في وداع الشاعر الياس لحود: جَدٌّ سكنته طفولة دائمة
نقابة محرري الصحافة اللبنانية تنعى الشاعر اللبناني إلياس لحود، بعد مسيرة شعرية طويلة امتدّت لعقود، جعلته واحداً من أهم الشعراء اللبنانيين.
أصدرت نقابة محرري الصحافة اللبنانية البيان التالي: تنعى نقابة محرري الصحافة اللبنانية عضو النقابة الشاعر، الأديب، الناقد، الكاتب إلياس لحود، المولود العام 1942 في بلدة مرجعيون الجنوبية.
أسّس الفقيد العديد من المجلات الفكرية والأدبية، وساهم في نهضة الصفحات الثقافية في كبريات الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، وكانت له فيها بصمات متألقة، دلّت على عمق تجربته وعلوّ همّته في هذا الحقل. وكان متضلّعًا في الآداب العالمية، فترجم العديد من الروائع الأدبية والإنسانية، وقدّم إضافات نوعية للمكتبة العربية. وإلياس لحود، ابن مرجعيون، كان من الوجوه البارزة في الصحافة الأدبية، وأغنى صفحات "الآداب"، "المعرفة"، "الموقف الأدبي"، "الأقلام"، و"السفير"، و"النهار"، و"الكفاح العربي"، و"الشرق الأوسط"، و"الرأي"، و"القبس"، و"السياسة"، بنتاجه الغزير، وكان رائدًا في مجاله.
ديزيره سقال:
رحيل الذي لا يرحل
ما كان الياس لحود في حياتي إلا إشراقاً ملأها بالشعر، وفتح أمامي الدربَ إليه، وفجّر قريحتي وموهبتي، لأنّه اكتشفَ الشاعرَ الذي فيّ، مِنَ النظرة الأولى.
التقيته أوّل مرّة على مقاعد المدرسة، في الصفّ الخامس، أستاذاً يعلّمنا اللغة العربيّة، ولم نكن، آنذاك، نعرف ما الشعر الحديث، وما الحداثة. اكتشفتُهما معه. علّمنا أوّل ما علّمنا "أنشودة المطر" للسياب، فأذهلنا، وترك فيّ أسئلة كثيرة، بعضها أُجيب عنه، وبعضها لا يزال بحاجة إلى إجابة.
لكنّ هذا أثّر عميقاً في مسيرتي الشعريّة التي عرفَتْ، مع هذا الرجل، منعَطَفاً مصيريّاً، أوصلني، مِنْ بَعْدُ، إلى أدونيس، وخليل حاوي، وعبد الوهاب البياتي، وأنسي الحاج، وفؤاد رفقه، وسواهم ممّن غيّروا الشعر العربي في العمق.
كان مشعلَ الشعر بالنسبة إليّ، يقرأ لي دائماً جديدَه، وأقرأ له، قليلاً، جديدي. وكنتُ أسمع بشغف ما يقول وأتمتّع به، وأعرف أنّني تركتُ فيه أثراً لأنّني لمستُه في شعره، ولا سيّما في "سيناريو الأرجوان".
كان طفلاً تقدّم في العمر، ولم يتغيّر فيه سوى مظهره الخارجيّ، أمّا قلبه فظلّ كقلوب الأطفال، يعصى على الزمن، يتقافز في ملكوت الشعر، يقطف فيه ثماره، ويلتهمها بشهيّة لا توصف. كان فكرة تظلّ بِكراً مهما فهمها الناس، وتظلّ تولد باستمرار في عقولنا، وعلى أوراقنا، سريعةَ الغضب، متباهيةً بشبابها الذي لا يشيخ.
كان الرقمَ الأصعب في الزمن الماحل، والشعرَ الآنقَ في زمان كَثُرَ فيه الشعرُ الغَثّ، وتحلّلت أكثر الأقلام، والفكرَ الأكثرَ معاصرةً في "كتابات معاصرة": مجلة عمّت العالم العربيّ، وضاهت أعظم مجلاته الفكريّة.
لا يزال هذا الرجل منارة لي في دربي الشعريّ، وصوتاً فريداً من نوعه في الشعر العربيّ، صوتاً لا يشبه أيّ صوت آخر، بسخريته المأسويّة، وتعلّقه بأرض الجنوب، وتمسّكه الدائم بالشعر.
لا يزال الياس لحود صوتاً بعيد الأثر في فردوس شِعري، يصدح بأجمل الأناشيد، يغنّيها صوت الأثير، لتبقى سمفونيّة خالدة تفتح الروح على ما هو سامٍ وكبير.
الياس لحود، لن أقول وداعاً، لأنّك حاضر في قلبي وفي قلوب الآخرين، أبدَ الدهر.
جورج ميشال كلاس:
الياس لحّود الألمَعي!
أَبَّدَ ذكراه ورقد!
كَتَبَ وأَشْعَرَ وفكَّر وعبَّرًَ ونشرَ، وكأنه حلقة ادبية بذاته.
اللَّابِسُ الفقرَ محبَّةً، والناذِرُ الوَجْدِ على مركَعةِ الخشبِ، غفا على قصيدةِ الدهر، قَبلَ أَنْ يُكمِلَها صورا وعبارات منحوتة من صخر الملح الأسود الذي نَكَّه به مُشهيَّاتِ (لحُّودياتِهِ) النوعية!
ماتَ جداً، تسكنه طفولة دائمة، موسومة بعبسةٍ شقراءَ وضحكةٍ صامتة وعتبٍ عميق على القدر الذي قسا عليه مُرَّاً لا يُبْلَع !
جريئاً وحيداً مشى إلى قبره بالمقلوب.
افتقده صديقاً وشاعراً ولغوياً ومفكراً ومواطن شرف، على رتبة روَّاد المعرفة وصُنَّاعِ الصورِ الشعريةِ البكر!
هو الموتُ يَتَكَفَّنُ شعراً، ويمشحُ الأتقياء بميرون النقاء!
يغمض ما بقي من عينيه على أطياف أحباء غافلوه وإرتقوا إلى مراتب النور ويقف بالصف ليلاقي جوزف حرب، بلال شرارة، وجيه فانوس وعصبة كِبارٍ الروح!
إلى مجدياتِ النقاء، في زمن الصَفْنِ والصلاةِ والقيامة!
الحركة الثقافية في لبنان:
إنه يوم حزين يضاف إلى أحزاننا! رحيل قامة شعرية كالياس لحود يتزامن مع الجمعة العظيمة، يوم خشوع وتذكّر لآلام السيد المسيح. وكأنّ هذا الرحيل يحمل في طياته معنى أعمق، فكما حمل المسيح آلام البشرية، حمل الياس لحود همّ الثقافة ووجع الكلمة في زمننا هذا.
في هذا اليوم الذي نستذكر فيه تضحية السيد المسيح، نودّع قامة ثقافية نذرت حياتها للإبداع وخدمة الكلمة. رحيله في هذا اليوم بالذات يضفي على الفاجعة بُعدً ًروحياً مؤثّراً، وكأنّ روحه الطاهرة تصعد في يوم تكريم التضحية والفداء.
فلنتضرّع في هذا اليوم المبارك أن يتغمّد الله فقيدنا الغالي بواسع رحمته، وأن يلهمنا وأحبّاءه الصبر والسلوان. وكما أنّ نور القيامة يتبع ظلمة الجمعة العظيمة، نأمل أن يبقى إرث الياس لحود منارة تضيء دروبنا الثقافية والأدبية. فلقد كان أكثر من شاعر، كان ضميرًا حيًا ينبض بوجع الوطن وآماله، كان رفيقاً لا يلين في دروب الإبداع الوعرة. كيف لنا أن نستوعب أن عينيه اللتين رأتا الكثير، وقلبه الذي خفق بالشعر والحب، قد توقفا عن النبض؟
رحل تاركاً وراءه إرثاً عظيماً، لكن رحيله ترك فينا فراغاً أكبر.
لكن عزاءنا الوحيد أنه سيبقى حيًا في كلماته، في قصائده التي ستبقى تتردد في أذهاننا، وفي ذكراه العطرة التي لن تمحوها الأيام. سنظل نراه في أمسياتنا نغم القصيدة ورفرفة علم الوطن. رحل جسداً، لكنّ روحه وكلماته ستبقيان حيّتين في قلوبنا وذاكرتنا، شاهدتين على زمنٍ فُقد فيه صوتاً أصيلاً وشاعرًا مرهفًا.
الحركة الثقافية في لبنان تخسر برحيله سندا وصديقا محباً...
كل العزاء للعائلة الثقافية لهذا الفقد.
صفحة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي:
الشاعر لا يموت... "مات إلياس لحّود"، هكذا يقول الخبر، لكن القصيدة تقول إنّ صاحب "مراثي بّازوليني"، يسكن طيّ الدواوين والكتب، يقلّبها، يحاورها، يجدّل شعر الحروف ويزيّن تلاوينها. من مرج العيون "مرجعيون" حيث الضوء يسكن تخوم الماء تغتسل قصائد إلياس لحّود بحبر الجنوب، تتعفّر بسمائه. هناك تلقي الحب على العابرين وتجدّ السير نحو بيروت.
بالأمس رحل إلياس لحّود، عبّر إلى "براويز قصص" وصار واحداً منها..
"بَيْتُن مَسا قَرميد.. بَيْتُن حَجر عا صرْخِة سْنُونُو.. كِل ما نَدَهُنْ شِي صَدَى مِن بعيد.. بين الْوَرَق وِالْحِبِر بيكْونوا".
باكراً كتب إلياس لحّود الشعر، وباكراً تميّز بأسلوبه الحداثوّي كما يجمع عليه كلّ من تناول أعماله وإصدارته.
لم تقتصر نتاجات لحّود على الشعر، بل امتدّت إلى مختلف النواحي الثقافيّة، إذ كتب في عديد من الصحف والدوريّات في لبنان والعالم العربيّ، وشارك في تأسيس مجلّتيّ "الفكر العربيّ"، و"الفكر العربيّ المعاصر"، وأنشأ مع عدد من أصدقائه مجلّة "كتابات معاصرة" ورأس تحريرها منذ 1988.
لم تكن علاقة إلياس لحّود بالمجلس الثقافي للبنان الجنوبيّ عاديّة وعابرة، بل كان واحداً من شعراء الجنوب ممّن كانوا يعتبرون أنفسهم في صلب المجلس ومن أعضائه البارزين والفاعلين.
في أروقة المجلس وخلال أمسياته الكثيرة، كانت آخرها في مركز المجلس في النبطية بتاريخ الـ 17 من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2015؛ ألقى إلياس لحّود عديداً من القصائد، وشارك في عديد من الندوات والأعمال والأنشطة وكان فاعلاً ومؤثراً فيها، وكانت تربطه مع الأمين العام السابق للمجلس الأديب الراحل حبيب صادق علاقة مميزة، استمرّت طويلاً.
إنّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وإذ ينعى الشاعر الكبير إلياس لحّود، فإنّه ينعى أحد روّاده ممّن أثروا الحياة الشعريّة والأدبيّة والثقافيّة والإنسانيّة في جنوب لبنان بخاصّة ولبنان بعامّة، وعزاؤه بما تركه الشاعر لحّود من دواوين وآثار أدبيّة ستلهم الأجيال وتبقى أجراس ثقافة وموسيقى ترنّ في دنيانا وعالمنا إلى أمد طويل.
المصدر: المدن
2025-04-22 || 21:03