يوسف عبدلكي فنان تشكيلي من المنخرطين في الشأن العام. ليس مشغولاً بالفن أكثر من السياسة، ورغم أنهما يسيران في خطين متوازيين، فإنهما يتقاطعان كثيراً في سورية التي تجتاز مرحلة انتقالية صعبة، ولذلك لا يرى الوضع في البلد انطلاقاً من مرسمه الواقع في دمشق القديمة، بل من معايشة ومتابعة للتطورات من موقع المثقف الملتزم الذي لا يتردد عن التدخل في كل ما يعنيه. وقد أجرت معه "المدن" هذا الحوار في منزله في دمشق، وطاف في شؤون السياسة والفن والقراءة.
- هل حصل تغير في تقييمك للوضع السوري عما كان عليه قبل عام؟كان تقييمي قائماً على مسألتين. الأولى، السياسات التي تطرحها السلطة الجديدة في سورية. والثانية طبيعة هذه السلطة. أعتقد أن ايديولوجيتها الدينية المتشددة تتشابك مع منبتها الريفي على العموم. وبهذا المعنى فإن مرور سنة ونصف لم يغير من سياساتها ولا من بنيتها. ويلاحظ سعيها الحثيث لاكتساب الشرعية الخارجية، مع إهمال الداخل، بل أظهرت خيارات اقتصادية تقصم ظهر المواطن المعاشية، مع وضع مسألة التنمية جانباً، وفي الوقت نفسه فتح السوق للمنتجات الأجنبية وخاصة التركية!
أما على المستوى السياسي فقد تم ارتكاب مجزرتين في الساحل والسويداء لا مبرر لهما. جرى قتل آلاف المواطنين تحت ادعاء وجود فلول، في حين أن هؤلاء الفلول لم يعودوا موجودين، وفي حال وجودهم يفترض الايعاز بإحالتهم إلى المحاكم!! ثم ما المبرر لاستهداف 30 قرية في السويداء، تم قصفها وإحراقها، وخطف وقتل أبنائها، هذا أمر لا يقبله العقل ولا الحس الوطني، ولا يشي إلا بالنزوع الديني المريض على الطريقة الداعشية. ومن نافل القول إنه يناقض الحرص على وحدة سورية ومستقبلها. هذه نقاط سوداء في صفحة السلطة. وبالتالي ليس هناك تغيير، يمكن على أساسه تعديل موقفي النقدي من السلطة. نحن أمام مستقبل غامض بكل معنى الكلمة. كل ذلك يجبر المرء على النظر بريبة للوضع القائم واحتمالات المستقبل.
ألم يحصل أي تحسن ملموس خلال عام؟اعتقد أن ما حصل خلال عام هو تمكين للسلطة أمنياً وعسكرياً، وأعتقد أن فصائل السلطة معنية بحلحلة عقدها الداخلية كفصائل، ومازالت التباينات بينها كبيرة، لذا تجد شيخاً هنا يعلن قيام إمارة في عربين، وآخرون يفجرون أثناء زيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق! كأن ذلك تحذيراً للمعتدلين بأن يكفوا عن "اعتدالهم"!
من جهة أخرى، لا خطة لإعادة ملايين السوريين اللاجئين إلى بلداتهم وقراهم، في تجاهل واضح لمعاناتهم المزمنة! أما على مستوى حياة البشر، فمن غير المنطقي توقع حلول بعد سنة أو سنة ونصف، بعد عقود من الحرب والانهيار والفساد. لكن المواطن كان قد أمِل في عناوين تشير إلى أين نحن ذاهبون، ليس إلا! غير أن التدهور في ازدياد على كافة المستويات، كما هو حال أسعار الكهرباء والوقود والمواد الغذائية. وبينما كان من المأمول، أن تظهر خريطة طريق لهذه السلطة تُظهر الحرص على إزاحة شيء من معاناة السوريين اليومية الطاحنة، للأسف ذلك لم يحصل.
واحدة من الدلائل على سوء الوضع بعد عام ونيف، أننا ما زلنا كمواطنين ننتظر العدالة الانتقالية. وكما ترى ليست هناك أي إجراءات. اعتقد أن ما يحول دون ذلك وهو الخوف من أن محاكمة إجرام النظام السابق، يمكن أن تجرّ إلى محاكمة ممارسات الفصائل نفسها خلال العقد الماضي! وهناك ملفات لا يمكن تمريرها، كاتّهام أحد قادة "جيش الإسلام" بتصفية مجموعة من الناشطين السوريين مثل رزان زيتونة وسميرة الخليل. لذلك تبدو مسألة العدالة الانتقالية ذات طابع إعلامي، تسويفي حتى الآن.
ما جرى بعد عام ونيف، هو ترتيبات داخل بنية الفصائل، ليصلوا إلى الحكم كفريق متجانس. غير أني اعتقد أن ذلك بعيد منهم. لأنهم ليسوا مختلفين فقهياً وسياسياً وتمويلياً فحسب، بل إن بعضهم يخوّن البعض الآخر على المستوى الشخصي. وأظن أنهم في حاجة لعام أو عامين حتى يحكموا كفريق متوافق، أو يكون العنف حاكماً بينهم.
كلنا نعرف مشاكل الاقتصاد السوري بسبب الحرب، كما أن السلطة الجديدة لم تتلق مساعدات اقتصادية مهمة حتى الآن. وبالتالي كيف ترى الحلول الممكنة؟
هناك تردد من قبل رأس المال الأجنبي في الحضور إلى سورية. وبرأيي أن هذه المسألة استندت إلى وهم كبير بأن رأس المال سيأتي بمجرد تغيير النظام. تكمن المشكلة في أنه ليست هناك بيئة آمنة من جهة. ومن جهة أخرى، إذا لم ترجع رؤوس الأموال السورية لتستثمر في مشاريع حقيقية، فلن يأتي رأس المال الأجنبي، بغض النظر عن رأينا في دوره! ربما تساعد بعض الدول الخليجية بمبالغ تسد الحاجات الآنيّة، لكن من الواضح أنها لن تستثمر. يتوجب توفير بيئة جاذبة لرأس المال السوري، وهو ما يجذب بدوره رأس المال الأجنبي، وهذا لا يحصل!
هل تقصد إرساء بيئة قانونية وسياسية؟رأس المال جبان، يحتاج إلى بيئة آمنة، أي قوانين وتشريعات، ومؤسسات غير فاسدة، ومنافسة رأسمالية بعيدة من امتيازات المحاسيب والموالين، وللأسف فإن المقربين وأهل الولاء يتهافتون على المشاريع المدرّة للربح السريع! الفساد ما زال قائما بشكل أو بآخر. مع أنه لا تصح المقارنة بالنظام السابق المجرم الفاسد الذي أوصل البلد للحضيض، لكن المأمول من نظام جديد أن ينجز شيئاً جديداً مختلفاً.
كيف تفسر عدم حصول تقدم؟اعتقد انهم غير قادرين على ذلك، لا يملكون رؤيا. هناك توجّه للاقتصاد الحر، لكن حتى هذا يحتاج لاستراتيجية غير موجودة للآن. هم مأخوذون بالخلافات بينهم حتى الآن! وأرجو أن أكون مخطئاً. لست مسروراً كمواطن أن ينحط شأن الليرة السورية لهذه الدرجة، وأن يتفاقم الغلاء، وترتفع أسعار الكهرباء، وأن تنعدم ملامح تنمية ما! أتمنى أن يكون الوضع القائم جيداً، وآمل أن يتحسن حال المواطن السوري على المستوى الاقتصادي والسياسي.
هل تتمنى لهذه السلطة أن تنجح؟أتمنى لأي سلطة أن تنجح في تأمين حد أدنى من الحريات والمساواة، والعيش الكريم، والاهتمام بالتنمية، والسعي لديموقراطية سياسية، أي أن نصل إلى دولة مواطنة وعدالة اجتماعية، لا تلك القائمة على الاستعراضات الإعلامية.
أنت يساري وتأمل في نجاح سلطة تعتبرها من أصول دينية متشددة؟أنا وغيري من اليساريين تهمنا مصلحة البلد أولاً وأخيراً. ليست أفكارنا هي الفيصل، بل بلدنا وشعبنا، وضرورة النهوض بوضع البلد واقتصاده، وحياته السياسية، والدفاع عن مصالحنا الوطنية، وتحرير أرضنا المحتلة. أما أفكارنا حول ملكوت الحرية وإنهاء الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية فهي متروكة للمستقبل. الخوف اليوم على كيان الدولة والعيش المشترك.
نلاحظ أن القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني لا حضور لها في الشارع، رغم جو الحرية الذي شاع بعد سقوط النظام..
يجب أن نعترف بأن جو الحريات السياسية الموجود اليوم لا يُقارن بما كان عليه خلال مرحلة الأسدين. أما مواقف الأحزاب السياسية الديموقراطية أو شبه اليسارية، فآراؤها واضحة، وتظهر في بياناتها، من تحالف المواطنة السورية المتساوية "تماسك"، إلى حزب الإرادة الشعبية وحزب العمل الشيوعي وغيرهما. أما منظمات المجتمع المدني فوضعها مختلف، والعديد منها يراهن على السلطة الحالية، وربما يكون هدفها استمرار تمويلها من الخارج من دون إرباك نفسها بمواقف من سلطة دينية! رغم أن سوء الأحوال يستدعي ذلك.
هل تفكرون في احتجاجات منظمة كأحزاب؟جميع الأحزاب لديها آليات متابعة وقراءة للتطورات. لكن هل الوضع يحتمل النزول للشارع من أجل الاحتجاج؟ أعتقد أن الجميع حذِر من ذلك، لأنه يعني قطيعة مع النظام، بشكل أو بآخر، أو مواجهة مع جزء من الشارع الداعم حتى الآن للسلطة. في تقديري أن الأحزاب تؤجل هذه اللحظة، وفي الوقت ذاته بدأت هذه السلطة تفقد مصداقيتها لدى الغالبية بالتدريج، يوماً بعد يوم. كل السوريين احتفلوا بسقوط النظام، لكن بعد مرور كل هذا الوقت وعدم تحسن الأحوال المعاشية، الوضع يتغير. إذا التقيت بأي شخص على درجة من الحياد، سيكلمك عن أوضاعه الخانقة. الناس عموماً لا تفهم في بيانات الأحزاب، ما يعنيهم هو الوقائع التي يعيشونها. وما يشهدونه يعلّمهم شيئاً آخر لا يمكن قبوله، أو الاستمرار في تحمله. بهذا المعنى، كلما تقدم الوقت، تقلصت المصداقية، ولا أشك في أننا سنصل إلى لحظة يبدو فيها عدم النزول للشارع من قبل الأحزاب، خيانة. هذه اللحظة لم نصلها بعد، لكن إذا استمر الوضع كما هو عليه، فهي آتية في رأيي.
أنت شاركتَ في حوارات مع السلطة، ما هي الحصيلة؟أعتقد أن الهدف من الحوارات كان إعلامياً أكثر منه الاستماع للمثقفين، بدليل أنه لم تتم المتابعة ولم يتغير شيء بعد اللقاءين اللذين شاركت فيهما. لم نلمس أي نتيجة على المستوى العملي. وكأن المسألة مهرجان إعلامي، يقولون فيه للإعلام نحن ديموقراطيون نستمع للشعب، لكنهم لا يفعلون إلا ما يعتقدونه هم، بغض النظر عن آراء الآخرين. للأسف، المثقفون استُخدموا ككومبارس.
ما هو السبيل لتجاوز هذا الوضع من الاستعصاء؟لو أني شخص أيديولوجي، لتمنيتُ أن تتغير السلطة غداً. لكني لست كذلك. أعتقد اليوم أن الوضع السوري هش إلى درجة تضع مصير سورية ومستقبلها كله على كف عفريت. لذلك، رغم كل انتقاداتي، لا أتمنى لهذه السلطة أن تسقط. أتمنى أن تبقى موجودة وتحسّن أداءها على المستويات الاقتصادية والسياسية، بل والفكرية، لكن من أن تسقط لأن سقوطها يعني - ربما - انهيار سورية كبلد.
يبدو أن هذا ليس رأيك وحدك، بل رأي قطاع واسع من السوريين...في اجتماع "تماسك"، التي تتكون من 30 فصيلاً وحزباً وهيئة مدنية من مختلف المشارب، ديموقراطية وشيوعية ويسارية، نجتمع كل أسبوع ونتناقش، وحين تدعو الضرورة نصدر بيانات. جزء من هذا الرأي الذي أقوله متداول، وليس شخصياً، وفي حزب العمل مثلاً متداول عندنا من عام ونصف العام، كل وجهات نظر الواقفين على مسافة من السلطة، هي نقدية بوضوح، نجدها في صحف الأحزاب وبياناتهم، لكن أحداً لا يستجيب. ولا آفاق.
أما زلت تعتقد بضرورة وجود الأحزاب؟حتى الآن لم تبتكر الإنسانية شيئاً أفضل من الحزب لتجتمع وتفكر وتقترح وتغير. اعتقد أن جزءاً من البنية الصحيّة لأي بلد هو وجود أحزاب، وحوار بالمعنى الواسع بين أفكار مختلفة ومتباينة، وترك كل شيء لحكم الشارع. وجود يسار ويمين ووسط، شيء حيوي لحياة أو مستقبل أي بلد. ليس في التاريخ تشابه للآراء أو تطابق. البشر متنوعون، المجتمعات متنوعة، علينا أن نحترم تاريخ الناس وخلافاتهم وصراعاتهم، وإلا انسقنا إلى الاستبداد، إلى قهر آراء البشر، والعصف بكرامتهم.
كيف ترى حال الإعلام السوري؟هناك إعلام سلطة ضعيف، لكن لديها جيشاً إلكترونياً فعّالاً، وكذلك إعلام المعارضة ضعيف، وهناك كم هائل من المنشورات من الناشطين في فايسبوك. الصورة مختلطة، لا إعلامَ واضحاً ذا نفَسٍ توجيهي، مثل الإعلام الناصري في زمن صعود الناصريّة مثلاً. ما آمله هو أن نصل إلى إعلام موضوعي، وحر، تتواجد فيه الميول السياسية والفكرية المتنوعة، وأن يكون رافعة للوعي. وواضح أن ذلك بعيد من تصورات القائمين على الشأن السياسي أو الإعلامي حالياً.
ذكرت أن "تماسك" تمثل 30 جهة، لماذا لم تؤسسوا منصة إعلامية من ضمن مهامكم السياسية؟
الإمكانات متوافرة على المستوى التقني، لكن إطلاق منصة إعلامية معارضة قد يُفسر على أنه إعلان قطيعة مع السلطة. هناك أطراف في "تماسك" تمسك بالعصا من منتصفها. وخطوة من هذا القبيل تتطلب حوارات معمقة وسياسات أوضح في توجهاتها السياسية، وربما تصل "تماسك" إلى ذلك بعد ستة أشهر أو أكثر. تم طرح الفكرة، وتأجلت للأسباب أعلاه.
تحدثنا عن السياسة والاقتصاد والإعلام، ماذا عن الوضع الثقافي؟تتعامل السلطة حتى الآن بدرجة من الأريحية مع المثقفين الذين كانوا شبه مؤيدين أو محايدين تجاه السلطة السابقة، وهذا أمر جيد. لكن كل حدث، مثل سقوط النظام السابق، يحتاج وقتاً كي تتمظهر أشكاله في الحقل الثقافي، ولو حاول أحد تناول السقوط درامياً، فإنه سيقع في التسرع والاستعجال وعدم النضج. الأحداث الكبرى تحتاج وقتاً طويلاً كي نفهم دلالتها العميقة والى أين يمكن أن تأخذنا! أعوّل على المثقفين، لكن أرى ضرورة إعطائهم الوقت الكافي.
الوضع على الأرض مرتبك بصدد النشر وصالات العرض، وأفضل من هذا وذاك الشعر.. ربما الشيء الوحيد الشغال كماكينة هو المسلسلات. ولسوء حظنا، عينوا وزيراً للثقافة لا علاقة له بمثقفي البلد، ولم نر لوزارته أي مشاريع أو مبادرات واعدة! وهذه قصة أخرى. وبالتالي الوضع حتى الآن على شيء من الغموض تخترقه عشرات المواقف من الناشطين الديموقراطيين المعارضين في السابق، والصامتين اليوم! المخرج الإنكليزي كين لوتش يقول: "المصيبة ليست عنف الأشرار، بل صمت الأخيار". لذلك، نجد مئات الناشطين الذين كانوا يسمّون أنفسهم معارضين ديموقراطيين أيام النظام البائد، نجدهم صامتين اليوم. في رأيي الصمت خيانة. حين يكون بلدك على هذه الدرجة من الانهيار، لا يحق لك الصمت. الصمت ليس مسألة خلاف فكري! يجب أن يكون لديك قسط من الشجاعة يخولك قول جزء ولو بسيط من الحقيقة. للأسف، عام واحد ونصف العام، كان كافياً ليظهر أن الكثير من المثقفين المعارضين تحول إلى منتفع! بدلاً من دفاعه عن القيم التي أعلنها في السابق. هذا ليس.. أمراً سيئاً، إنه مُخزٍ!!
ما هو وضع الرسم حالياً، هل هناك مشاريع؟خلال الفترة الماضية كان وقتي مقسما بين الرسم والقراءة والشطرنج. عندي مشروع رسم مؤجل عمره 50 عاماً، كنت قد فكرت فيه حينما كنت سجيناً العام 1978، وهو الرسم من وحي قصائد الشاعر نزيه أبو عفش، وقد عملت على ذلك، وسأطبع الرسوم باستخدام الشاشة الحريرية، كما فعلت مع رباعيات صلاح جاهين. ولا أخفي عليك أني وجدت نفسي مشدوداً لقصائده في مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، مثل قصائد: الله قريب من قلبي، المضيق، أيها الزمان الضيق أيتها الأرض الواسعة... إلخ
ما سبب اختيارك للأعمال القديمة جداً؟هناك أيضاً رسوم تُستوحي بعض أعماله الجديدة. وأعرف أن الكثيرين سيتوقفون أمام هذا الخيار! وأود هنا الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أنه، بالإضافة إلى قيمة نزيه أبو عفش الإبداعية والشعرية الكبيرة فإن صدقَه لا حدود له. كان نزيه يكتب في السبعينات ما لم يكن يجرؤ أحد على الكتابة عنه؛ الحرية، إعدام فرسان المنظمة الشيوعية العربية والقمع والسجون والخوف. كان يكتب ذلك بشجاعة وموهبة فذّة عندما كان 90 في المئة من المثقفين صامتين. يجب ألا ننسى ذلك، بسب خلاف سياسي اليوم.
وماذا تقرأ الآن؟مؤخراً عدت لقراءة التوراة. وهناك ترجمتان إلى العربية. قديمة منذ أكثر من 100 سنة، وأخرى جديدة منذ حوالى 50 سنة، وهي مشتركة من قبل حوالى 50 باحثاً دينياً اشتغلوا عليها من مختلف التيارات الدينية.
ما هي الملاحظات التي أثارت انتباهك في هذه القراءة؟الملاحظة الأولى هي أنه، إذا استثنينا نشيد الأنشاد وشفافيته وحسيته البديعة، فإنه يبقى كتاباً مملاً بسبب القدر الهائل من التفاصيل الذي لا يثير اهتمام أحد اليوم. والثانية أنه كُتب من كتّاب (أنبياء!) كثر بعد 600 سنة من الخروج من مصر. والثالثة أنه خلال 1200 صفحة، يندر أن تجد صفحة، لا تتكرر فيها مفردة "القتل"، كما لاحظت أن "رب اليهود" يمنّنهم في كل صفحة بأنه أخرجهم من مصر. أتساءل عن هذا الإله البعيد من كرم الألوهية والذي يذكّرهم بما أحسَنه إليهم! والرابعة هي أنه لا يوجد، كما عند المسيحيين والمسلمين، جنة وجحيم. هناك منطق يقول: حين يرضى الله عنك ينصرك على أعدائك، أو بالعكس. هذا بالإضافة إلى مبالغات في الأرقام، فهو يذكر مثلاً أن عدد الرجال الذين خرجوا من مصر، 600 ألف، عدا النساء والأطفال، وتاهوا 40 سنة في سيناء! بينما يقول علماء التاريخ أن العدد الحقيقي يتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألفاً في أعلى الاحتمالات. كتب الديانات يُفترض أن تعلّم الأخلاق والفضيلة، لا المبالغات أو الأكاذيب.
هل تلاحظ أنه خلال العقدين الأخيرين هناك عمل دؤوب ومنهجي على خلط المسيحية باليهودية؟لست ضالعاً في تاريخ الأديان ولا اليهودية ولا المسيحية، لكن ما اعرفه أنه منذ 150 سنة اشتغلت الكنيسة الإنجيلية الأوروبية والأميركية على ما يسمى "الكتاب المقدس"، وهو يعني طباعة التوراة زائداً الأناجيل الأربعة في كتاب واحد! وهذا لم يكن موجوداً. التوراة لفئة ودين، والإنجيل لفئة ودين آخر، وهؤلاء وأولئك خلطوهم مع بعض. ويمكن من هذا المنطق المسيحي الإنجيلي المتهوّد، أن تلاحظ الجذر الحقيقي للتيارات البروتستانتية الصهيونية في الولايات المتحدة.
أرى أن لديك رقع شطرنج عديدة هنا. هل أنت مثابر على هذا النشاط، وهل فكرت أن تلاعب نفسك؟لدي أصدقاء يتحننون عليّ، يأتون لملاعبتي أحياناً. هم قلائل، لكن لحسن الحظ هناك كتب. لدي مكتبة شطرنج لا بأس بها، فيها أدوار من تاريخ اللعبة منذ 150 سنة حتى الآن، بعضها بديع بكل معنى الكلمة، مثل أدوار مورفي واليخين وكابابلانكا وكاسباروف. أتفرج عليهم من باب التسلية. كنت منذ ثلاثين سنة أبذل مجهوداً كي افهم منطق الافتتاحيات والدفاعات. وبعد ذلك حذفت ذلك من رأسي، وصرت أتفرج عليها من باب المتعة، لا أريد أن أتعلم شيئاً، أستمتع وهذا يكفي. كل يوم أطالع لعبة أو اثنتين. كما لا ألعب مع نفسي، جربتها أكثر من مرة ولم تجذبني، لأنها تجعل اللاعب متواطئاً مع نفسه! هناك نقلات معروفة، تفسيرها بسيط. لكن، في وسط الدور، إذا قام خصمك بنقلة، فهناك أكثر من تفسير، قد تكون نقلة دفاعية أو تحضيراً لهجوم، أو إفساحاً لحركة أخرى. كل نقلة تحمل سؤالاً، وتخميناً لإجابات متعددة. ربما يكون عدم الوثوق من هدف كل نقلة هو ما يمنح الشطرنج سحره.
هل لديك أصدقاء في دمشق؟ أم أن معظم وقتك يذهب للرسم والسياسة والشطرنج؟أعتقد أن لدي أصدقاء كثيرين من فئات عمرية مختلفة، وبعضهم يمارسون الرسم والسياسة. أما يومي فمليء، أنا مأخوذ بالعمل، ثم العمل ثم المطالعة والمواعيد. ولا أخفيك بأن لديّ إحساساً دائماً بالتقصير.
كلمة أخيرةأتمنى على السلطة أن تتبع طريق العقل وتتصرف مع أهل الساحل والسويداء، على غرار ما تصرفت مع أهل دير الزور، إثر تصريحات السيد حسين الشرع التي اعتبروها مهينة لهم، فاعتذر منهم رئيس الدولة ليطُمئن أحوالهم. وآمل أن تحصل محاكمة ومحاسبة للمسؤولين عن المجازر، وأن يخرج اعتذار للضحايا. اعتقد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يُطمئن السوريين على أن مستقبلهم بعيد من أن يكون طائفياً أو إنتقامياً. لا يجب ترك البلد في مهاوي الثأر والانتقام الطائفي. السياسة حسابات ومصالح وعقل. الانتقام مضاد للسياسة، ومدمّر للبلد اليوم ولمستقبل الأجيال غداً.
الكاتب: بشير البكر/ المدن