بيان معلوماتي: الخليل تحت الهدم الانتقامي وتوسيع السيطرة الاستيطانية
تشهد محافظة الخليل تصعيداً ميدانياً شمل هدم منازل ومنشآت تجارية، وإخلاء عائلات، وإغلاق طرق، بالتزامن مع توسع المشاريع الاستيطانية في المدينة ومسافر يطا ومحيطهما.
في فرش الهوى، غرب مدينة الخليل، تجاوز الرد الإسرائيلي على عملية 23 تشرين الأول 2026 موقع إطلاق النار إلى مساكن ومنشآت اقتصادية وأحياء سكنية فلسطينية. هدمت قوات الاحتلال عمارة تضم ثلاث شقق، ثم استهدفت منشآت ومحال تجارية، بينها شركة للبلاط والسيراميك ومحال لقطع السيارات، وجرفت وخربت نحو سبعة دونمات. وامتدت الإجراءات إلى إخلاء عائلات من مناطق الجلدة وعين دير بحة وإغلاق مداخل المدينة ومحافظة الخليل. هكذا اتسع نطاق العقاب من ملاحقة أشخاص إلى ضرب شروط السكن والعمل والحركة لسكان لا تتوقف حياتهم عند موقع الحادثة.
تكشف جغرافيا الاستهداف أهمية فرش الهوى بوصفها مدخلاً غربياً وشمالياً للمدينة ومنطقة تجمع السكن والنشاط التجاري والاتصال بالطريق الالتفافي. فهدم مبنى هنا يبدد مسكناً أو مصدر رزق، وإغلاق المدخل يعطل حركة أحياء وأسواق وعمال وموردين. وحين يتزامن التدمير مع الإخلاء والاستيلاء على مبانٍ للتمركز العسكري، تصبح العملية تدخلاً واسعاً في استخدام الحيز الفلسطيني: من يقيم فيه، ومن يستطيع الوصول إليه، وكيف تتصل أجزاؤه بعضها ببعض.
الاعتداءات في الخليل بين الهدم وتقويض الصلاحيات الفلسطينية
ويأتي هذا التصعيد فوق سجل كثيف من الاعتداءات. فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظة الخليل خلال أيلول 2026 وحده 272 اعتداءً لقوات الاحتلال والمستوطنين، منها 122 اعتداءً نفذها المستوطنون. كما سجلت 19 عملية هدم طالت 91 منشأة، لتتصدر الخليل محافظات الضفة الغربية في عدد المنشآت المهدومة خلال الشهر. وتضع هذه الأرقام الهدم الأخير ضمن ضغط متواصل على المسكن والاقتصاد والأرض، يتوزع بين المدينة وبلداتها ومناطقها الريفية والرعوية.
لفهم هذا الضغط مكانياً، تتقاطع في الخليل خريطتان إداريتان. تتوزع أراضي المحافظة بين التصنيفات أ وب وج، حيث يحتفظ الاحتلال في ج بالسيطرة على التخطيط والبناء ومساحات واسعة من الأراضي المحيطة بالتجمعات الفلسطينية. وداخل المدينة، أنشأ بروتوكول الخليل لعام 1997 تقسيم H1 وH2: نحو 80% من المدينة في القسم الأول، ونحو 20% في الثاني الذي أبقى الاحتلال فيه السيطرة الأمنية. وظلت الصلاحيات المدنية والتخطيطية الفلسطينية في H2 جزءاً من الاتفاق، قبل إجراءات انتزاع بعضها لصالح المستوطنين. لذلك لا يجوز مساواة H2 بالمناطق ج؛ فلكل منهما ترتيباته، بينما تتعرض الصلاحيات الفلسطينية في كليهما للتقويض.
وفي محيط المدينة، تشكل مستعمرة كريات أربع وامتدادها الشمالي كتلة استيطانية شرقية، وتقع حجاي إلى الجنوب، وتيلم وأدورا على محور الطريق 35 غرباً، وكرمي تسور بين حلحول وبيت أمر شمالاً. وتبين مسوحات توثيقية لمنطقة جبل الخليل أن السيطرة تتجاوز الكتل المبنية إلى شبكة الحركة؛ إذ أحصى في نطاق تقارير الإغلاق عن 220 حاجزاً وسداً، بينها 149 سداً ترابياً وصخرياً و52 حاجزاً مغلقاً. ويشرح هذا الانتشار قابلية فصل التجمعات الفلسطينية عن الطرق الرئيسة وعن أراضيها، مع إبقاء اتصال المستعمرات بعضها ببعض.
وتكشف خرائط أوامر الاستملاك الموثقة لدى الهيئة الأساس العقاري لبعض هذه المحاور؛ ومنها الأمر هـ/1/96، الموقع في 19 شباط 1996، للالتفافي الغربي لحلحول، بنطاق مسجل يقارب 151 دونماً، والأمر هـ/4/95 المتعلق بطريق التفافي شرق الخليل. هذه أوامر سابقة على الأحداث الجارية، لكن مواضعها توضح كيف صنعت أوامر الاستملاك العسكرية بنية طرق تتيح التحكم بمنافذ المدينة.
أما أبرز التوسع التخطيطي الحديث شمال كريات أربع، فهو المخطط 510/6/2 لبناء 234 وحدة استعمارية، الذي توثق الهيئة في تقاريرها المصادقة النهائية عليه في 3 حزيران 2026. يقع المشروع منفصلاً عن الكتلة القائمة، قرب بيت عينون، ويعيد تخصيص منطقة صناعية للسكن. وتعود خلفيته العقارية إلى إعلان نحو 70 دونماً "أراضي دولة" عام 1982 وتخطيطها للصناعة عام 1988. وتكمن دلالته في تحويل أرض جرى إخضاعها سابقاً للسيطرة الإسرائيلية إلى موقع سكني جديد داخل النسيج الفلسطيني، بما يوسع الاحتياجات العسكرية والطرق والخدمات المرتبطة بحمايته.
ويتقدم داخل المدينة مسار موازٍ عبر المباني القائمة. ففي 19 شباط 2026، تم توثيق دخول مستعمرين إلى منازل في جبل جالس، على بعد نحو 1.3 كيلومتر شرق الحرم الإبراهيمي. وفي شارع الشلالة، اكتسب الاستيلاء على مبنى "بيت فاليرو" في أيلول 2025 بعداً تخطيطياً إضافياً، عندما صودق في 17 حزيران 2026 على إضافة طابقين بمساحة إجمالية 1,027 متراً مربعاً لإسكان طلاب مدرسة دينية استيطانية. وتنبع خطورة الموقع من وقوعه على أحد أهم منافذ الفلسطينيين إلى البلدة القديمة بعد إغلاق شارع الشهداء.
وتكشف الوقائع الميدانية امتداداً استيطانياً غرب تل الرميدة داخل H1، بإقامة مقطورتين في أرض تقع، وفق خريطة اتفاق 1997، ضمن السيطرة الفلسطينية. وبالتوازي، نقل قرار مجلس التخطيط الأعلى في 10 حزيران 2026 صلاحيات التخطيط المتعلقة بعقارات المستعمرين وثمانية مواقع دينية إلى سلطات الاحتلال، تنفيذاً لقرار الكابينيت ب/229 الصادر في شباط. ويؤسس ذلك لتوسيع البناء الاستيطاني داخل المدينة عبر مؤسسات تخطيط إسرائيلية، بينما يبقى الفلسطينيون في الشوارع نفسها خاضعين لمسار تخطيطي مختلف.
مصادرة أجزاء من الحرم الإبراهيمي تمهيداً لتسقيفها
وفي الحرم الإبراهيمي، وقّع رئيس الإدارة المدنية في 15 أيلول 2025 أمر مصادرة شمل 288 متراً مربعاً من الصحن الداخلي تمهيداً لتسقيفه. وتكشف هذه الواقعة أن أثر المصادرة يتجاوز المساحة المصادرة وحدها؛ فانتزاع جزء محدود من موقع ديني وتاريخي مركزي قد يغير صلاحيات إدارته وشروط استخدامه. وتتقاطع هنا المصادرة مع نقل الاختصاصات، وإدخال المستعمرين إلى العقارات، وتوسيع المنشآت الاستيطانية، بما يعيد تشكيل البلدة القديمة تدريجياً.
وتشير قراءة هذه الوقائع معاً إلى أن الخليل تتعرض لضغط يعمل على مستويين: توسيع السيطرة الاستيطانية على المواقع والطرق والصلاحيات، وتقليص قدرة الفلسطينيين على السكن والعمل والوصول. وفي الأيام الأخيرة، وسّع الهدم الانتقامي والإخلاء والإغلاق مساحة الضرر لتطال أحياء ومصالح اقتصادية خارج نطاق المبنى المستهدف مباشرة. وتكمن خطورة اللحظة في قدرة الإجراءات العسكرية العاجلة على ترك آثار عمرانية واقتصادية طويلة الأمد، داخل مدينة تتقدم فيها بالتزامن مشاريع استعمارية موثقة. فكل مسكن مدمر، ومحل معطل، ومدخل مغلق، يضيف قيداً جديداً على بقاء المدينة متصلة وقادرة على الحياة والنمو.
في جنوب محافظة الخليل، يتقدم مخطط التهجير القسري لمسافر يطا عبر هدم المساكن والمنشآت الزراعية، وتدمير شبكات المياه والكهرباء، وتقييد حركة السكان، بالتكامل مع اعتداءات المستوطنين على الرعاة والمراعي والطرق تحت الحماية العسكرية. وتكشف المنطقة المصنفة احتلالياً "منطقة إطلاق النار 918" انتقائية توظيف الذريعة العسكرية؛ ففيما تُستخدم لإزالة الوجود الفلسطيني، الهيئة من جهتها وثقت في 2025 عشر بؤر ومزارع استيطانية داخل نطاقها، بعضها تمدد بعد تشرين الأول 2023. ومن أبرز الأمثلة "أفيغايل"، التي أقرت الحكومة تسويتها في شباط 2023، رغم وجود عشرات مبانيها داخل المنطقة المصنفة للتدريب العسكري. ويكشف تزامن تهجير الفلسطينيين وتثبيت المستعمرين أن الإجراءات العسكرية والتخطيطية والعنف الاستعماري تعمل معاً لإعادة توزيع السيطرة على الأرض، وتجريد السكان من مقومات البقاء فيها.
ويمتد هذا الاستهداف إلى فضاء المحافظة عبر شبكة مواقع أقرت الحكومة إنشاءها أو شرعنتها أو تحويلها إلى مستوطنات مستقلة. فقد بلغ عدد المواقع المشمولة بهذه القرارات 16 موقعاً منذ مطلع 2023 وحتى قرارات آذار 2026. ومن أبرزها "أفيغايل" و"عسائيل" جنوباً، و"أدورايم" و"أفيكا" في محيط دورا، و"معالوت حلحول" شرق حلحول، و"متسبيه زيف" جنوب بني نعيم، و"كرمي يهودا" شرق "تيلم"، و"متسبيه يائير" شرق "سوسيا"، إضافة إلى "بني كيدم" و"معاليه عناب" و"ميغيد" و"نحال دورون". ويؤسس توزيع هذه المواقع لتوسيع السيطرة على المساحات الفاصلة بين المستعمرات، ومحاصرة امتدادات التجمعات الفلسطينية، وتعزيز التحكم بالطرق والمراعي والأراضي الزراعية؛ بما يربط التهجير في الجنوب بإعادة تشكيل جغرافيا المحافظة بأكملها.
المصدر: هيئة مقاومة الجدار والاستيطان
2026-10-25 || 19:25