في خطوة غير مسبوقة، أطلقت إسرائيل مشروع الطابو الجديد في الضفة الغربية، الذي يضع الأساس "القانوني" لمصادرة مليون دونم في المناطق المصنفة "ج"، محوِّلة الأراضي الفلسطينية إلى أداة قانونية لتوسيع الاستيطان وتقويض حق الفلسطينيين في ممتلكاتهم. القرار، الذي يشمل مصادرة الأراضي غير المسجلة وتسجيلها كأملاك دولة، يستهدف مناطق "ج" بشكل مباشر، حيث يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين تحت خطر الإخلاء، بينما يمنح المستوطنين اعترافاً قانونياً كاملاً بأراضيهم. هذه النكبة الصامتة تُعيد رسم خريطة الضفة الغربية وتكرّس نظاماً يفرض السيطرة الإسرائيلية على الأرض والسكان.
تم تخصيص 225 مليون شيكل لإنشاء وحدة الطابو الإسرائيلي في الضفة الغربية، في خطوة تعتبر من الإجراءات الدراماتيكية التي نفذها وزير المالية والوزير المسؤول عن الإدارة المدنية في وزارة الأمن الإسرائيلية، بتسيلئيل سموتريتش، خارج الخط الأخضر. ويُتوقع أن يؤثر هذا القرار بشكل مباشر على عشرات آلاف الفلسطينيين سلباً بحرمانهم من أراضيهم وحقولهم ومراعيهم ومصادرهم المائية، وتشجيع نحو نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية، بالإضافة إلى تأثيراته على إسرائيل نفسها. حتى الآن، كانت عملية تسجيل المنازل والأراضي المشتراة أو المبنية في الضفة الغربية تتم عبر الإدارة المدنية (الطابو الأردني)، وليس عبر الطابو الإسرائيلي.
بعد الانتهاء من أعمال المسح والتخطيط العقاري، ستُنقل جميع قوائم الأراضي إلى طابو خاص بالضفة الغربية، وستتولى الوحدة الجديدة إدارة حوالي 41 وظيفة، مع هدف معلن لتخصيص نحو 60 ألف دونم للمستوطنين بحلول عام 2030.
قرار الكابينيت: إلغاء الطابو الفلسطيني في مناطق "ج"قبل عدة شهور، دخل حيز التنفيذ قرار صادق عليه المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) مطلع شهر أيار/ مايو الماضي، يقضي بإلغاء الطابو الفلسطيني واستئناف تسجيل الأراضي الواقعة في المناطق المصنفة "ج" ضمن سجلات الطابو الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ عام 1967. وقد أُقرّ القرار بإجماع الحكومة، ودفعه وزير الأمن يسرائيل كاتس ووزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسيلئيل سموتريتش، ويهدف إلى تثبيت الاستيطان، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية، وتقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
مناطق "ج": 60% من الضفة تحت السيطرة الإسرائيليةتشكل مناطق "ج" نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، أي حوالي 3,400 كيلومتر مربع (3.4 مليون دونم)، وهي خاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية المدنية والعسكرية وفق اتفاقيات أوسلو. نحو 70% من هذه الأراضي مصنفة كأراضي "أميرية" وفق التصنيف العثماني، أي لا تحمل سندات طابو رسمية، ما يجعلها عرضة للمصادرة مباشرة.
وفق إحصائيات عام 2001، تشكل الأراضي الأميرية 69% من مجمل مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة، ويُقدّر أن نحو 1.3 مليون دونم مصنفة كأراضٍ دولة أو أملاك غائبين تحت إدارة سلطات الاحتلال، رغم وجود حقوق قانونية للفلسطينيين، لكنها غير مسجلة رسمياً في الطابو الإسرائيلي أو السجل العقاري الرسمي.
خريطة السيطرة والتصنيف- مناطق "أ": 18%، تحت السيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية.
- مناطق "ب": 22%، تحت سيطرة مدنية فلسطينية وأمنية مشتركة.
- مناطق "ج": 60%، تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.
رغم أن الفلسطينيين يشكلون أكثر من 90% من سكان الضفة الغربية، فإنهم يمتلكون فقط 2% من الأراضي المسجلة رسمياً في الطابو أو السجل العقاري الرسمي، بينما يستولي المستوطنون على نحو 37% من الأراضي الأميرية.
حالياً، يجري تنفيذ عملية مسح وتسجيل الأراضي تمهيداً لخطة بموجبها سيتم مصادرة الأراضي غير المسجلة تلقائياً، وتُسجل كأملاك دولة إسرائيلية ضمن السجل العقاري الرسمي. عملياً، يعني ذلك خضوع الفلسطينيين لإجراءات التسجيل لدى الإدارة المدنية الإسرائيلية، أو فقدان حقوقهم القانونية في الأرض. كما يشمل القرار إجراءات لمنع أي تسجيل فلسطيني موازٍ، من خلال منع دخول المسّاحين الفلسطينيين ووقف أي دعم مالي خارجي لمشاريع التسجيل.
وزارة القضاء الإسرائيلية: "الطابو" الفلسطيني بمناطق ج لا قيمة لهإحصائيات الخطر والمصادرة- نحو 70% من أراضي مناطق "ج" (حوالي 2,380 كم²) مصنفة كأراضٍ أميرية ومعرضة للمصادرة دون حماية قانونية.
- فقط 0.7% من هذه الأراضي خُصصت للفلسطينيين مقابل 37% للمستوطنين.
- من بين 1.3 مليون دونم من الأراضي الأميرية، خُصص حوالي 400 ألف دونم للمستوطنات والبنية التحتية الإسرائيلية.
- أكثر من 90% من الأراضي في مناطق "ج" غير مسجلة رسميًا وغير محمية قانونيًا.
- القرار يهدد نحو 80 ألف فلسطيني بالإخلاء القسري.
- مناطق التماس حتى عمق 500 متر تخضع لتشديدات إضافية تؤثر على 10% إضافية من الضفة الغربية.
يمثل القرار نقلة نوعية في السيطرة على الضفة الغربية، إذ يحوّل الطابو والسجل العقاري الرسمي إلى أداة قانونية لتقنين المصادرة وتوسيع الاستيطان. بدلًا من حماية الملكية، أصبح التسجيل وسيلة لانتزاع الأراضي من الفلسطينيين، ومنعهم من التخطيط أو التنمية في مناطق "ج"، وإجبارهم على الخضوع للإدارة الإسرائيلية أو خسارة أراضيهم. كما يجمّد القرار أي دور للسلطة الفلسطينية في إدارة الأراضي ويوقف التنمية العمرانية، مما يؤدي عملياً إلى تفريغ المناطق من سكانها، ويكرّس نظام "أبارتهايد عقاري"، حيث يُعامل الفلسطيني كمعتدٍ على ملكية الدولة بينما يُمنح المستوطن اعترافاً قانونياً مدعوماً بالخرائط وسندات التسجيل في السجل العقاري الرسمي.
وفيما يتعلق بملكية الأراضي وتسجيلها في الضفة الغربية تجب الإشارة إلى أن ملكية الأراضي وتسجيلها كانت تعتبر إسرائيليًا إلى قبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية موضوعاً إدارياً ودستورياً معقداً له أبعاد سياسية واستراتيجية كبيرة، ويختلف عن الأراضي داخل الخط الأخضر بسبب غياب سجل عقاري رسمي حديث وموثوق، واختيار إسرائيل بعدم تطبيق قوانين الأراضي الإسرائيلية والاكتفاء بالقوانين العثمانية والبريطانية والأردنية السابقة لعام 1967.
التاريخ القانوني للأراضي- العهد العثماني (1858-1860): صدرت قوانين لتقسيم الأراضي إلى "مولك" (ملكية خاصة كاملة)، "ميري" (ملكية الدولة مع حق الاستخدام الزراعي)، "متروكة" (أراضٍ عامة)، و"مواّت" (أراضٍ بور ملكية الدولة). اعتمد التسجيل على أوصاف لفظية، ولم تُسجَّل سوى 5% من الأراضي الخاصة رسمياً.
- الانتداب البريطاني: أصدرت بريطانيا قانون الأراضي 1928، ونقلت صلاحيات التسجيل إلى دائرة الأراضي البريطانية مع إنشاء سجل عقاري رسمي لتحديد ملكية الأراضي بدقة، لكنه شمل أساساً الأراضي الزراعية وسهل الساحل، وبقيت معظم أراضي الضفة الغربية غير منظمة.
- الفترة الأردنية (بعد 1948): ركزت الأردن على تنظيم الأراضي (حوالي 30%) ومنح حق الملكية لمن يثبت زراعة الأرض لمدة 10 سنوات، مع حظر بيع الأراضي لليهود.
- الفترة الإسرائيلية بعد 1967: بقيت الضفة تحت القيادة العسكرية، مع استمرار القوانين العثمانية والبريطانية والأردنية، وتوقفت عمليات التنظيم الأردنية، تاركة ثلثي الأراضي غير منظمة. تم نقل أراضي الدولة الأردنية (~530,000 دونم) إلى الإدارة العسكرية الإسرائيلية، وأعلنت إسرائيل نحو 160,000 دونم أخرى كأراضٍ دولة (~13% من المساحة).
الوضع الحالي لمساحة الأراضي في الضفة الغربية (5.5 مليون دونم) بحسب السجل العقاري في الإدارة المدنية:- 129,000 دونم ملكية استيطانية خاصة يهودية مرخصة.
- 1.9 مليون دونم أراضٍ دولة.
- 1.9 مليون دونم أراضٍ غير مسجلة في السجل العقاري في الإدارة المدنية أو ملكية فلسطينية خاصة.
- 1.6 مليون دونم محميات طبيعية أو أراضٍ بور.
وفق طلب قانون حرية المعلومات، استخدمت إسرائيل 99.76% من أراضي الدولة للمستوطنات مقابل 0.24% للفلسطينيين. السجل العقاري الحالي الذي تسيطر عليه الإدارة المدنية التابعة لوزارة الجيش، يُدار باللغة العربية كتابياً وغير محوسب، ومغلق للاطلاع العام بذريعة "حماية العرب البائعين لليهود ومنع التزوير". يسمح بالاطلاع فقط لمن لهم صلة بالأرض، ويضم نحو 30% من الأراضي، بالإضافة إلى سجلات ضريبة الأملاك الأردنية العامة، كلها مرتبطة بالسجل العقاري الرسمي. وهو الجهة القانونية المسؤولة عن تسجيل الأراضي غير المسجلة، وفق القانون الأردني لتسجيل الممتلكات غير المسجلة رقم 6 لسنة 1964 وتعديلاته بمراسيم الأمن الإسرائيلي (2008)، لتصبح هذه الأراضي جزءًا من السجل العقاري الرسمي.
المصدر: الترا فلسطين