هآرتس: إسرائيل لا تناقش دولة فلسطينية.. إنها تتهيأ للطرد
الصحفية عميرة هاس تنشر مقالا في صحيفة هآرتس العبرية، يتحدث عن الدولة الفلسطينية، والسياسة الإسرائيلية التي تتجه إلى جعل الحياة غير محتملة للفلسطينيين أينما كانوا، بحيث يمكن وصف هجرتهم لاحقاً بأنها فعل إرادي حر.
إن موقف غادي آيزنكوت من الدولة الفلسطينية لم يعد هو جوهر المسألة. ففي غزة والضفة الغربية وداخل إسرائيل نفسها، تعمل الآلة التي تجعل حياة الفلسطينيين مستحيلة، واضعة الأساس لطرد جماعي.
إن غادي آيزنكوت، المرشح المتقدم في الانتخابات وزعيم حزب «ياشار»، له موقف من الدولة الفلسطينية، لكنه في نهاية المطاف موقف غير ذي صلة. فما هو مطروح اليوم ليس «حلًا دبلوماسيًا»، بل وجود الشعب الفلسطيني نفسه بين نهر الأردن والبحر المتوسط. إن القوى الإسرائيلية الساعية إلى «محوهم» لا تعترف بحدود ولا بقيود. ومؤيدوها كثر إلى درجة لا تسمح لنا بأن نعتمد فقط على صمود شعب وثباته، وهو شعب سبق أن عانى من خطط طرد نفذتها إسرائيل.
العالم يقف متفرجًا. واليسار صغير وضعيف، وبُحّ صوته من كثرة التحذيرات. أما المعارضة المناهضة لبيبي فتتأرجح بين التقليل من شأن الخطر، واللا مبالاة به، ودعم الطرد علنًا. أما الإدانات المتفرقة، التي تثار غالبًا بسبب منشور كتبه السفير الأميركي على منصة إكس، فهي نافعة بقدر نفع الغربال في عاصفة مطر. إن الكتائب الفالانجية اليهودية تهاجم باستمرار وفي كل مكان، وليس في قصرة وحدها.
إن النقاش حول دولة واحدة، أو دولتين، أو فيدرالية، أصبح اليوم نظريًا أكثر من أي وقت مضى. فأي حل متفق عليه يتطلب أولًا الاعتراف بالمشكلة والاتفاق على ماهيتها. لقد تم تكييف كثيرين جدًا من اليهود في إسرائيل ليؤمنوا بأن المشكلة هي مجرد وجود شعب فلسطيني في هذه الأرض، شعب له جذور، واستمرارية تاريخية واقتصادية، ورصيد ثقافي وممتلكات مادية، وتراث زراعي غني، ومحبة عميقة للوطن.
إن «المحو» هو الحل الكابوسي الذي يُكتب في الواقع يومًا بعد يوم. قوانين الكنيست، وتصريحات السياسيين، والأوامر العسكرية، والكتب المدرسية، وكتائب العقارات المقدسة العاملة في غزة والضفة الغربية والنقب، كلها تعمل، مجتمعة ومنفردة، على دفع هذا «الحل» قدمًا، بجدّية ومن دون خوف من الإدانة الدولية.
تتجه السياسة الإسرائيلية إلى جعل الحياة غير محتملة للفلسطينيين أينما كانوا، بحيث يمكن وصف هجرتهم لاحقًا بأنها فعل إرادي حر. داخل إسرائيل نفسها، تمنح السلطات منظمات الجريمة العربية حرية التسلح وقتل المواطنين الفلسطينيين في بيوتهم. وفي الضفة الغربية، تمنح السلطات الإسرائيلية نفسها «كتائب الله» حرية التسلح والقتل والطرد، بينما يواصل الجيش الرسمي اقتحاماته ليلًا ونهارًا. وفي غزة المدمرة والعطشى، ترعى الحكومة والجيش ميليشيات مسلحة من المتعاونين المجرمين، بينما يواصل الطيارون الإسرائيليون إطلاق صواريخ الانتقام والعقاب التي تزهق أرواح مزيد من الأطفال. كل هذه الاستعراضات المشحونة بالذكورية العنيفة مترابطة بعضها ببعض.
وفي الوقت نفسه، تدمر إسرائيل أو تقيّد بشدة قدرة الفلسطينيين على كسب رزقهم. في غزة، أُنجزت هذه المهمة. فهناك شعب من «الأحياء الأموات»، شعب من متلقي المساعدات، قوامه مليونا إنسان يحملون ثقل نحو 74 ألف قبر جديد، وعائلات وذكريات، ومواهب ومهن، ومدخرات تبخرت، محشورون في نحو 150 كيلومترًا مربعًا من الأرض المحروقة. إن الإبداع وسعة الحيلة والتكافل المتبادل تتضاءل كلها أمام حجم الدمار، وأمام الحظر الإسرائيلي على إعادة البناء والتعافي.
وفي الضفة الغربية، تضيق وزارة المالية الخناق المالي حول أعناق نحو ثلاثة ملايين إنسان وحول السلطة الفلسطينية. وتضاف السرقة المنهجية للعائدات إلى حملات الجيش التدميرية في المدن ومخيمات اللاجئين، وإلى الوسائل الأخرى المستخدمة لمنع الفلسطينيين من فلاحة أرضهم وتطويرها: الحواجز، والمحظورات البيروقراطية، والأسوار، والرعاة اليهود الإسرائيليون.
وجود الشعب الفلسطيني نفسه بين البحر والنهر بات الآن في خطر
أما داخل إسرائيل نفسها، فإن «تهويد الجليل والنقب» كان وما زال تعبيرًا مشفّرًا عن سرقة الأرض والموارد من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وقد ظل التمييز ضدهم في المخصصات والدعم والعمل، إلى جانب منع البناء والهدم، حاضرًا بقوة في السياسة الرسمية داخل الخط الأخضر.
دعوني أكرر: إن وجود الشعب الفلسطيني نفسه بين البحر والنهر بات الآن في خطر. هناك قوى فاعلة كثيرة تخلق هذا الخطر: القوة العسكرية الإسرائيلية وقدراتها؛ وعبادة الخدمة العسكرية في كل الظروف وتحت كل حكومة؛ والطاعة بوصفها قيمة؛ والسلاح والهجمات العسكرية بوصفهما أسلوب العمل الافتراضي؛ وتطبيع اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود، وتطبيع انتحار الجنود؛ وجاذبية المسار العسكري والأبواب التي يفتحها؛ وإغراء الحصول على فيلا بسعر محتمل في تجمع إقصائي في الجليل أو في ضاحية استيطانية في السامرة؛ وأكاذيب الدعاية الرسمية وغير الرسمية؛ واللامبالاة إزاء الجحيم على الأرض الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة؛ وإنكار ستين عامًا من الاحتلال والحكم القسري؛ والاستجابة الشرطية: «لكن السابع من أكتوبر»؛ والتآزر بين الجيش والحكومة والحاخامات والميليشيات ذات القلنسوات الدينية في الضفة الغربية؛ والهدوء إزاء تدمير لبنان؛ والتجاهل لاحتلال أجزاء أخرى من سوريا؛ وتطبيع خطاب الطرد؛ وأنظمة العدالة والتعليم الملوثة بالعنصرية العلمانية والدينية؛ وجيش السجانين الذين يسيئون إلى آلاف الأسرى الفلسطينيين، سواء بأوامر أو باختيارهم الشخصي.
إن هذه القوى وما يشبهها تخلق معًا البنية المادية والأيديولوجية والنفسية داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي لطرد جماعي آخر للفلسطينيين، ولما قد يرافقه: قتل جماعي.
إن أبطال ميليشيات المستوطنين يعلنون صراحة أن الطرد هو هدفهم. وهم يدركون بوضوح استعداد قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي الإسرائيلي للمشاركة في تنفيذه، فعلًا أو صمتًا، مباشرة أو غير مباشرة. فمن خلال استفزازاتهم وجرائمهم اليومية، التي تُرتكب في وضح النهار ولا يمكن أن تتم إلا بدعم مؤسساتي، يسعى الفالانجيون باستمرار إلى استفزاز فعل غضب وانتقام فلسطيني «ناجح»، لكي يُستغل كعود الثقاب الذي يشعل حربًا مقدسة جديدة.
إن الفالانجيين اليهود والمنظمات اليمينية التي تغذيهم يراهنون على تعبئة واسعة، تشمل قادة وناخبي ومؤيدي حزب «ياشار» وحزب الديمقراطيين الليبراليين، من أجل حرب يمكن أن يُعطى لها الشعار منذ الآن: «شعب واحد، جيش واحد، أرض واحدة مطهرة من العرب».
—————————
عميرة هاس: صحافية إسرائيلية يهودية وكاتبة عمود في صحيفة هآرتس، وُلدت في القدس عام 1956. تُعرف خصوصًا بتغطيتها الطويلة لحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية. عاشت هاس في غزة في التسعينيات، وتقيم منذ سنوات طويلة في رام الله. وهي من أبرز الأصوات الإسرائيلية الناقدة للاحتلال والاستيطان والحكم العسكري والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وتكتسب كتاباتها وزنًا خاصًا لأنها تنتقد المجتمع الإسرائيلي وسياسات الدولة من الداخل.
المصدر: بقلم عميرة هاس/ هآرتس
2026-09-03 || 14:37