يكاد لا يخلو بيت في قريتنا من قنٍ للدجاج (خُمْ) يتربع على عرشه ديك مزهوٌ بنفسه، وهذا الكلام قبل أن تُفْسَدَ القُرية وتَخَرَّب بفعل الحداثة، وَيَنتَهِكُ التطور أستار حياتها الهانئة.
وللديك عندنا احترام ومكانة تفوق حَريمَهُ من الدجاج، فهو قُدسي الصوت ملائكي الرؤية، مُدلل بالكنى والأسماء، حتى سَمعت من أسمائه ما يُحسد عليها كأبي القاسم وأبي المنذر وأبي اليقظان. كل ذلك لأنه يوقظ الناس لصلاة الفجر، على الرُّغم مما يُشاع عنه: "
الديك بوذن وما بصلي". وهو رمز للذكورة المُحببة للرجال، وعشان هيك بنقول: "
عيش يوم ديك ولا دهر جاجة".
وللديك صيحات معلومات ومتفق عليها وهي شبه ثابتة الميقات، ولأجل ذلك يُعتبر الديك ميقاتي القرية وساعتها الناطقة التي تكفح (بيغ بن) وتغلبها.
صيحات الديوكوالطريف أن الفلاحين يقولون بأن للديك أربع دقاق أو أوقات للصياح، يصيح في كل وقت منها عدة صيحات حتى يتأكد بأن رسالته وصلت من صوته، وهذه الصيحات هي:
صيحة ديك "الحردانة": وموعدها عند العصر عَ البراد، وصيحة ديك "الحوامة" وتكون قبل منتصف الليل بساعتين تقريباً، وصيحة ديك "الفرارة" وموعدها عند منتصف الليل، أما الصيحة الرابعة والأخيرة فهي (صيحة الديك) وهي صيحة أذان الفجر وانبلاج الصبح، وفي المثل "
بفيق قبل صيحة الديك".

وصيحة الفجر هذه تُعلن أيضاً للنساء موعد التحرك لعين الماء لانتظار دورهن في "التمقيع"، ذلك أن العين بعيدة والدور طويل وعليهن التبكير، وكم من سيدة خدعها الوقت ونهضهت على صوت "صيحة ديك الفرارة" عند منتصف الليل وقصدت عين الماء ولم تجد هناك إلا الخيّالات وصدى صوت (بسم الله الرحمن الرحيم) يتقافزن من حولها، فعادت والخوف يُلاحقها لحين موعد الصيحة التالية.
وبعد صيحة الديك للفجر لا يبقى نيامٌ في القرية، إذ ينفضون عنهم أغطية الكسل وينهضون بهمةٍ للأرض. ومن طريف ما يروى أن أهالي إحدى القرى كانوا نياماً على أسطح بيوتهم، فلما نادت الديكة مُعلنة الفجر، نظر أول مُستيقظ منهم وكان لا يزال شبه نائم، فرأى الضباب يملؤ المشهد أمامه فاعتقد بأن البحر قد ابتلعهم، فصاح يُنذر النيام، فنهضوا مفزوعين وألقوا بأنفسهم عن السطوح وهم يحاولون السباحة لينجوا من قاع البحر، فما بانت شمس الحقيقة إلا وفيهم من الكسور والرضوض ما الله به عليم.
الديك الفصيح من البيضة بصيحوفي حوش الغنم المُخصص للحيوانات الذي في بيتنا بقرية عقربا مسرح للدواجن تتحرك فيه براحتها، ولها ولأشياخها من الديوك واجب الطعام والشراب والدلال والحماية من كلاب الحارة. ولا تصل سكين أمي لرقبة أيّ دجاجة بيّاضة. اللهم أننا كنا نَشخَتُ وَنَجْخَتْ الدِّيَكَة ونذبَحُها لأمرين لا غير: إذا كثرت الصيصان من الديوك، وإذا دارت رحى حرب ضروس بين ديكين من سادة القوم.
وأذكر قبل عقد ونصف من الزمن تقريباً قررت والدتي أن تُربي فراخاً جديدة كي تتسلم زمام المشيخة في خُم الدجاج بدل الأشياخ الكبيرة سناً، وكان من بين هذه الصيصان صوصٌ جميل الريش قوي الصوت، بدا عليه كاريزما الزعامة "
والديك الفصيح من البيضة بصيح"، وبدأ يتولى مُهمته قبل أوانه، إذ صار مُؤذناً وهو في الشهر الرابع من عُمره مُنافساً بذلك أباه وأعمامه من مشايخ الخُمْ.
لكن هذا الديك الصغير ولفرط حماسته واندفاعه فقد بوصلته في المواقيت، وصار يَسـتَلمُ الليل صياحاً من الغروب حتى الشروق. فُقلنا: ديك مبارك يرى الملائكة، ثم ضج الكل من صوته، إذا لا يسكت إطلاقاً، ويبقى مُنادياً طوال الليل بلا توقف كأنه يريد أن يُطلع النهار عُنوة، ناسياً أن "عليه النداء لا طلوع النهار".
حاولت التصالح مع هذا الديك، لكنه فاق بالإزعاج التصور. ومع الأيام صار مُقلقاً ومصدر شكوى من الكل، فاعتقدت جازماً بأنه ديك مسكون قد تلبسته الجن، فشكوته لأبي فأجاز له الصياح، فشكوت الأمر لأمي كذا مرة فقالت: "امسكه وجيبه تنّي أذبحه". ويا لها من مهمة صعبة، طاردته وأخي عبد الرحمن حتى غَفَفناهُ بعد أكثر من ساعة، مُستعينين بعتمة الليل وإغلاق الخُمْ.
ذُبح الديك الصغير غير مأسوف على جماله وَحُسن صوته، وتفعفل بالتراب وتمرمغ كأنه عرف ذنبه وأدرك بأنه ذبح نفسه وقتلها بحماسه الزائد.
الكاتب: حمزة أسامة العقرباوي
المحرر: عبد الرحمن عثمان