليّة في مناطق متفرّقة من جنوب لبنان وشمال إسرائيل. وشملت الهجمات 13 استهدافًا لتجمّعات آليّات وجنود إسرائيليّين في بلدات زوطر الشرقيّة، ورشاف، وعدشيت القصير، وشمع، إضافةً إلى ثكنة برانيت، باستخدام "صلياتٍ صاروخيّة، وقذائف مدفعيّة، ومسيّراتٍ انقضاضيّة".
كما نشر الحزب فيديو لما قال إنّها عمليّة استهداف المقرّ المستحدث لقيادة لواء المدرّعات 401 التابع للجيش الإسرائيليّ في بلدة دبل جنوبيّ لبنان، بواسطة سربٍ من مسيّرات "أبابيل" الانقضاضيّة.
المسيّرات تربك إسرائيل
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيليّ فقدان أثر "مسيّرة انقضاضيّة" قال إنّ حزب الله أطلقها باتّجاه منطقة برعم في الجليل الأعلى.
وقالت القناة 12 العبريّة إنّ أكثر من 15 طائرةً مسيّرةً مفخّخة أطلقها حزب الله انفجرت داخل الأراضي الإسرائيليّة، معظمها في مناطق عسكريّة، في وقت لجأت فيه تل أبيب إلى أوروبا لمواجهة التهديد المتصاعد لهذه المسيّرات.
ابتكارات عسكريّة لا تُنهي التهديد
ذكرت القناة الإسرائيليّة الخاصّة أنّ "الجيش الإسرائيليّ كثّف عمليّاته العسكريّة في جنوب لبنان في محاولةٍ لدرء خطر الطائرات المسيّرة المفخّخة، لكنّ السكّان المحليّين في مستوطنات شمال إسرائيل يؤكّدون أنّ هذه العمليّات محدودة، ولا تغيّر من الوضع الأمنيّ".
وأضافت أنّ "أكثر من 15 طائرةً مسيّرةً مفخّخة انفجرت في الأراضي الإسرائيليّة خلال يوم أمس، معظمها في مناطق عسكريّة".
ولمواجهة هذا التهديد، قالت القناة إنّه "تمّ نشر أكثر من 250 ألف مترٍ مربّع من الشباك الواقية في الميدان، وبدأ الجيش شراء كميّة إضافيّة تُقدّر بنحو 280 ألف مترٍ مربّع".
وكشفت أنّ "الجيش الإسرائيليّ توجّه إلى عددٍ من المورّدين في الدول الأوروبيّة لزيادة وتيرة نقل هذه الشباك إلى جنوده في لبنان وعلى خطّ المواجهة"، في إشارة إلى المستوطنات الإسرائيليّة المتاخمة للحدود اللبنانيّة.
وبحسب القناة، تحاول الشعبة التكنولوجيّة في الجيش الإسرائيليّ "تقديم ابتكارات لمواجهة المسيّرات"، غير أنّ المؤسسة الأمنيّة تقرّ بأنّ النتائج على الأرض لا تزال غير كافية، وبأنّه لا يوجد حتّى الآن حلٌّ نهائيٌّ لهذه الظاهرة.
معادلة مفتوحة على الاستنزاف
في ضوء هذه التطوّرات، تبدو الجبهة الجنوبيّة مفتوحةً على مرحلةٍ أكثر تعقيداً، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت وقائع ميدانيّة جديدة عبر التوغّل والتحصين وتوسيع دائرة النار، فيما يردّ حزب الله بتكثيف الهجمات الصاروخيّة واستخدام المسيّرات الانقضاضيّة ضدّ مواقع وتجمّعات عسكريّة.
وبين كلفة الاحتلال المتجدّد، وضغط النزوح، واتّساع رقعة الدمار، يقف لبنان أمام اختبارٍ بالغ القسوة، عنوانه الأبرز: هل نحن أمام تصعيدٍ محدود، أم بداية حرب استنزاف طويلة تُعيد رسم قواعد الاشتباك على الحدود؟
المصدر: المدن
2026-05-27 || 20:33