تصدر قريباً عن دار هاشيت أنطوان في بيروت، النسخة العربية من كتاب "قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، مذكرات النائب السابق وليد جنبلاط، ترجمة أدونيس سالم، التي كانت قد صدرت بالفرنسية عن دار "ستوك". وتنشر "المدن" مقاطع منها في أربع حلقات، بدءاً من اليوم الثلاثاء 14 تموز.
"تحدّثتُ قبل قليلٍ عن التوازن. المطمئِن في التوازن هو أنّه لا يتحرّك. أمّا حقيقته، فهي أنّ نفخةً واحدة تكفي لخلخلته...".
جوليان غراك، Une conversation
"أن نكون لبنانيّين، يعني أوّلًا أن نفهم مَن نحن، وما هو لبنان".
كمال جنبلاط
مقدّمةفي 7 آب/ أغسطس 2025، دخلت إلى عامي السابع والسبعين. التطوّرات في المنطقة تفرض عليّ الخروج عن التحفّظ الذي ألزمت نفسي به منذ انسحابي من الحياة السياسيّة في عام 2023. أنا الآن في منزل العائلة ببلدة المختارة في قلب الشوف، تلك المنطقة الجبليّة الخلّابة من لبنان. أخبار «راديو مونت كارلو» تتحدّث باقتضابٍ عن حصيلة الليل الفائت، والمجاعة في غزّة، وأعداد القتلى والجرحى المتزايدة يوميًّا. بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، وفي أثناء لقائي أحمد الشرع، حاكم دمشق الجديد، عبّرت عن شيءٍ من الأمل بالحفاظ على وحدة سوريّا بكلّ مكوّناتها الإثنيّة والدينيّة. قصدتُ العاصمة السوريّة آنذاك على رأس وفدٍ من الحزب التقدّمي الاشتراكيّ، يرافقني شيخ عقل الموحّدين الدروز في لبنان، سماحة الشيخ سامي أبو المنى. بالنسبة إليّ، من الضروري أن تحافظ سوريا على وحدتها وهي تنهض من جديد، وأن تستعيد مذاق الحرّيات بعد سنوات القمع الطويلة. لا خيار لنا غير هذا، إذا أردنا أن تحقّق منطقتنا شيئًا من الاستقرار. هدف اللقاء كان تفادي انجرار بعض دروز سوريّا للتحالف مع إسرائيل. وقد أشدتُ في خلاله بنهاية نظام آل الأسد الاستبداديّ، الذي دام أربعةً وخمسين عامًا، ما يعني بداية حقبةٍ جديدة للشعب السوريّ الذي له الحقّ في الحريّة بعد "هذا الليل الطويل في السجن العربيّ" الذي ندّد به كمال جنبلاط في الماضي. لم تغب عن بالي أيضًا ضرورة تحقيق العدالة، ومعرفة مصير مئات آلاف المفقودين منذ عام 2011 في سجون النظام السوري الوحشيّة. فمن دون تحقيق هذه العدالة، لا مستقبل مشتركًا للسوريّين. وقد اقترحتُ على السلطات الجديدة المحافظة على سجن صيدنايا، كما فعل الأوروبيّون مع معتقل أوشفيتز، لكي لا ينسى أحدٌ هول الجرائم التي ارتُكبت فيه.

لكنّ الشكوك تساورني حاليًّا إزاء تحقيق هذه الآمال، بسبب التدخّلات العسكريّة الإسرائيليّة التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط وفق مخطّطاتها. لن يكون هناك سلامٌ إسرائيليّ، لا نخدعنّ أنفسنا. فالاستقرار ليس هدف الدولة العبريّة، التي لا تستطيع البقاء إلّا إذا كانت الدول المجاورة لها ضعيفة ومقسّمة. ومواصلة الضغط العسكريّ قد تسمح لإسرائيل بتحقيق مشروعها المزدوج، أي طرد الفلسطينيّين من غزّة والاستيلاء على ما بقي من الضفّة الغربيّة، أرض الميعاد التي يزعمونها. في هذا السياق، هل سنتمكّن من حماية لبنان الكبير الذي أسّسه الفرنسيّون من مشاريع التفكيك والفوضى؟ بالنسبة إليّ، هذا هو التحدّي الرئيسيّ في السنوات المقبلة. يجب أن يبقى لبنان موحّدًا ويقف في وجه شيطان تقسيم وطننا بين الطوائف المختلفة.

إنّ نجاحي في تسليم مسؤوليّاتي إلى ابني تيمور في كنف السلم، بعدما كنت قد ورثتها مضرّجةً بدماء أبي، لن يخفّف عنه عبئها في مواجهة ما ينتظره من مصاعب مستقبلًا. كان الله في عونه. آمل أن تسمح له الظروف بمواصلة السير في طريق العيش المشترك بين مسيحيّي لبنان ومسلميه، والاحترام المتبادل، والتنوّع، وأن تبقى المختارة رافعةً شعار «فلسطين حرّة»، حتّى إن كانت هذه القضيّة المحقّة خاسرةً في الوقت الراهن.
إنّ الاستقرار في لبنان مشروطٌ بحوارٍ وطنيّ يجب أن نجريه مع الشيعة، وبعدم الاستخفاف بمشاعر الإحباط التي يعيشونها. وحين نتحدّث عن نزع سلاح حزب الله في إطار تطبيق القرارات الدوليّة، يجب ألّا ننسى الشروط الإسرائيليّة القاسية، كاحتلال الجنوب، والإبقاء على عشرات القرى مدمّرةً تمامًا، وتهجير شعب بكامله. من أجل تحقيق الاستقرار، لا بدّ من وجود حدٍّ أدنى من السيادة، غير أنّ قسمًا من اللبنانيّين يتناسى ذلك. فالمهمّ بالنسبة إليهم هو السلام الأميركيّ والإسرائيليّ. لكنّ ما نشهده ليس سلامًا. إنّه زمن الإملاءات الأجنبيّة.
لنعد قليلًا إلى الوراء كي نفهم على نحوٍ أفضل تسلسل الأحداث الأخيرة.
إنّه عام 2023، والأسد ما زال في السلطة. شهدت مدينة السويداء الواقعة جنوبي شرقي دمشق، التي تُعدّ بمثابة العاصمة الصغيرة لدروز سوريّا، انتفاضةً سلميّة. ففي تلك المنطقة المشهورة بروح التمرّد والنزعة الاستقلاليّة، راح بعض الشبّان ينزعون من الساحات العامّة الصور العملاقة لبشّار الأسد، ويحطّمون التماثيل النصفيّة الكثيرة لأبيه، حافظ الأسد. أذكّر بأنّ ذلك حدث قبل عام من الهجوم الذي شنّته في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، قوّات هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع، من منطقة حلب، قبل أن تدخل دمشق في 8 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. كانت تظاهرات السويداء تلك التي سار فيها شبّانٌ متحمّسون، إشارةً إلى حدوث تغييرٍ قريب، ولو أنّ سقوطًا سريعًا للنظام الدكتاتوريّ لم يكن ليخطر في البال حينذاك. كنت سعيدًا برؤية جبل الدروز الذي يعاني منذ عقودٍ قمع النظام البعثيّ، ينهض أخيرًا بكلّ كبرياء. ورأيت المتظاهرين يرفعون صورة والدي، كمال جنبلاط، فتأثّرتُ بذلك، وتذكّرت أنّ الكبار لا يموتون.

في لبنان، وبتاريخ 3 تشرين الأول أكتوبر 2023؛ أي بعد أسابيع قليلة على بداية انتفاضة السويداء، دعوت إلى اجتماعٍ طارئ للمجلس المذهبيّ الدرزيّ الذي يرأسه شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز في لبنان، سماحة الشيخ سامي أبو المنى، دعمًا لانتفاضة إخوتنا في سوريّا. تلاقيتُ وسماحته على اتّخاذ موقفٍ مؤيّد لتلك الانتفاضة الشعبيّة، والحذر في الوقت عينه من مغبّة التورّط أكثر من اللازم في بلدٍ ليس بلدنا. في السويداء، اختار النظام سياسة الترقّب، متردّدًا في استخدام القوّة تجنّبًا لاستعداء الطائفة الدرزيّة بكاملها، لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى خروج الأمور عن السيطرة في منطقةٍ بالغة الأهمّية. كذلك أصررتُ والشيخ أبو المنى على الدعوة إلى أن تستمرّ هذه الثورة باسم الشعب السوريّ كلّه، وتطالب بانتقال السلطة السياسيّة في البلاد تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2254، الصادر في 18 كانون الأوّل/ ديسمبر 2015، والداعي إلى «حلّ سياسيّ للصراع الدائر في سوريّا». طبعًا، لم يرضَ نظام الأسد بتلك المقاربة، معتبرًا كعادته أنّ انتفاضة الشعب السوريّ ليست إلّا مؤامرةً غربيّة، وأنّ الثوّار ليسوا سوى إرهابيّين. شكّل موقفنا خطوةً سياسيّة مهمّة تضامنًا مع الشعب السوريّ. سقط النظام البعثيّ في 8 كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، أي قبل عيد الميلاد بأسابيع قليلة، وهرب الأسد إلى موسكو هروب الجبناء. كنتُ أوّل سياسيٍّ في العالم يزور دمشق للقاء السلطات الجديدة. ولاحقًا، توالت الاعترافات بأحمد الشرع من جانب المجتمع الدوليّ. غير أنّ الحسابات السياسيّة كانت مختلفةً بالنسبة إلى بعض دروز السويداء، الذين راهنوا على تدخّل الإسرائيليّين لدعم إقامة حكمٍ ذاتيّ في جبل الدروز، يكون مستقلًّا عن دمشق. أمّا أنا فاعتبرتُ أنّ ذلك الرهان يشكّل بدايةً لتقسيم البلاد، وأنّ الحلّ الوحيد لا يكون إلّا في إطار وحدة سوريّا.

في تمّوز/ يوليو 2025 وقعت أحداثٌ دامية في السويداء، وارتكبت شرطة النظام الجديد مجزرةً بحقّ الدروز، ما أدّى إلى أعمال ثأرٍ شديدة العنف استهدفت البدو السنّة، بعد قرونٍ من العيش المشترك في حوران، وإلى طردهم من مناطق عيشهم. وبلغ الحقد أشدّه بين الدروز والحكم المركزيّ في دمشق. بلغت محصّلة ذلك الشهر الدامي أكثر من ألف وخمسمئة قتيل، وأسرى من كلا الفريقين. على أثر ذلك اختفى حضور الدولة السوريّة في المنطقة تمامًا ونشأت نواة سلطةٍ محليّة. رفضت هذه السلطة التي أنشأها الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز رجال الدين الدروز في السويداء، إقامة أيّ علاقةٍ مع الحكم الجديد في دمشق، وطالبت بحمايةٍ دوليّة. لكنّها تظلّ عاجزةً عن البقاء والاستمرار بدون تدخّلٍ عسكريّ ودعمٍ من جانب إسرائيل، القريبة منها جغرافيًّا. في 16 تمّوز/ يوليو 2025، ردّ الإسرائيليّون بغارةٍ جويّة على المبنى التاريخيّ لوزارة الدفاع السوريّة في قلب العاصمة دمشق. ذلك العمل الهمجيّ كان يرمز إلى القضاء على سوريّا القديمة، وتاريخها العريق، من خلال تدمير هذا المبنى الذي عرفتُه جيّدًا خلال الحرب الأهليّة في لبنان. فوزارة الدفاع تمثّل جزءًا من تاريخ سوريا الحافل بالأحداث، وبالكثير من الانقلابات، وصولًا إلى مرحلة النظام الدكتاتوريّ المستبدّ لعائلة الأسد. كذلك هذه الغارة تندرج تحت عنوان القضاء على ذاكرتنا الجماعيّة.
فيما بدت سوريا تتّجه نحو المجهول، ندّدتُ بأعمال العنف التي ارتكبها في السويداء كلا الطرفين، ما أطلق ضدّي سيلًا من الانتقادات اللاذعة والإهانات، من جانب قسمٍ من الطائفة الدرزيّة. كذلك دعوتُ إلى تشكيل لجنة تحقيقٍ سوريّة ودوليّة مشتركة لمحاكمة كلّ المسؤولين عن الأحداث بدون استثناء، غير أنّ المتظاهرين في السويداء رفعوا أعلامًا إسرائيليّة وأخرى درزيّة، ونعتوني بالخائن. إنّي أؤكّد من جديد وقوفي دائمًا إلى جانب سوريّا الموحّدة، احترامًا لذكرى الثورة الوطنيّة الكبرى التي قادها في عام 1925 سلطان باشا الأطرش، وخاضها الدروز إلى جانب كلّ الوطنيّين السوريّين ضدّ الاحتلال الفرنسيّ في زمن الانتداب.
النقطة الثانية التي أرغمتني على الخروج عن تحفّظي هي عودة القضيّة الفلسطينيّة إلى الواجهة مع الهجوم الذي شنّته حركة حماس في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023. كنت دائمًا من داعمي مقاومة الشعب الفلسطينيّ. ومن جهته، لم يرفض أبي حلّ الدولتين قطّ. على العكس من ذلك، لقد صدّق ذلك الوهم. لكنّ الزعماء الإسرائيليّين، ومن بينهم شيمون بيريز الذي يعتبره الغربيّون بطل السلام، نسفوا فكرة الدولتين. حتّى إنّ بيريز نفسه هو مَن أطلق حركة الاستيطان في الضفّة الغربيّة بعد هزيمة الجيوش العربيّة في عام 1967، على أثر حرب الأيّام الستّة. لا وجود للأمّة الفلسطينيّة في الأيديولوجيا الصهيونيّة، من تيودور هرتزل وحاييم وايزمان، إلى بنيامين نتنياهو، مرورًا بدافيد بن غوريون وآخرين كُثر. جميعهم يتّفقون على خطابٍ واحد: «هل تريدون فلسطين؟ ابحثوا عنها في مكانٍ آخر». على المقلب الآخر، لم يشهد العالم العربيّ تظاهرةً واحدة نصرةً لفلسطين بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر. وهنا تعود بي الذاكرة إلى مجازر مخيّمَي صبرا وشاتيلا الفلسطينيَّين، بالقرب من بيروت في 1982، حيث التظاهرة الوحيدة التي انطلقت للتنديد بتلك الجرائم... سارت في إسرائيل، فيما بقي العالم العربيّ يغطّ في سباته. إنّ القوّة الاستعماريّة الوحيدة في الشرق الأوسط هي حاليًّا إسرائيل، التي تملي ما تشاء، وتفعل ما تشاء، كما هي الحال في غزّة... غزّة التي اختفت من الوجود تقريبًا.
في السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، دخل الشرق الأوسط مرحلةً جديدة، إذ سقطت كلّ محاولات التطبيع مع إسرائيل، المفروضة من جانب الغرب في إطار اتفاقيات أبراهام. تقول بعض الدول العربيّة إنّها مع سلام أبراهام على أساس «الأرض مقابل السلام»، ولكن لم يبقَ أرض! ففلسطين التاريخيّة لم تعد موجودة، والاستيطان الإسرائيليّ قطّع أوصال الأراضي الفلسطينيّة، وحوّلها إلى بقعٍ مبعثرة لا اتّصال بينها. من العبثيّ الحديث عن دولةٍ فلسطينيّة في سياق كهذا. في الأسابيع التي تلت 7 تشرين الأوّل/أكتوبر، أدنتُ بشدّةٍ الردّ غير المتناسب الذي قامت به الدولة العبريّة ضدّ سكّان غزّة، وإنزالها قصاصًا جماعيًّا بهم، وهو ما تحظره المعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة. لكنّنا الآن، بعد سنتين من الحرب، بتنا نعرف أنّ هدف إسرائيل النهائيّ هو ترحيل الفلسطينيّين إلى خارج غزّة، كما إلى خارج الضفّة الغربيّة. ولكن إلى أين؟ سيجري توزيعهم على مصر، وبلدانٍ أخرى في أفريقيا، وربّما على العراق، وسوريّا، والأردن حيث السلالة الهاشميّة، وحيث تكفي شرارة حادثةٍ واحدة لإشعال النيران بين الفلسطينيّين والسكّان المحلّيين، ومعظمهم من أصولٍ بدويّة، وهو ما سيؤدّي إلى نشر الفوضى في المنطقة كلّها.
بالتوازي مع دعمي لحقّ الشعب الفلسطينيّ في المقاومة، لطالما شجبتُ أيّ «حربٍ مقدّسة» ضدّ اليهود، وأيّ دعوةٍ إلى إزالة دولة إسرائيل، مشدّدًا على أنّنا كعرب وكمسلمين، نشكّل مجتمعًا متعدّد الثقافات، يضمّ، إلى جانب الثقافة الإسلاميّة، تلك اليهوديّة والمسيحيّة وغيرهما. في واقع الأمر، كلّنا أبناء النبيّ إبراهيم، الأب المشترك للديانات التوحيديّة. وأذكّر في هذا السياق بأنّ والدي، كمال جنبلاط، وافق منذ البداية على مبدأ الدولتين، وعلى الاعتراف بدولة إسرائيل بشرط إقامة دولةٍ فلسطينيّة قابلة للحياة، عاصمتها القدس، ومعترَفٍ بها دوليًّا.
بعد عام 1967، كان من الممكن نظريًّا إقامة هاتين الدولتين، حتّى إنّ هذا المشروع كان قابلًا لأن يتحقّق فعلًا مع إسحق رابين. لكنّ اغتيال هذا الأخير على يد أحد المتطرّفين اليهود في عام 1995 تسبّب بانهيار كلّ عمليّة السلام التي كانت قد بدأت في أوسلو في عام 1993. ومنذ ذلك الحين بات كلّ حديثٍ عن السلام يفتقر إلى مشروعٍ جدّي. كما اشتدّت، بوتيرةٍ مطّردة، راديكاليّة المجتمع الإسرائيليّ بقيادة زعماء متطرّفين، ما أدّى إلى تصاعد العنف. هؤلاء الزعماء لا يعترفون بحقّ الفلسطينيّين في الأرض، ولم يعد النقاش معهم ممكنًا. ومن جهة ثانية، فإنّ مشاريع الاستيطان التي شرعت بها بعد هزيمة العرب في عام 1967، حكومة حزب العمل برئاسة غولدا مائير، التي لم يضع شيمون بيريز حدًّا لها على الإطلاق، تسارعت وتيرتها مع وصول أحزاب اليمين الإسرائيليّ المتطرّف إلى الحكم. ولا أعتقد أنّ إزاحة بنيامين نتنياهو من السلطة قريبًا ستعني نهاية الاستيطان، لا بل إنّ العكس هو ما سيحدث.

بين أيلول/ سبتمبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024، طال القصف الإسرائيليّ كلّ الأراضي اللبنانيّة، مستهدفًا مواقع حزب الله وأهدافًا مدنيّة في سهل البقاع ومنطقة بعلبك غير البعيدة عن الحدود السوريّة، وصولًا إلى بيروت، وجنوب لبنان، حيث دُمّرت قرًى بكاملها. كانت أصوات الانفجارات المرعبة التي نسمعها برغم المسافة البعيدة، تجمّد الدماء في عروقنا. لم تتوقّف الغارات ليلًا ولا نهارًا. وكنّا نتظاهر بأنّنا غير خائفين ونحاول عيش حياةٍ طبيعيّة. تمكّنتُ، في أحد أيّام تشرين الثاني/ نوفمبر، من جمع غالبيّة ممثّلي الدروز الروحيّين والسياسيّين في لبنان، في لقاءٍ عُقد في خلوة القطالب التاريخيّة الواقعة على تلّةٍ مكسوّة بأشجار القطلب، تشرف على المختارة. توجّهتُ إلى الحضور بالقول إنّ الحرب قد تطول، وأكّدتُ على أهمّية وحدة الطائفة، وشكرتُ للموجودين استضافتهم نازحي الجنوب الشيعة في قرانا، ومدارسنا، وفي مراكز الإيواء الأخرى. أكّدتُ أيضًا على أهمّية التضامن الوطنيّ، والتنسيق مع أجهزة الدولة المختلفة كالجيش، ومخافر الدرك، والبلديّات، للحفاظ على النظام والأمن. كان القيّمون في مناطقنا قد وضعوا تدابير لحماية الأمن، وأنشؤوا لجان إغاثة في كلّ القرى لمساعدة النازحين. واهتمّت ابنتي داليا، بالتعاون مع فريق من الحزب التقدّمي الاشتراكيّ، ومؤسّسة الفرح الاجتماعيّة، بتوفير المأوى لعشرات آلاف الأشخاص، وذلك على وجه السرعة. بدا كأنّ شتاءً طويلًا وقاسيًا ينتظرنا، لن يمرّ الوقت فيه إلّا على إيقاع طيران المقاتلات الحربيّة والمسيّرات الإسرائيليّة على علوٍّ منخفض فوق رؤوسنا، حاصدةً الموت والدمار في كلّ مكان. في خلال تلك الفترة، اتّصلتُ مرّاتٍ عدّةً بمسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، وفيق صفا، الذي تربطنا به معرفة، لينقل إلى السيّد حسن نصرالله، الأمين العامّ لحزب الله، مطلبنا عدم الانجرار إلى حربٍ جديدة، وذلك من أجل حماية الشعب اللبنانيّ من كارثة، مناشدين إيّاه «حاوِل أن تتجنّب الحرب!».
لا بدّ من الإشارة في هذا السياق أيضًا إلى أنّ صمت الشعوب العربيّة قادني إلى اليأس، فقد غاب من حولنا كلّ تفاعلٍ شعبيّ مع ما يحدث في غزّة، بينما اكتفت الأنظمة العربيّة باستنكارٍ خجول لجرائم الحرب الإسرائيليّة. برأيي، إنّ العنف الذي نشهده اليوم ليس إلّا نتيجة الحكم الدكتاتوريّ لشعوبنا، وخوف هذه الشعوب، وإيثار المصلحة الشخصيّة، واللامبالاة التي لا يمكن فهمها.
طوال خمسين عامًا من حياتي السياسيّة، التي بدأت في عام 1977، لم أعرف سوى الصراعات. أشعر بأنّني أعيش حربًا لا نهاية لها.(...)
المصدر: المدن