من أوسلو إلى 7 أكتوبر... ثلاثة عقود من «السلام» المتعثّر
يستعرض كتاب "الغد هو الأمس" مسار ثلاثة عقود من مفاوضات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية، كاشفاً أسباب تعثرها وإخفاقاتها وصولاً إلى 7 أكتوبر 2023.
في «الغد هو الأمس»، يعود حسين آغا وروبرت ماللي إلى ثلاثة عقود من مفاوضات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية، من أوسلو إلى 7 أكتوبر 2023. ومن موقعهما داخل دوائر التفاوض وصنع القرار، يفككان الأوهام والحسابات الخاطئة والإخفاقات الفلسطينية والإسرائيلية والأميركية التي انتهت بعملية السلام إلى طريق مسدود
في كتابهما «الغدُ هو الأمسُ: الحياةُ والموتُ والسعيُ إلى السلام في إسرائيل/ فلسطين» الصادر بالإنكليزيّة في نيويورك (دار فارار، ستراوس وجيرو)، يوفّر حسين آغا وروبرت ماللي مقاربة شاملة لآمال عملية السلام التي انقلبت إلى مأساة حاضرة، مستفيديْن من تجربتهما المُستقاة من كونهما كانا مستشاريْن للقيادة الفلسطينيّة وللإدارة الأميركيّة ومشاركيْن في مفاوضات السلام على مدى عقود في الإضاءة على تعثّر عمليّة السلام في الشرق الأدنى وما رافقَها من انتكاس وتلكؤ، إسرائيليّاً وفلسطينيّاً وأميركيّاً على حدّ سواء، نتيجة الأوهام والأضاليل التي اكتنفتْ المفاوضات من ألفها إلى يائها.
يلحّ الكاتبان على أنّه لا مناص من حلّ الدولتيْن إذا ما كُتب لعمليّة السلام أن تمضيَ قدُماً في مسعاها، ذلك أنّ تعثّرها سببه حتى الآن جنوح الأميركيين إلى تفاصيل تقنيّة وصياغات لغويّة بدل الخوض في وقائع حياتيّة حقيقيّة، والصدام المدمّر في غزّة بعد 7 أكتوبر، إضافةً إلى اتّساع الخلاف بين الفلسطينيين والإسرائيليين نتيجة ثمانية عقود من الصراع. لذا يعمد آغا ومالي إلى الإماطة، بأسلوب واضح وتفصيل دقيق، عن مآل عمليّة السلام إلى الإخفاق في تحقيق أهدافها، لا بل إنّها انقلبتْ رأساً على عقب إذ حلّت سرديّات مزيّفة مكان وقائع فعليّة، وعليه، وفي إطار أحداث الحاضر المحفوفة بالمخاطر ليس هناك من خلاص كامن في المستقبل سوى أخذ عبرة من الأمس.
7 أكتوبر يعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة
يرى آغا وماللي أنّ حرب 7 أكتوبر 2023 غيّرتْ تضاريس الشرق الأدنى السياسيّة، فانتشرَ الصراع على أوسع مدىً من غزّة إلى طهران، فشمل لبنان وسوريا والعراق واليمن، وترك آثاره السياسيّة والاقتصاديّة والنفسيّة على إسرائيل ما أربَك السياسة الأميركيّة وأشعلَ موجات احتجاجات عالميّة، وعدّل مواقفَ غربيّة، والأهمّ إعادة المسألة الفلسطينيّة إلى مكانتها مركز السياسة الدوليّة.
يشير الكاتبان إلى أنهما يرويان قصّة مدارها البحثُ عن السلام، منشأها احتفاليّة اتفاقيّة أُوسلو في البيت الأبيض (13 أيلول 1993) ومنتهاها 7 أكتوبر 2023، إلّا أنهما يردّان القارئ إلى تفاصيل مهمّة في تاريخ فلسطين بدءاً من لجنة Peel البريطانيّة لعام 1937 إلى قرار الأمم المتّحدة عام 1947 ثمّ نكبة 1948 وفداحتها، وصولاً إلى القرار 242 وصعود حركة فتح بزعامة ياسر عرفات، إلى التزام الفلسطينيين بحلّ الدولتين وتلكؤ مفاوضات عرفات – باراك في كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي كلينتون عام 2000.
يهتمّ الباحثان آغا وماللي بسرد استراتيجيّة عرفات السياسيّة على مدى خمسة عقود، ويلحّان على أنّه لا مناصَ من حلّ الدولتيْن، مع إقرارهما بأنّ عرفات كان على الدوام مُمسكاً بوحدة القوى الفلسطينيّة في نضالها، ويريان أنّ ظهور حماس على الساحة قلبَ موازين القوى رأساً على عقب.
«حماس» وتبدّل موازين القوى
يرى آغا وماللي أنّ إسرائيل عجزتْ عن قراءة تنامي الفكر السياسي لحركة «حماس»، فلم يكن في إمكانهما ردع «حماس» سلفاً عن مخطّط 7 أكتوبر، ذلك أنّ ما يلفتُ الأنظارَ أنّ يحيى السنوار، العقل المدبّر له، أعلنَ على الملأ أنّه ساعٍ إلى إنهاء الحصار المضروب على غزّة، وأنّ «حماس» تعمل جاهدة في سبيل الإطاحة بالأمن والاستقرار ليس في غزّة فحسب، بل في المنطقة بأسرها، طالما لم يكن هناك حريّة وعدالة لأهل غزّة. ويقرّ الباحثان أنّ تاريخ إسرائيل شاهد، ومنذ 1948، على أنّها ماضيةٌ في غيّها، من تدمير إلى اقتلاع إلى سطوٍ على الأملاك، ما أدّى في نهاية المطاف إلى ردّ فعل 7 أكتوبر على جرائم الدولة العبريّة على مدى ثمانية عقود، لا بل إن شرارة غزّة هذه أشعلتْ جبهات مساندة لحركة «حماس»، بدءاً من إسناد «حزب الله » لغزّة، فمشاركة الحوثيين والفصائل العراقية إلى قيامِ الجمهوريّة الإسلاميّة بالردّ العسكري الأوسع والمكثّف على كيان الدولة العبريّة.
واشنطن... ثلاثة عقود من إخفاق الوساطة
لا يغيب عن بال آغا وماللي أنّ السياسة الخارجيّة الأميركيّة انزلقتْ من فشل إلى فشل في معالجة حدث 7 أكتوبر، فمن قراءتها الخاطئة للواقع إلى تزييفها الوقائع، فكما فشلتْ في كامب ديفيد كرّرتْ فشلها مجدّداً، وعلى مدى ثلاثين عاماً، من اتّفاقيات ابراهام حتى الساعة، لا سيّما أن ترامب داوى عمَى سياسته الخارجية بكحلٍ انتهى مفعوله، ما أغاضَ بصرَ الحكمة ونالَ من ثقةِ الرأي العام بها، فكأن سياسته رفدت عمى القلب بعنجهيّة مطلقة، ما انتهى به إلى مقارعة أهل مضيق هرمز، فاصطادوه ولم ينجُ، وجرّ شعبَه إلى تهلكة هو في غنى عنها.
يأتي كتاب آغا وماللي في وقت نحن بحاجة فيه إلى توثيق صادق ومرجعي لمسار عمليّة السلام منذ أوسلو حتّى الساعة، لا سيّما أنّ الباحثيْن متّفقان على حقّ أهل فلسطين في إقامة دولة ديمقراطيّة يعيشون في كنفها، والكتاب شهادة دامغة على ذلك من خبيريْن في مجالهما، إضافة إلى تحويلهما الكتاب إلى مصدر أساسي في تاريخ فلسطين المعاصر، وما اختصّ بنشأة حركة «فتح » عام 1958 وكان حسين آغا قد التحق بها عام 1968 وهو تلميذ في أميركيّة بيروت وقبل التحاقه بجامعة «أكسفورد».
الكاتب: محمود شريح/ الأخبار
2026-09-26 || 19:48