انطلقت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا في 17 أيلول (سبتمبر)، رفضاً لتدهور التعليم العام ونقص الإمكانيات، قبل أن تتوسع إلى مدن فرنسية وأوروبية. واجه إعلام السلطة واليمين المتطرف الانتفاضة عبر التركيز على العنف والتخريب، واتهام اليسار المتطرف والمهاجرين باستغلال غضب الشباب، بهدف حرف النظر عن مطالب الطلاب والمطالب المعيشية للفرنسيين. وفي مقابل التعتيم على إصابات المتظاهرين، ركّز الإعلام على إصابات الشرطة وأعمال الشغب، مستعيداً أساليب شيطنة انتفاضة أيار (مايو) 1968، حين اختُزل الطلاب في صور نمطية هدفت إلى عزل حراكهم عن النضال العمّالي ومطالبه الاقتصادية والاجتماعية
من ثانوية «سانت إكزوبيري» في مدينة كريتاي، في ضواحي باريس، انطلقت في 17 أيلول (سبتمبر) موجة احتجاج طلابية ضد تدهور التعليم العام، ونقص الإمكانيات والكوادر التعليمية، واكتظاظ الصفوف، وغياب المعلمين البدلاء. وبلغت ذروتها يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر)، الذي سمِّي يوماً للثورة، وشارك فيه بين 500 و800 ألف شخص. شكل التحرّك تعبيراً عن حقّ الطلاب في تعليم عام لائق، في ظل سياسات تُخضع الخدمات العامة لمنطق التقشّف وتقليص الإنفاق.
منذ انتفاضة أيار (مايو) 1968، شكّلت الجامعة والمدرسة في فرنسا فضاءً للنضال الاجتماعي والسياسي، حول دور الدولة، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومستقبل الشباب في سوق العمل، وحدود السلطة السياسية.
سنفعل كما في فرنسابسرعة، توسعت احتجاجات الطلاب لتطال عدداً كبيراً من المدارس والثانويات والجامعات في باريس وضواحيها وعدد من المدن الفرنسية، من بينها ليون ومرسيليا وليل ونانت ورين. انضمّ إليهم طلاب من مدارس تُصنف تقليدياً بأنها برجوازية أو للنخبة، مثل «ثانوية هيلين بوشيه» و«ثانوية فولتير». عبّر هؤلاء الطلاب عن إدراكهم بأنّهم يتمتعون بامتيازات، لكنهم يتظاهرون لتصبح هذه الامتيازات معمّمة كحق لكل طالب.
ألهم حراك الطلاب في فرنسا، زملاءهم الأوروبيين، في بلجيكا، وإيطاليا، وألمانيا، وألبانيا وإسبانيا والبرتغال، بما وصف بثورة «الجيل زد». فقد تأثر الطلاب بالفيديوهات القصيرة والمنشورات التي توثّق المواجهات مع الشرطة، مما ولّد شعوراً بالتضامن. في إيطاليا مثلاً رفع شعار «سنفعل كما في فرنسا»، وفي بلجيكا قال طلاب لوكالة «رويترز» إنهم يتواصلون مع نظرائهم الفرنسيين، وإن مشاهدة تحركاتهم شجّعتهم على تجديد احتجاجاتهم.
أبلسة الإعلام للمتظاهرينككل انتفاضة شعبية، يخرج إعلام السلطة واليمين المتطرف لشيطنة المتظاهرين، عبر التركيز على صور العنف والتخريب، وتوسيع الحديث عن مثيري الشغب واليسار المتطرف، وتحديداً حزب «فرنسا الأبية»، وعن المهاجرين والمسلمين، لحرف النظر عن مطالب الطلاب والمطالب المعيشية للفرنسيين.
في نشرة أخبارها يوم 3 تشرين الأول (أكتوبر)، فضلت قناة CNews مثلاً التركيز على إصابة شرطي بلباس مدني في ليون، والأضرار التي لحقت بالمناطق المحيطة بالمدارس، واستطلاع للرأي حول تحميل أهالي الطلاب تكاليف الأضرار. وتضمنت المادة تعليقاً يتحدث عن مجموعات من «اليسار المتطرف» تتّهمهم بإحداث الفوضى وإيذاء الآخرين.
وفي نشرة 17 تشرين الأول (أكتوبر)، استخدمت القناة عنواناً افتتاحياً عن «الفوضى في مختلف أنحاء البلاد»، قبل التركيز على الحرائق والنهب والأضرار التي لحقت بالمباني العامة، ونقلت اتهام وزير الداخلية لوران نونيز مجموعات من اليسار المتطرف بالتسبّب في انحراف التظاهرات عن مسارها، واصفاً أداء قوات الأمن بأنه مميز.
ككل انتفاضة شعبية، يخرج إعلام السلطة واليمين لشيطنة المتظاهرين، عبر التركيز على صور العنف والتخريبوفي تغطيتها المباشرة، نشرت Europe 1 خبراً بعنوان «فرنسا الأبية ووكلاؤها من اليسار المتطرف وراء الحركة، وفقاً لماتينيون»، باعتبار أنّ المجموعات المشاركة كلّها وكلاء لحزب «فرنسا الأبية»، ليتجاوز وصف وجود ناشطين يساريين داخل الاحتجاجات، وتقديمهم كأدوات لقوة سياسية منظمة.
أما TF1 Info، فنشرت تقريراً بعنوان «بينما يستغل اليسار المتطرف غضب الشباب، يفرك اليمين المتطرف يديه فرحاً»، ونقلت تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابرييل أتال، الذي اتهم أطرافاً من اليسار المتطرف واليمين المتطرف بمحاولة استغلال غضب الشباب وتحويله إلى أداة سياسية، وتحدث عن استخدام الشباب بوصفهم «وقوداً سياسياً». وهذا يعطي رسالة مبطنة بأن الطلاب لا يدركون ماذا يفعلون، وعلى ماذا يعترضون، وأنهم مجرد قُصَّرٍ يتم التلاعب بهم.
كما ركز الإعلام على الإصابات في صفوف الشرطة الفرنسية والعنف والشغب، بما يعرف في علم الاجتماع الإعلامي بـ «إطار الشغب»، وقد فككت كلّ من «ميديابارت» و«ليبراسيون» التحريض الإعلامي، عبر آليات عدة، منها «حلقة بصرية مفرغة» تركز على بث صور النيران، وتحطيم الواجهات، وإحراق المتاجر والسيارات بشكل متكرر ومستمر طوال اليوم، مثل حريق بلدية ليموج ومكتب السياحة في ليون، بهدف خلق حالة من الصدمة والذهول لدى المشاهد، مما يولد لديه شعوراً تلقائياً بالحاجة إلى «إعادة فرض النظام».
أما التعمية اللغوية والإنكار الاستراتيجي، فتجاهلا الإصابات بين المتظاهرين مع التركيز على إصابات عناصر الأمن. وقد التقط اليمين العالمي، خصوصاً الأميركي والفاشيين الأوروبيين كرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الأحداث لربطها بملفاتهم السياسية المحلية. هكذا، اعتبر السيناتور الأميركي جي دي فانس أنّ ما يحدث في فرنسا هو نتاج «تصدير العالم الثالث باسم التنوع»، محذراً الناخب الأميركي من أن هذا هو المستقبل الذي ينتظره إذا فاز الديمقراطيون.
لكنّ هذا الإعلام لم يشر، مثلاً، إلى اقتراح «قانون رقم 691» المعروف باسم «رخصة للقتل»، والذي يناقشه مجلس الشيوخ الفرنسي، باقتراح من النائب الفرنسي إريك بوجيه، عن حزب الجمهوريين اليميني. يهدف المشروع إلى إقرار «افتراض الاستخدام المشروع للسلاح» لصالح عناصر الأمن قبل بدء التحقيقات، مما يفرض الإثبات على عاتق الضحايا وعائلاتهم.
وتسعى إدارة ماكرون إلى شرعنة عنف الشرطة، الذي ظهر جلياً في التحركات الأخيرة، إذ اعتُقل حتى اليوم قرابة 8000 شخص، 85 في المئة منهم قاصرون، واعتُقل 2400 آخرون في تحركات 17 تشرين الأول (أكتوبر). كما تعرض المتظاهرون لإصاباتٍ بليغة ناتجة من استخدام الشرطة للمقذوفات وبنادق الكرات الوامضة والقنابل المتفجرة. سُجلت حالة بتر يد لأحد المراهقين في مدينة سانت إتيان، وأخرى مماثلة في مدينة لانس، بالإضافة إلى تسجيل حالتي فقدان البصر لطلاب آخرين، فضلاً عن مئات الجروح الطفيفة وحالات الاختناق بالغاز المسيل للدموع. كما توفي متظاهر جراء سكتة قلبية جراء عنف الشرطة أثناء فض التجمعات واستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه في ساحة الجمهورية في باريس.
من 1968 إلى 2026: التخويف مستمرّفي تاريخ فرنسا ثورات كثيرة للطلاب غيّرت وجه المجتمع الفرنسي على مستويات عدة، أبرزها انتفاضة أيار (مايو) 1968، التي التحم فيها الحراك الطلابي والإضراب العمالي العام. ركز الطلاب على إصلاح المنظومة التعليمية ومناهضة مجتمع الاستهلاك الرأسمالي، بينما طالبت الطبقة العاملة بتحسين الأجور وظروف العمل عبر «اتفاقيات غرانيل»، والتقى الطرفان في الدعوة إلى إنهاء الرقابة على الإعلام وإصلاح النظام السياسي لتقويض سلطة شارل ديغول وتحقيق ديمقراطية تشاركية.
يومها، شيطن إعلام السلطة الانتفاضة في بداية شهر مايو (أيار)، مركزاً على الاضطرابات داخل الجامعات، والاشتباكات مع الشرطة، وإغلاق المؤسسات التعليمية.
وترافق ذلك مع نسج رواية مضادة، اختزلت المتظاهرين في الوعي الجمعي إلى مجرد «هيبيز، ومتعاطي مخدرات، ومنحرفين جنسياً». وركز الإعلام الحكومي والتيارات المحافظة على المظاهر الخارجية لبعض الطلاب، كالشعر الطويل، والملابس غير التقليدية، والموسيقى، لربطهم بحركات التمرد السلوكي والاتكالي، عِوضاً عن تصويرهم كقوة تغيير سياسي واعي.
بدأت السردية من مطالب طلاب «نانتير» بخدمات التعليم والسكن الجامعي، وشملت السماح بالاختلاط وزيارات الغرف بين الطلاب والطالبات. لكنّ الخطاب المضاد اختزل الحراك بشعار «المتعة بلا قيود»، وصوّر الطلاب كتهديد للأسرة والأخلاق التقليدية. كذلك، استُخدمت الصور النمطية المرتبطة بالمخدرات وحياة الهيبيز لتقديمهم كشباب غارقين في الأوهام، يفتقرون إلى الوعي السياسي والنقد الجدي للرأسمالية. هدفت هذه السردية إلى عزل الحركة الطلابية عن الطبقة العاملة، عبر تصوير الطلاب كأبناء برجوازيين مدللين، وفصل مطالبهم عن نضال العمال من أجل حقوقهم المعيشية والاقتصادية.
يوم اتهمت الحكومة ووسائل الإعلام المحافظة الطلاب بأنهم «مخربون» و«يمارسون العنف الفوضوي»، رد الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في مقابلة أُجريت في 12 أيار (مايو) 1968 لراديو لوكسمبورغ، قائلاً: «عنف الطلاب هو رد فعل طبيعي وشرعي على عنف النظام المؤسساتي. إن عنف الدولة، عبر الشرطة والقوانين، هو العنف الحقيقي الدائم، وما يفعله الشباب في الشوارع هو مجرد محاولة لكسر هذا الطوق».
كان سارتر من أكثر الداعمين لتغيير الجيل الشاب. وهذا ما يتكرر اليوم مع الطلاب الفرنسيين الخائفين على مستقبلهم، من حكومتهم وقمع شرطتها. فالسلطة ليست حَكماً محايداً، هي أقوى نظام قمعي بحق الشعوب، تسعى إلى حماية النظام القائم وإعادة إنتاجه، فيما يصبح العنف وسيلةً لإجهاض أي محاولة لتغيير الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم حياتهم.
وجوه الحراك الطلابي الفرنسيأفرزت انتفاضة الطلاب الفرنسيين، وجوهاً مؤثرة مثل رئيس الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات، الفرنسي من جذور جزائرية رياض راني، الذي برز كصوت «جيل زد»، رافضاً البقاء مكتوف الأيدي أمام الأزمات المعيشية وتراجع جودة التعليم العمومي في فرنسا.

وتعدّ السكرتيرة الوطنية لـ «الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات» ليديا حمادين، من أبرز الأصوات الداعية إلى «تحالف الساحات»، وقد صاغت العبارة الشهيرة التي تبنتها التظاهرات: «نحن طلاب اليوم وعمال الغد».
كذلك، هناك القيادي في «الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات» ماريوس ميسنيل، المعروف بكونه مفاوضاً شرساً. يدعو أيضاً إلى تكثيف التعبئة وإغلاق الثانويات، لتشكيل أقصى حد من الضغط السياسي.
أما الناشط في صفوف «الشباب الأبي»، الجناح الشبابي لحزب «فرنسا الأبية» سيدو با، فيمثل شريحة طلاب الأحياء الشعبية والضواحي. وقد أسهم في تأسيس مبادرة نقابية جديدة تحت اسم «اتحاد ثانويات الأحياء الشعبية».
وكانت المتحدثة الرسمية باسم «اتحاد ثانويات الأحياء الشعبية»، سومايا ساريه، قد حققت شهرة واسعة عبر منصة «إنستغرام»، عبر مقاطع الفيديو القصيرة، انتقدت فيها سياسات الحكومة وتردي الأوضاع المدرسية. وأخيراً، هناك إيلوان بنوا (الصورة)، أحد أكثر الوجوه الطلابية شهرةً. ظهر مرتدياً الكوفية الفلسطينية حول عنقه، معتبراً أنّ القضية الفلسطينية ورفض الحرب في غزة جزء من الوعي السياسي والعدالة الإنسانية لجيله. وأعلن عن دعمه لـ «حزب فرنسا الأبية»، مردداً شعار «اليسار سينقذ الشباب».
17 تشرين 1961: مجزرة حاولت فرنسا طويلاً طمسهافي 17 تشرين الأول (أكتوبر) 1961، خرج آلاف الجزائريين في باريس استجابةً لدعوة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، احتجاجاً على حظر تجولٍ تمييزي أُعلن في الخامس من الشهر نفسه، فرضته السلطات الفرنسية على الجزائريين، في سياق حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962).
استهدف القرار الجزائريين تحديداً، ورَدَّ المتظاهرون بمسيرة سلمية شارك فيها رجال ونساء وأطفال، لكن الشرطة الفرنسية واجهتهم بعنف شديد، فتعرض المشاركون للضرب والاعتقال والقتل، وأُلقيت جثث بعض الضحايا في نهر السين، كما أُوقف نحو 12 ألف جزائري في تلك الليلة.

ارتبطت المجزرة بنظام استعماري مَيَّزَ بين السكان، وبممارسة القمع ضد الجزائريين حتى داخل فرنسا نفسها. لم تعترف السلطات والإعلام الفرنسيان بحجم ما حدث فوراً، وظلت الواقعة محاطة بالصمت والإنكار لعقود.
في عام 2021، أقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن الجرائم المرتكبة تحت سلطة قائد الشرطة موريس بابون كانت «لا تُغتفر بالنسبة إلى الجمهورية»، لكنّ الإقرار لم يتضمّن إعلاناً رسمياً بأن المجزرة كانت «جريمة دولة».
وقد جاء اختيار يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر) كيوم للذروة الاحتجاجية، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والستين لمجزرة 1961.
المصدر: الأخبار