مفاهيم عتيدة... وتبتسم طفولتي سخرية مني
هل تتغير نظرة الإنسان اتجاه مفاهيمه ويعيد النظر بها مع الزمن بسبب ما يعايشه من ظروف؟ كيف مثلا تنعكس أحداث مثل شارلي إيبدو و11 سبتمبر على المجتمعات وتقبّلها للآخر؟ عبيدة صلاح كتبت مقالاً لخصت فيه نموّ فكرة "التصنيف" في حياتها، بدءاً من "الخير المطلق والشر
عندما بدأت ذاكرتي تخط أولى كلماتها، كانت الانتفاضة الأولى لا تزال في ريعان شبابها. لم أكن أعي من الدنيا حينها غير تلك البقعة النائية (نسبياً) عن التكتل المعماري. كان (الملثمون) يكثرون في تلك البقعة الجغرافية الصغيرة، ويقوم (الجيش) بحملات شرسة بين آونة وأخرى لملاحقتهم واعتقالهم.
في تلك المرحلة، كانت الأمور على تعقيدها تبدو أكثر تبسيطاً، فبالنسبة لفهمي الطفولي، كانت الدنيا (كل الدنيا) تنقسم إلى قسمين لا ثالث لهما: الخير المطلق، وهم نحن، الأناس الطيبون الذين يدافعون عن الحق والخير والحرية، تساندهم فيها مجموعة غامضة تسمى (الملثمين). والثاني: الشر الخالص، ويتمثلون على هيئة الجيش (أو اليهود كما نسمي الإسرائيليين في بلادنا)، وهم مجموعة الأشرار الذين يمارسون أعتى أنواع الظلم والقهر بحق المجموعة الأولى، التي وجدت نفسي أنتمي إليها بحكم قانون التوريث في شهادة الميلاد.
ذلك فهم لم يكن ينطبق في حينها على (بلدنا) فقط، بل كان يمتد إلى العالم (كل العالم)، والذي تألف لي آنذاك من بلدين إضافيين لبلدنا: عمّان وألمانيا.
تطوّرت التجربة، وأدركت أن سذاجتي السابقة غير قابلة للتعميم. العالم أوسع وأكبر وأكثر تنوعاً من ذلك. هذا العالم الذي لم يكتف بتقسيمات التاريخ السابقة للأفراد بحسب الأجناس والأعراق والأديان، بل تعدّاها إلى تقسيمات مذهبية وفكرية وفصائلية، وغيرها الكثير مما يقوم بعضها على أسس واضحة، وأخرى غائبة عن التعريف.
لكن اليوم، وبعد نحو عقدين ونصف العقد من ذاكرة مرتبكة، أجدني ازددت سذاجة. السذاجة في الاعتقاد بأن العالم لا يزال يتجه نحو تقسيمات أصغر وأصغر، تارة للدول (حسب الجغرافيا والتقدم العلمي والاقتصادي والصناعي...)، وتارة للأفراد (حسب الدين والاعتقاد واللغة واللون والجنس والفكر والإيدولوجيا...). تلك سذاجة مطلقة.
اليوم، تسخر طفولتي مني وأنا أستحضر أحداث 11 سبتمبر، وما تبعها من حروب وكوارث إنسانية وغير إنسانية عدة، مروراً بالصراعات الأهلية والكونية، وانتهاءً بأحداث شارلي إيبدو الطازجة. اليوم تبتسم طفولتي سخرية مني، فالعالم (كل جزء فيه)، قد أصيب بجنون التقسيم، وما عادت التقسيمات السابقة تروي ظمأه. اليوم، يبحث العالم عن تقسيمات فضفاضة المعنى، لكنها أكثر فتكاً وإقصاءً لكل آخر مختلف. اليوم، يرنو العالم أكثر من أي وقت مضى باتجاه تقسيمين لا ثالث لهما: (.........) و (.........).
هل عرفتهما؟
الكاتبة: عبيدة صلاح
المحرر: عبد الرحمن عثمان
*هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
2015-01-14 || 19:37