77 عاماً على قرار التقسيم: صدور القرار عام 1947
الولايات المتحدة التي صوتت لصالح التقسيم، كان لها الفضل الأكبر في تحقيق نصر صهيوني حاسم على الدول العربية داخل أروقة الأمم المتحدة، إذ إنها مارست ضغوطاً هائلة على بعض الدول لحثها على التصويت لصالح التقسيم.
في الجلسات الأخيرة للهيئة العامة للأمم المتحدة قبل التصويت على مشروع تقسيم فلسطين، كانت بريطانيا قد أعلنت موقفها بخصوص هذا المشروع، لن تدعمه ولن تقف في وجهه بل ستمتنع، ويترك جيشها فلسطين في 15 أيار/ مايو 1948. ستترك فلسطين والفلسطينيين بعد أن ضمنت لليهود ما وعدتهم به عام 1917. هي تمتنع، بينما تعلن جميع الدول التي تدور في فلكها، أي دول الكومنولث، بأنها ستصوت لصالح التقسيم الذي اقترحته بريطانيا، وخططت له، وعملت على تنفيذه طوال ثلاثين عاماً من سيطرتها على فلسطين. تمتنع عن التصويت لصالح التقسيم؛ لأنها غاضبة على سكان "البيت اليهودي" الذين انقلبوا عليها، وعملوا على شيطنتها، وارتموا في أحضان الولايات المتحدة، بعد أن ارتووا من حليب أمهم الشرعية، المملكة المتحدة، التي لولاها ما صلب عودهم، ولا أصبحت لديهم جيوش مدربة من عشرات الآلاف، تنتظر لحظة الانقضاض على أصحاب الأرض الأصليين، الذي خسروا جزءاً من وطنهم لصالح "اليشوف اليهودي"، وأصبحت أكثريتهم على أرض فلسطين معرضة للخطر، إذا تحقق التقسيم ووفد إلى البلاد مهاجرين من كل حدب وصوب ليقلبوا المعادلة التاريخية إلى أجل غير مسمى.
عاد المجلس العام للأمم المتحدة إلى الانعقاد في 28 تشرين ثانٍ/ نوفمبر 1947، ليستمر في نقاشه حول المسألة الفلسطينية، والتصويت على قرار التقسيم، بعد يومين من التوقف؛ بسبب عيد الشكر لدى الأميركيين. استغل الصهاينة هذه الفترة القصيرة لإقناع دول رافضة للتقسيم للعدول عن موقفها، أو حتى دول مترددة، وقد وصل بهم الأمر إلى الضغط حتى على بريطانيا من خلال رئيس وزراء جنوب أفريقيا "يان سموتس"، الذي كان من مهندسي وعد بلفور، فقد قام هذا بالضغط على "أتلي" رئيس وزراء بريطانيا، ووزير خارجيته "بيڤن". أصبحت الصورة الآن "أكثر وضوحاً"، والأمر "أقل تعقيداً" من ذي قبل، حيث أجمع الشرق والغرب على التصويت لصالح التقسيم، وبقيت الدول العربية والإسلامية واقفة لوحدها في وجه الضغط الأميركي والسوفييتي من أجل تمرير التقسيم. لكن فعل الدول العربية من أجل التأثير على الدول المؤيدة للتقسيم لتغيير موقفها، كان ضعيفاً إلى درجة أن أحدا لم يأخذ بعين الاعتبار أنهم يشكلون سوياً كتلة ذات وزن كبير، مؤلفة من ستّ دول يمكنها ان تساهم في إنجاح أو إسقاط أي قرار من الممكن أن تأخذه الأمم المتحدة. في المقابل كانت الكفّة ترجح لصالح الوكالة الصهيونية، بفضل دعم أصدقائها من الدول الغربية أساساً، ثم انضم إليهم الاتحاد السوفييتي ومجموعته من أجل مصلحة سوفييتية منشودة من اليهود الاشتراكيين، الذين سيهاجرون إلى "الوطن القومي اليهودي" داخل فلسطين، وربما يكون هؤلاء اللبنة الأولى في "صرح" الدولة الاشتراكية التي يريدها الاتحاد السوفييتي. ربما اعتقد "ستالين" أن تحريره لليهود من براثن وحوش معسكرات الإبادة النازية، سيشفع له عند "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين.
تساؤلات مشروعة حول التقسيم
ابتدأت الجلسة الصباحية للمجلس العام للأمم المتحدة في تمام الساعة الحادية عشر. كانت الكلمة الأولى لمندوب الباكستان محمد ظفر الله خان الذي تنازل عن حق الكلام في الجلسة المسائية قبل يومين، لمنع تأجيل التصويت. ليس هذا فقط، بل إنه قال لرئيس الاجتماع البرازيلي "اوزوالدو أرانها" أن الجمعية العامة كانت قد اجتمعت في العام السابق في عيد الشكر، ولذلك لا يوجد سبب منطقي لتأجيل الاجتماع هذه السنة، لكن "أرانها" أصر على موقفه، وقام بتأجيل الجلسة، كما تقدم. كان السير ظفر الله خان أحسن من دافع في اللجنة المخصصة عن اقتراح الدولة الموحدة، ولذلك أثار إعجاب رئيس اللجنة "إيفات" بسبب بلاغته وعمق خطابه. كذلك أثار إعجاب "هودجسون" الأميركي الذي قال لواحد من أعضاء الوفد الأميركي، إن خطاباً مؤثراً ألقاه ظفر الله خان في اللجنة المخصصة "دمر القضية اليهودية تماماً".
أثار المندوب الباكستاني تساؤلات جمة بشأن التقسيم، على أمل أن تحدث تساؤلاته فرقاً وتغييراً في تفكير البعض. فسأل الهيئة العامة عمّا فعلته بشأن اللاجئين والنازحين اليهود، حيث إن فلسطين كانت قد استوعبت 400 ألف يهودي من الحرب العالمية الأولى حتى بداية الاضطهاد اليهودي في أوروبا، وبعدها استوعبت أكثر من 300 ألف آخرين. ولماذا الآن على فلسطين أن تقدم لليهودي اللاجئ المأوى والملجأ، بل وأيضاً دولة؟ ولماذا لا توفر أستراليا أو كندا مكانًا لليهود مع أنهما دولتان "مكتظتان بالسكان، ومساحتهما صغيرة"؟ ولماذا لا توفر لهم الولايات المتحدة ذلك؟ ثم ما نوع الاستقلال الذي ستقدمه الأمم المتحدة لفلسطين؟ سوف تقوم هذه بتقطيع فلسطين إلى ثلاثة أجزاء من دولة يهودية، وثلاثة أجزاء من دولة عربية، وجيب يافا التابع للدولة العربية، والقدس التي ستظل مدينة دولية إلى الأبد. "وبعدها ستقوم الأمم المتحدة بوضع جسد فلسطين النازف على الصليب"، وبهذا "لن تنتمي فلسطين لشعبها، بل ستظل ممدودة على الصليب إلى الأبد".
وأشار خان إلى أن العرب لن يتعاونوا مع الأمم المتحدة في تنفيذ مشروع التقسيم، فكيف إذاً ستقيم الأمم المتحدة الدولة العربية؟ وكيف ستوفر الدفاع عن الدولة العربية؟ ومن منح الأمم المتحدة السلطة بفعل ذلك؟ ومن أين سيحصل سكان الدولة العربية على الخدمات؟ ومن أين ستأتي الأموال؟ وإذا رفض العرب أن يتعاونوا فإن ذلك سيؤثر على إمكانية قدرة الدولة اليهودية على البقاء، بسبب الضغط الاقتصادي والمالي الهائل، عندها كيف ستستطيع الأمم المتحدة المحافظة على بقاء الدولة اليهودية؟ ومن الذي سيقوم بتمويل ذلك؟
ثم انتقل إلى الأسئلة العملية بخصوص الحدود وتوزيع السكان والصناعة والأراضي الزراعية، والذي لم يكن عادلاً بالنسبة للعرب، ويعطي أفضلية لثلث السكان، أي اليهود، حيث سيحصلون على ما يعادل 60٪ من أرض فلسطين، و 84٪ من مساحة الأراضي المروية، وسوف تحصل الدولة اليهودية على 80٪ من مساحة الأراضي المنتجة للحبوب. وسيكون النقب من نصيب الدولة اليهودية مع أن 99٪ من سكانه من العرب. كذلك فإن كل الصناعة اليهودية ستكون داخل الدولة اليهودية، بينما سيكون 40٪ من الصناعات العربية داخل الدولة اليهودية. وتساءل لماذا يجب أن تكون يافا جيباً داخل الدولة اليهودية مع أنه يمكن ربطها بالدولة العربية من الشرق أو الجنوب، كون أغلب هذه الأراضي بملكية عربية؟ ولماذا لا يمكن أن يكون اليهود أقلية تشكل 33٪ من عدد السكان داخل الدولة الواحدة، بينما يمكن أن يكون 435 عربياً أقلية داخل الدولة اليهودية التي تحتوي 498 ألف يهودي فقط؟ أين العدل في كل هذا؟
في النهاية تساءل ظفر الله خان عمّا فعلته اللجنة الفرعية الثالثة، التي كانت مهمتها محاولة التوفيق بين العرب واليهود، ولماذا يجب على أعضاء الأمم المتحدة التصويت على التقسيم، وكأنه الحل الوحيد الممكن؟ ولماذا "يجب أن نقبل التقسيم أو لا شيء؟". ختم خان كلمته بالإعلان عن رفض بلاده للتقسيم، ولكن "هذا لا يعني استبعاد حلول أخرى تطرح على طاولة الأمم المتحدة".
محاولات أخيرة لتأجيل التصويت
استمرت المداولات في الأمم المتحدة، في يوم الجمعة الموافق 28 تشرين ثانٍ/ نوفمبر، وكانت كل الدلائل تشير إلى أن ثلاثين دولة ستصوت مع التقسيم وأن ثلاث عشرة دولة ستصوت ضد التقسيم، مما أدى بالدول العربية إلى مناشدة مندوبي الصين وتركيا واليونان بأن يطالبوا بتأجيل التصويت، لكنهم رفضوا ذلك. لكن مندوب كولومبيا وافق على ذلك، بل وطالب بإرجاع المسألة الفلسطينية إلى اللجنة المخصصة، وأن يطلب منها حل تسووي يتفق عليه العرب واليهود، وعرض هذا الحلّ على جلسة خاصة للأمم المتحدة، قال المندوب الكولمبي "أننا في حاجة إلى حلّ جيد، وليس إلى حل متسرع، ولأن وقتنا محدود من الممكن أن تعطي اللجنة المخصصة فرصة لصياغة توصيات أكثر نضجاً للحكومة المستقبلية في فلسطين". لكن اقتراحه رُفض. أحد مندوبي بريطانيا قال فيما بعد أن اقتراح كولومبيا كان من الممكن أن يمر، لو أظهر العرب بعض المرونة، لكن ذلك لم يحدث.
في اليوم التالي، اقترح مندوب إيران تأجيل التصويت لمدة تزيد عن بضعة أسابيع، "وخلال هذه الفترة ستعمل اللجنة المخصصة على إعداد خطة خاصة بحكومة فلسطين المستقبلية". ورفض هذا الاقتراح أيضاً. وقدم المندوب اللبناني كميل شمعون اقتراحاً بإنشاء دولة فلسطين الاتحادية المستقلة في موعد لا يتجاوز الأول من آب/ أغسطس 1948، وأن تنشأ حكومة فلسطين الفدرالية المستقلة على أساس اتحادي، وتتكون من حكومة اتحادية، وحكومتي المقاطعة العربية والمقاطعة اليهودية، وأن يتم ترسيم الحدود بحيث يكون أقل عدد من الأقليات العربية أو اليهودية في المقاطعتين، ويتم انتخاب جمعية تأسيسية بالاقتراع المباشر، وتتولى هذه وضع الدستور المستقبلي لدولة فلسطين الاتحادية. وتم رفض هذا الاقتراح كما رُفضت الاقتراحات الأخرى، ليس قبل أن يرّد عليه "هيرشيل جونسون" ممثل الولايات المتحدة، الذي قال إن هذا ليس اقتراح تسوية، بل هو عودة إلى مشروع الأقلية في لجنة "أنسكوب" الذي تم رفضه في اللجنة المخصصة.
قبل التصويت كان على مندوب "أيسلندا" أن يقدم تقريراً للهيئة العامة عن عمل اللجنة الفرعية الثالثة للجنة المخصصة والتي كانت مهمتها إيجاد صيغة توافقية بين العرب واليهود، لكنها لم تفعل شيئًا يذكر لتحقيق ذلك. في نفس اليوم صباحًا قام "آبا ايبين" الصهيوني بزيارته في الفندق الذي يقيم به في نيويورك، وقال له إن بلاده يجب أن تكون إيجابية تجاه قرار تاريخي ستتخذه الأمم المتحدة، ولذلك طالبه بأن يتكلم بإيجابية عن التقسيم والدولة اليهودية. خلال الجلسة قال مندوب أيسلندا "ثور ثوريز" بأن التحدث عن تسوية بين العرب واليهود يجب أن تتم بعد أن يصدر القرار بخصوص التقسيم.
قبل إغلاق الجلسة طلب "اندري جروميكو" مندوب الاتحاد السوفييتي حق الكلام، وأعلن أن لا جديد في الاقتراحات العربية، حيث إن اقتراح الدولة الواحدة كان قد سقط في اللجنة المخصصة، لذلك يجب التصويت فوراً على التقسيم.
رفضت كل الاقتراحات التي وضعها العرب من قبل رئيس الجلسة البرازيلي، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. كذلك لم تجدد كولومبيا ولا فرنسا طلبهما من أجل تأجيل التصويت إلى موعد آخر. وأعلن رئيس الجلسة أن التصويت سيتم الآن في هذه الجلسة.
التصويت على قرار التقسيم
ابتدأت عملية التصويت على قرار التقسيم في 29 تشرين ثانٍ/ نوفمبر عند الساعة الخامسة بعد الظهر بتوقيت نيويورك، أي منتصف ليلة 30 في فلسطين. تم التصويت بشكل علني بواسطة النداء على كل الدول الأعضاء الواحدة تلو الأخرى، حسب الترتيب الأبجدي، مما جعل أفغانستان تصوت أولًا ويوغوسلافيا آخرًا.
الدول العربية الست، مصر وسوريا ولبنان واليمن والسعودية والعراق، صوتت ضد التقسيم كما كان متوقعًا، وكذلك الأربع دول الإسلامية، أفغانستان وباكستان وإيران وتركيا.
دول الكومنولث، كندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا صوتت جميعها لصالح التقسيم، رغم أن بريطانيا، زعيمة هذه المجموعة، امتنعت عن ذلك.
الكتلة الشرقية، التي ضمت بولندا وبيلاروسيا وأوكرانيا ويوغوسلافيا، بزعامة الاتحاد السوفييتي، الذي فاجأ ممثله "اندريه غروميكو" الجميع بتأييده للتقسيم في اجتماع الأمم المتحدة في شهر أيار/ مايو، صوتت لصالح التقسيم، ما عدا يوغوسلافيا التي امتنعت عن التصويت كونها كانت مع الأقلية في لجنة "انسكوب". من الجدير بالذكر أن بيلاروسيا وأوكرانيا لم تكونا مستقلتين، بل جمهوريتين مرتبطتين بالاتحاد السوفييتي، وكانت لديهما مكانة دولة في المجلس العام بناءً على اتفاقية الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية.
كذلك قامت تشيكوسلوفاكيا بتأييد التقسيم، رغم أنها لم تكن جزءاً من الكتلة الشرقية في ذلك الوقت، حيث إن علاقاتها كانت قوية مع الحركة الصهيونية، وفيما بعد دعمتها عسكريًا خلال معارك عام 1948.
جميع دول أوروبا الغربية، بلجيكا والدنمارك وفرنسا ولوكسمبرغ وهولندا والنرويج والسويد وآيسلندا، قامت بالتصويت لصالح التقسيم. والبعض منها فعل ذلك بسبب ضغط أميركي عليها، كبلجيكا التي كانت قد أعلنت سابقًا أنها ستمتنع، ولكنها غيرت موقفها بفعل تأثير الولايات المتحدة عليها. كذلك تعرضت الدنمارك إلى ضغط أميركي من أجل تأييد التقسيم، رغم الضغط البريطاني عليها للامتناع عن ذلك. أما فرنسا فقد امتنعت عن التصويت داخل اللجنة المخصصة، ولكنها غيرت رأيها في المجلس العام خوفًا من تقليل الدعم الأميركي لها بعد الحرب العالمية الثانية. هولندا كانت مترددة بسبب السكان المسلمين في مستعمرتها الكبيرة إندونيسيا، ولكنها قررت في النهاية التصويت لصالح التقسيم.
الدولة الأوروبية الوحيدة التي صوتت ضد التقسيم هي اليونان، رغم التهديدات الأميركية بتقليل الدعم المادي لها، لكن اليونان وبسبب علاقاتها الخاصة مع الدول العربية، وحاجتها إلى تأييد كتلتهم داخل الأمم المتحدة، وقفت في وجه التهديدات وصوتت ضد التقسيم.
الدول الآسيوية غير الإسلامية أو عربية، وهي الهند والفلبين والصين وسيام (تايلاندا)، صوتت تصويتاً غير متجانس، حيث صوتت الهند ضد التقسيم آخذة بعين الاعتبار السكان المسلمين فيها. أما الفلبين فقد تعرضت لضغوطات أميركية شديدة، مما جعلها تغير موقفها بشكل كامل، من الرفض إلى تأييد التقسيم. كذلك تعرضت الصين لضغوطات من الولايات المتحدة، جعلتها تمتنع عن التصويت رغم أن الدول العربية حاولت إقناعها بالتصويت ضد التقسيم. أما تايلندا فلم تصوت بالمرة، كون ممثلها كان قد أقيل من منصبه بعد حدوث انقلاب داخل الدولة، ولذلك اضطرّ أمير سيام إلى ترك الأمم المتحدة والعودة على وجه السرعة إلى بلاده.
بالنسبة للدول الأفريقية غير العربية، وهي الحبشة (إثيوبيا) وليبيريا، فقد امتنعت الحبشة عن التصويت بفعل ضغط أميركي وصهيوني عليها حتى لا تصوت مع الدول العربية، وصوتت ليبيريا مع التقسيم بعد أن واجهت ضغوطات أميركية صهيونية، استطاعت أن تجعلها تؤيد التقسيم، رغم أنها كانت ضده.
الكتلة الأكبر في المجلس العام للأمم المتحدة كانت كتلة دول أميركا اللاتينية، والتي ضمت الأرجنتين، وبوليفيا، والبرازيل، وتشيلي، وكولومبيا، وكوستاريكا، وكوبا، وهاييتي، والإكوادور، والسلفادور، وغواتيمالا، وجمهورية الدومينيكان، وهندوراس، والمكسيك، ونيكاراغوا، وبنما، والباراغواي، وبيرو، والأورغواي، وفنزويلا، فقد توزعت على النحو التالي: كوبا كانت الوحيدة التي عارضت التقسيم؛ لأنها لا تريد أن تفرض حلًا على الأغلبية العربية في فلسطين. وامتنعت الأرجنتين عن التصويت، وكذلك تشيلي، وكولومبيا، والسلفادور، وهندوراس، والمكسيك. أما الدول الأخرى، فصوتت لصالح التقسيم. يذكر هنا أن ممثل البرازيل كان مؤثرًا جدًا في دعمه للتقسيم، كونه كان رئيس الهيئة العامة، وأدار جميع اجتماعاتها، وضغط على بعض دول أميركا اللاتينية لتغيير موقفها، مثل الأرجنتين التي امتنعت رغم أن موقفها كان معارضاً للتقسيم. كذلك يمكن القول إن ممثلي غواتيمالا والأورغواي كانا من المؤيدين الشديدين لفكرة الدولة اليهودية، وساهما مع مندوب البرازيل، في إقناع دول من أميركا اللاتينية لتأييد التقسيم.
بقي أن نذكر هنا، أن الولايات المتحدة التي صوتت لصالح التقسيم، كان لها الفضل الأكبر في تحقيق نصر صهيوني حاسم على الدول العربية داخل أروقة الأمم المتحدة، إذ إنها مارست ضغوطاً هائلة على بعض الدول لحثها على التصويت لصالح التقسيم، وتضمنت هذه الضغوطات تهديدات بقطع المساعدات المادية، وتقديم مساعدات في حالات أخرى، كما حصل مع هاييتي على سبيل المثال. ولم يخل الأمر من تذكير كافة الدول بقوة وقدرات الولايات المتحدة، التي ساهمت بشكل كبير في انتصار الحلفاء على دول المحور في الحرب العالميّة الثانية.
بعد 35 دقيقة من بدء التصويت، حصل التقسيم على أغلبية أكثر من ثلثين، حيث صوتت 33 دولة لصالحه وعارضته 13 دولة، وامتنعت 10 دول أخرى عن التصويت، وغابت دولة واحدة.
ما بعد قرار التقسيم
بعد إعلان نتيجة التصويت، صرحت السعودية بأنها لن تلتزم بالقرار، الذي يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، وتحتفظ لنفسها بالحق الكامل في التصرف بحرية، وبالطريقة التي تراها مناسبة لمنع تنفيذ التقسيم. وتلى مندوب باكستان بيانًا أعلن فيه أن بلاده ترفض نتيجة التصويت كونها كانت نتيجة لضغوطات أميركية وسوفيتية على دول أخرى، وتتملص من كل مسؤولية تترتب عن هذا القرار. ووصف مندوب العراق القرار بأنه خطير للغاية، وغير ديموقراطي، وغير قانوني، ويتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة. وكذلك كان شأن ممثل اليمن الذي تنصل من القرار، واعتبره يتعارض مع نص وروح الميثاق.
انتهت الجلسة بكلمات ختامية احتفالية، بعد أن قام مندوبون من وراء البحار بتقرير مصير فلسطين التاريخي. ربما كان أغلبهم قد سمع بفلسطين لأول مرة من خلال مداولات الأمم المتحدة، وكان البعض منهم يجهل تاريخ فلسطين وشعبها العربي، واعتمد في آرائه عن الحق التاريخيّ على الدعاية الصهيونية القوية. لقد وقع القرار الذي يتناقض مع حقوق شعب فلسطين، رغم عدم معرفة قسم كبير من المندوبين بجغرافية فلسطين وعادات أهلها الأصليين وتقاليدهم.
كان قرارًا ناتجًا عن عقلية أوروبية بحتة، وهي العقلية التي سمحت لنفسها أن تقسم الشرق الأوسط بينها بدون استشارة أهلها، ومزقت أفريقيا وشعوبها إلى أجزاء غير متناسقة. هي عقلية تعتقد أن الحقيقة تكمن فقط لدى الأوروبيين دون غيرهم. من جهة أخرى كان هذا قرارًا استعماريًا بامتياز، يغلب المصالح الاقتصادية والمآرب التوسعية على مصلحة الشعب الفلسطيني، ولذلك لم تألُ الولايات المتحدة جهدًا في الضغط على الكثير من الدول الضعيفة من أجل التصويت لصالح التقسيم وإقامة الدولة اليهودية التي تعود عليها بالفائدة. كذلك فعل الاتحاد السوفييتي الذي غلّب مصلحته في نشر فكره في أماكن أخرى من العالم، على مصلحة سكان البلاد الأصليين، الذين عانوا الأمرين من الاحتلال البريطاني والتوسع الصهيوني في فلسطين.
لقد حاول عرّابو التقسيم أن يصوروا الطرف الفلسطيني على أنه الطرف المتخلف، الذي يرفض أن يوافق على حلّ وسط، مقبول على الأوروبيين والأميركان وما لفّ لفّهم، أما الطرف اليهودي الصهيوني فهو الطرف الذي كان يشعر بالمسؤولية التاريخية ولذلك وافق على حل توافقي ووسطي وعملي، والأهم من ذلك أن هذا الحلّ "قابل للتطبيق على أرض الواقع"، حتى لو تم "تقسيم التقسيم نفسه" إلى سبع قطع، ثلاث منها تشكل الدولة اليهودية، وثلاث أخرى للدولة العربية، وقسم صغير جدًا يكون مدوّلاً، أي انه تابع للعالم بأجمعه!
كان الرفض العربي الرسمي والشعبي الجارف للتقسيم، ذريعة للحركة الصهيونية من أجل التنصل مما جاء في قرار التقسيم، الذي حاربت من أجل إصداره لفترة طويلة، مستعملة كل ما لديها من قوة، مستعينة بالدولة الأعظم بعد الحرب العالمية الثانية، ألا وهي الولايات المتحدة. مع أن هذه الذريعة لم تكن السبب الحقيقي وراء التوسع الصهيوني خلال معارك النكبة إلى ما وراء حدود التقسيم، إذ إن الخطة كانت قد أعدت سلفًا، حيث أمر "بن غوريون" في عام 1937، أي قبل عشرة أعوام من قرار التقسيم، قائد "الهاجاناة" في تل أبيب، "إليميلخ سليكوفيتس"، بوضع خطة للاستيلاء على فلسطين بأكملها بعد انسحاب بريطانيا منها، كما كان متوقعًا بعد تقرير لجنة "بيل". فيما بعد وضعت قيادة "الهاجاناة" ما سمي بخطة "دالت"، في كانون أول/ ديسمبر 1947، أي بعد صدور قرار التقسيم مباشرة، وهي الخطة التي تقضي باحتلال أكبر مساحة من فلسطين عسكريًا وطرد أكبر عدد ممكن من سكانها العرب.
كان 29 تشرين ثانٍ/ نوفمبر من العام 1947، هو العلامة الفارقة بين الأمل الفلسطيني بالحرية والاستقلال، وبين تحقيق الطموح والحلم الصهيوني بالسيطرة على أرض فلسطين، وإقامة الوطن القومي اليهودي فيها، بعد خمسين عامًا فقط من إعلان ذلك في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، وبعد ثلاثين عامًا من وعد بلفور البريطاني عام 1917، بإقامة الوطن اليهودي على حساب الشعب العربي الفلسطيني، وذلك عندما كان عدد اليهود لا يتجاوز الخمسة في المائة من عدد سكان فلسطين، رغم الهجرات اليهودية إليها منذ نهايات القرن التاسع عشر.
كانت ردود الفعل اليهودية في فلسطين وخارجها تعبر عن فرحة عارمة، تسودها البهجة والاحتفالات الكبيرة والتحضيرات من أجل إقامة الدولة التي أصبحت تستمد شرعيتها الآن من هيئة الأمم المتحدة. كانت الفرحة على درجة عالية من الهستيريا، كون هذا القرار يعتبر الانتصار التاريخي الأكبر للحركة الصهيونية في مشروعها من أجل السيطرة على "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، كما كانت تعلن طوال الوقت من أجل شرعنة مشروعها الاستعماري في فلسطين.
أما الشعب العربي الفلسطيني، فقد هتف بحياة الوطن، واستصرخ العرب الآخرين، أصحاب الدول والممالك والإمارات من أجل إنقاذ فلسطين والقدس، لأنه أصبح بلا حول ولا قوة بعد الثورة الكبرى في الأعوام 1936-1939، والتي خرج منها ممزقًا بفعل القمع البريطاني الشديد، وضرب مؤسساته الوطنية والسياسية والاقتصادية، ومصادرة أسلحته الشحيحة، حتى أصبح عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أمام المنظمات العسكرية الصهيونية، المدربة جيداً، والتي تمتلك خطة واضحة ومدروسة طوال سنين عدة.
رغم ذلك، حاول هذا الشعب بكل قوته أن يصدّ العسكر الصهيوني، ويمنعه من السيطرة على البلاد، ولكن هيهات أن ينتصر من يعتمد على دول عربية هشّة وضعيفة، حيث كانت خسارتها الدبلوماسية ساحقة داخل أروقة الأمم المتحدة، وبعدها هُزمت شر هزيمة في الميدان العسكري، مما مهّد لنكبة الشعب الفلسطيني في معارك عام 1948.
المصدر: عرب 48
2025-02-15 || 19:11