عندما ينهشُ الإهمال لحم التراثِ العريق في نابلس
تغمرُ عينَاكَ بالنظرِ إلى أروع قصرٍ بات في خانة النسيان. تدخله تأخُذ نفساً عميقا، فيدخل صدركَ هواءٌ من الماضي يحكي لكَ حكاياه. تنظر حولك هنا وهناك لا تعلم من أين تبدأُ قصتك: من حجرها الذي توالت عليه الحقب التاريخية، أم من شجرها الذي نما مع بداية كلِ حجرٍ
تَدخل رأسكَ ألفُ حكاية. حكايةُ ماضٍ عريق يسردُ شموخَ بلدك وقصصها في بعض نقوشٍ وحجارة، صار من هم قريبون منها لا يعلمون عنها شيئاً. وإن سألتهم عن حالها، بدت علاماتُ التعجبِ والاستفهام تملأ المكان، فيغطون جهلهم بعبارة "أنا ما راح أقدر أفيدك كثير، بس بتقدري تسألي أبو فلان لأنه هو أخبر"، فتصمت أنت وتكملُ سيرك. قصةُ نابلس (البلدة القديمة)، التي تعود بعضُ حجارتها إلى أكثر من 1000 عام، تمتد فيها البيوتات (القصور) العتيقة والطرقات والأسواق المسقوفة، وتنتشر فيها مساجد ومقامات وحمامات تعود إلى العهدين التركي والمملوكي، ومن أبرز معالمها الأن مسجد الخضرا والجامع الصلاحي الكبير. وتتميز بقصورها كقصر عبد الهادي وقصر طوقان وقصر النمر.
قصرٌ في خانة النسيان ﺘﻌﻭﺩ ﺃﺼﻭل ﺁل ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ إﻟﻰ ﺍﻟﺸﻘﺭﺍﻥ، ﻭﻫﻡ من أصل ﻭاحد مع ﺁل ﺠﺭﺍﺭ ﺍﻟﻤﻭﺠﻭﺩﻴﻥ ﻓﻲ ﺠﻨﻴﻥ ﺤﺎﻟﻴﺎً ﻭﺠﺩﻫﻡ ﺍﻷﻜﺒﺭ ﻫﻭ ﻤﺤﻤﺩ ﺍﻟﺯﺒﻥ، ﻭﺍﻟﺸﻘﺭﺍﻥ ﻫﻲ ﺤﻤﻭﻟﺔ ﻤﻥ ﻗﺴﻁل ﺍﻟﺒﻠﻘﺎﺀ، ﻏﺎﺩﺭت ﺍﻟﻜﺭﻙ ﻓﻲ ﺜﻭﺭﺓ 1669 ﻭاستقر ﺠﺩﻫﻡ ﺒﻌﺩ ﺫﻟﻙ ﻓﻲ ﻤﺭﺝ ﺍﺒﻥ ﻋﺎﻤﺭ. كان ﺁل ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ ﻤﻥ ﺍﻟﻌﺎﺌﻼﺕ ﺍلإﻗﻁﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻌﺒﺩﺓ ﻟﻠﻔﻘﺭﺍﺀ ﻭﺍﻟﻔﻼﺤﻴﻥ ﺒﺸﻜل ﻜﺒﻴﺭ. ﻭﻫﻨﺎﻙ ﺍﻟﻜﺜﻴﺭ ﻤﻥ ﺍﻟﺭﻭﺍﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﻴﻠﺕ ﻋنهم ﻭعن ﺍﻟﺘﻌﺫﻴﺏ ﺍﻟﺫﻱ ﻜﺎﻨوا يمارسونه على ﺍﻟﻔﻘﺭﺍﺀ، ﻭﺨﺼﻭﺼﺎً ﺍﻟﺭﻭﺍﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺫﻜﺭﺕ ﻋﻥ ﺍﻟﻁﺭﻕ ﺍﻟﺘﻲ ﺒﻨﺕ ﻓﻴﻬﺎ ﻗﺼﻭﺭﻫم. وحسب ﺍﻟﺭﻭﺍﻴﺎﺕ ﺍﻟﺸﻔﻬﻴﺔ ﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﺒﻠﺩﺓ ﺍﻟﻘﺩﻴﻤﺔ، فإن ﺤﻲ حبس الدم ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺩﺓ ﺍﻟﻘﺩﻴﻤﺔ جاءت تسميته من أﻥ ﺁل ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ ﻜﺎﻨﻭا ﻴﺸﻨﻘﻭﻥ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻅﻠﻤﺎ ﻭﻴﻌﻠﻘﻭﻫﻡ ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻟﻤﻨﻁﻘﺔ، ﺤﺘﻰ إﻨﻬﻡ بنوا في بلدة ﻋﺭﺍﺒﺔ جنوب غرب جنين ﺴﻭﺭاً ﻟﻠﻔﺼل ﺒﻴﻥ ﻗﺼﻭﺭﻫﻡ ﻭﺒﻴﻥ ﺒﻴﻭﺕ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﻌﺎﺩﻴﻴﻥ وﺍﻟﻔﻼﺤﻴﻥ.

قصر آل عبد الهادي في نابلس هو من أﻀﺨﻡ ﻗﺼﻭﺭ العائلة. وﻘﺩ ﺸﻴﺩﻩ ﻤﺤﻤﻭﺩ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ ﻋﻨﺩﻤﺎ ﻜﺎﻥ ﻤﻠﺘﺯﻤﺎﹰ إﻗﻁﺎﻋﻴﺎﹰ ﻟﻤﻨﻁﻘﺔ ﺠﺒﺎل ﻨﺎﺒﻠﺱ إﺒﺎﻥ ﺍﻟﻌﻬﺩ ﺍﻟﻌﺜﻤﺎﻨﻲ ﻋﺎﻡ 1820. ﻭﻭﺭﺙ ﺍﻟﻘﺼﺭ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺭﺤﻴﻡ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ ﻋﺎﻡ 1865 ﻭﺃﺠﺭﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﺘﺤﺴﻴﻨﺎﺕ، ﻭﻫﻭ ﺤﺎﻟﻴﺎﹰ ﺠﺯﺀ ﻤﻥ ﻭﻗﻑ ﺍﻟﻌﺎﺌﻠﺔ ﻴﺴﻜﻨﻪ ﻓﺭﻉ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺭﺤﻴﻡ ﻭﻓﺭﻉ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺭﺤﻤﻥ الثاني. وﻜﺎﻨﺕ ﺘﺴﻜﻥ ﻓﻴﻪ 12 ﻋﺎﺌﻠﺔ ﻤﻥ ﺁل ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ، ﻭﻫﻭ ﻴﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﺴﻔﺢ ﺠﺒل ﺠﺭﺯﻴﻡ ﻓﻲ ﻤﻨﻁﻘﻪ ﺘﺘﻭﻓﺭ ﻓﻴﻬﺎ ﻴﻨﺎﺒﻴﻊ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ. ﻭﻗﺩ ﺸﻴﺩ ﻋﻠﻰ أﺭﺽ ﺘﺒﻠﻎ ﻤﺴﺎﺤﺘﻬﺎ ﻫﻜﺘﺎﺭﻴﻥ. ﻭﻴﺸﻐل ﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﻘﺼﺭ ﻫﻜﺘﺎﺭﺍ ﻭﺍﺤﺩﺍ، ﻭيشغل ﺍﻟﻬﻜﺘﺎﺭ ﺍﻟﺜﺎﻨﻲ ﺤﺩﻴﻘﺔ. ﻭﻟﻪ ﻤﺩﺨل ﻜﺒﻴﺭ ﻨسبياً يفضي إﻟﻰ ﺴﺎﺤﺔ ﺴﻤﺎﻭﻴﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻏﺭﻑ ﻭأﻤﺎﻤﻬﺎ أﻭﺍﻭﻴﻥ ﻭﻟﻬﺎ ﻤﺼﺎﻁﺏ ﺤﺠﺭﻴﺔ، ﻭﻫﺫﺍ ﻫﻭ ﺍﻟﺴﻼﻤﻠﻙ. ﺜﻡ ﻤﺩﺍﺨل ﻷﺠﻨﺤﺔ ﺃﺨﺭﻯ ﻟﻠﺤﺭﻴﻡ ﻓﻴﻬﺎ ﻏﺭﻑ ﻤﺘﻘﺎﺒﻠﺔ ﻭﺒﻴﻨﻬﺎ ﺃﻭﺍﻭﻴﻥ ﻭﻟﻬﺎ ﺩﻜﻙ ﺤﺠﺭﻴﺔ ﻭﻤﺴﺎﺤﺎﺘﻬﺎ ﻭﺃﻭﺍﻭﻴﻨﻬﺎ ﻤﺒلطة ﺒﺒﻼﻁ ﺤﺠﺭﻱ ﻭﺍﻟﻐﺭﻑ ﺃﻭ ﺒﻌﻀﻬﺎ ﺒﺒﻼﻁ ﺭﺨﺎﻡ. ﻭﻴﺤﻭﻱ ﻜل ﻁﺎﺒﻕ ﻤﺠﻤﻭﻋﺔ ﻤﻥ ﺍﻟﻐﺭﻑ ﻜﺒﻴﺭﺓ ﺍﻟﺤﺠﻡ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺘﻘل ﻤﺴﺎﺤﺔ ﺍﻟﻭﺍﺤﺩﺓ ﻤﻨﻬﺎ ﻋﻥ 60 ﻤﺘﺭﺍ ﻤﺭﺒﻌﺎ، ﻜﻤﺎ ﻻ ﻴﻘل ﺍﺭﺘﻔﺎﻋﻬﺎ ﻋﻥ ﺴﺒﻌﺔ أﻤﺘﺎﺭ ﻴﺘﻭﺴﻁ ﺴﻘﻔﻬﺎ ﺼﺤﻥ. [caption id="attachment_5178" align="alignleft" width="789"]

حدبقة القصر المعلقه[/caption] أﻤﺎ ﺴﻁﺤﻬﺎ ﻓﻬﻭ ﻋﻠﻰ ﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﻘﺒﺎﺏ. ﻭأﻤﺎ ﻗﺼﺎﺭﺓ ﺍﻟﺠﺩﺭﺍﻥ ﻓﻜﺎﻨﺕ ﺘﺘﺄﻟﻑ ﻤﻥ ﺨﻠﻁﺔ ﻤﻥ ﺍﻟﺸﻴﺩ ﻭﺍﻟﻠﻴﻑ ﻭﺘﻌﺠﻥ ﺒﺎﻟﺯﻴﺕ ﺒﺩﻻﹰ ﻋﻥ ﺍﻟﻤﺎﺀ. ﻭﻴﺒﻠﻎ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﻐﺭﻑ ﻓﻴﻪ 144. ﻭﻓﻲ ﺒﺎﺤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺤﺔ ﺍﻟﻜﺒﻴﺭﺓ ﻟﻠﻘﺼﺭ، ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺘﻭﺴﻁﻬﺎ ﺤﺩﻴﻘﺔ، ﺘﻘﺒﻊ ﻨﺨﻠﺔ ﺒﺎﺴﻘﺔ ﻋﻤﺭﻫﺎ 150 ﺴﻨﺔ. ﻭﺘﺒﺩﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻬﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ ﺒﻘﺎﻴﺎ ﺍﻟﺩﻤﺎﺭ ﺍﻟﺫﻱ ﺨﻠﻔﹼﻪ ﺍﻟﺯﻟﺯﺍل ﺍﻟﺫﻱ ﻀﺭﺏ ﻨﺎﺒﻠﺱ ﻋﺎﻡ 1927. ﻭﻻ ﺠﺩﺍل ﻓﻲ أﻥ ﻤﺒﻨﻰ ﺍﻟﻘﺼﺭ ﺍﻟﻘﺩﻴﻡ ﻴﻌﺘﺒﺭ أﻀﺨﻡ ﻤﺒﻨﻰ ﻟﻭﺍل ﻤﺤﻠﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻬﺩ ﺍﻟﻌﺜﻤﺎﻨﻲ ﻤﻥ ﺤﻴﺙ ﺍﻟﺴﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﻌﻤﺎﺭﻴﺔ.
متخصصون ومهتمون ويقول مدير مركز إحياء التراث المهندس نصير عرفات: "القصور هي عبارة عن ملكيه خاصة، وبحكم التشعب أصبح عدد المالكين لها كبيرا، لهذا هناك إشكالية في أخذ القرار من أصحابها ولا يستطيعونَ الاتفاق على رأي واحد. وأموال الدعم تأتي للعامة وليس للخاصة، لهذا هناك مشكلتان الأولى إشكالية من المانح هدفها النفع العام وليس الخاص والقصور هي ملكية خاص، ثانياً الملكية الخاصة متشعبة يصعب أخذ القرار فيها ". ويضيف عرفات، "بخصوص عمليات الترميم حصل ترميم جزئي لقصر عبد الهادي، وكان الممول الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت من خلال مؤسسة التعاون. وككل بيت قديم يجب أن يتم ترميمه، ولكن هنا نتحدث عن تكلفة عالية ومبالغ طائلة غير متوفرة، لذا يجب أن يكون هناك توال في العمل لحمايتها وجانب فيزيائي بالترميم وجانب اجتماعي في توعية أصحابها ورفع قيمتها لديهم وتمكينهم من الاستفادة منها". أما معين عبد الهادي وهو من سكان القصر، فيقول: "القصر هو تراث فلسطيني وشيئ من رائحة الأجداد. ومن أجل أن لا تتم محاولة بيعه من قبل الأبناء عمل الجد على وقفه بالمحكمة. وفي حال انقطاع النسل يحول إلى بيت مال المسلمين". [caption id="attachment_5179" align="aligncenter" width="819"]

أثر قصف اسرائيلي حتى الان[/caption] ويقول مازن رسمي من قسم الآثار في جامعة النجاح: "دورنا للأسف محدودٌ جداً كون المؤسسات لا تتعاون في هذا المجال. وخاصه الدور الأساسي الواقع على وزارة الأثار، فتقصيرها رهيب، إذ لا يحظى هذا القصر باهتمامٍ كاف. وبالنسبة لوسائل الإعلام، فمن الضروري أن تعمل على ترسيخ هذا الموضوع وتقريب المواطن إلى التراث ونقله إلى كل بيت. وبدلا من تركيزها على المسسلسلات التركية، عليها أن تركز على المسلسلات التي ترسخ التراث كحال المسلسلات السورية". الكاتبة: روزين أبو طيون المحرر: عبد الرحمن عثمان
2014-04-16 || 20:37