"إذا كنت تبحث عمَن يسمعك، فهناك عدة جهات ترحب بذلك، أفضل من الكتابة على الجدران، التي لا تعني شيئاً ولا تستوقف أحداً، غير أنها لا تعكس الوجه الحضاري لفاعلها" هكذا عبر المواطن مصطفى محمد عن رأيه بظاهرة الكتابة على الجدران، التي تنتشر بشكل ملحوظ على جدران المدينة وممتلكاتها العامة.
ولم يكن رأي المواطنة نشوة ياسين مخالفاً لما سبق، والتي وصفت الكتابة على الجدران بتشويه للمظهر العام للمدينة، في حين أيدت بعضا منها، مثل الرسومات أو العبارات التي تعبر عن واقع المجتمع وتخدم رسالته.
وبين مؤيد ومعارض، كان لا بد من البحث في الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية، التي تحرك سلوكيات الفرد وسبل التعبير عنها. وقد وصف رئيس قسم علم النفس في جامعة النجاح فاخر الخليلي الكتابة على الجدران، بالسلوك العدواني اتجاه الممتلكات والمرافق العامة، مضيفاً "أن الشخص الذي يمارس هذا السلوك يعاني من مشكلة في مستوى النمو الأخلاقي، حيث إن الجدران ليست مكاناً مناسباً للتعبير عن الآراء والمشاعر ووجهات النظر".
أسباب أخرى

كما يمكن أن يكون الدافع وراء هذا التصرف، مسألة متعلقة بالتفريغ النفسي، للكشف عن المكنونات، في ظل عدم وجود مساحة آمنة للحديث والتعبير عن الذات، بدون نقد أو توبيخ أو لوم، على حد تعبيره.
وعلى الصعيد الاجتماعي، تنتشر الكتابات على الجدران في الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية، وهذا ما نلمحه بعد عودة الحجيج إلى الوطن، حيث تُرشم الجدران بالمباركات والتهنئة، وعلق الخليلي على ذلك قائلاً، "هناك بدائل أخرى في هذه المناسبات، من خلال الكتابة على يافطة، يمكن إزالتها في أي وقت، هذا يعني أن ننتقي الأسلوب في التعبير بما يناسب الرسالة ومستقبلها".
ومن منظور آخر، ونظراً للظروف السياسية التي تمر بها فلسطين، فقد اتخذ النشطاء من الجدران حيزاً للتعبير عن رفضهم للاحتلال وممارسته. وعن ذلك قال الخليلي: "اضطر الفلسطيني لابتكار سبل يعبر بها عما في داخله من قهر وظلم واضطهاد، فأصبح يلجأ للكتابة على الجدران، مثل الكتابة على جدار الفصل العنصري، وفي أزقة المخيمات، والتي تعد صورة من صور المقاومة".
لا تسر الناظرينولا يخلو الأمر من بعض الرسومات الفنية على الجدران، الذي يضعنا أمام التساؤل، متى نسمي ذلك فناً؟
أجاب المحاضر في كلية الفنون بجامعة النجاح بسام أبو الحيات عن التساؤل قائلاً: "ما نراه الآن من كتابات ورسومات على الجدران، ما هو إلا طاقة تُفرغ بشكل سلبي، أو لمناسبة معينة، وتسبب تلوثاً بصرياً باستخدام الألوان غير المريحة للعين وتفتقر لمعاني الجمال، فلا يستمتع بها الناظر".
ووصف أبو الحيات الجدار بأنه مرآة الوطن، التي تعكس واقعه، "وما نشاهده على جدراننا في الوقت الراهن هو انعكاس مؤلم، ورسوم تعبيرية لا بناء لها، من حيث علاقة الألوان وانسجامها، والرؤية والفكرة والرسالة". وأضاف "الفن أحياناً أن تترك المساحة فارغة أو مُلونة، تمكننا من طرح تساؤل عن هذا الفراغ، ويعطينا فسحة للتأمل، والفنان الحقيقي هو الذي يقدم رسالة بطريقة منظمة".
ولم يكن رأي علم النفس بعيداً عن الفن، حيث أكد رئيس قسم علم النفس بجامعة النجاح فاخر الخليلي "أن الفن هو رسالة موجهة وشكل من أشكال الاتصال، عندما تنسجم مع المجتمع وضوابطه". كما أكد على ضرورة معرفة من هو مستقبل هذه الرسالة، حتى نتستخدم وسيلة مناسبة لمخاطبته.
بلدية نابلسوعلى صعيد مدينة نابلس، فقد اتخذت البلدية إجراءات فعلية، بحيث تكلف طواقمها بطلاء الجدران التي كُتب عليها عبارات مسيئة باستمرار، إلا أنها لم تتمكن من اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها، بحسب ما صرح مهندس البلدية سامح العاصي.
وأضاف، "هناك موظفون يقومون بتفقد المرافق العامة بشكل دوري، وطلاء وإزالة كل ما هو مسيء، لكننا نقوم اليوم بالطلاء، غدا نجد كتابات جديدة، وهذا يكلفنا الكثير سنويا".
الكاتبة: لينا المصري
المحررة: جلاء أبو عرب