وهل يوجد أعظم منها؟!
في الآونة الأخيرة كثرت الاعتقالات السياسية بحق أبناء شعبنا الفلسطيني. نرى جانباً آخر من تفاصيل حكاية هذه الصورة، تفاصيل حكاية أم.
من يعطي ومن يضحي ومن ينتظر أكثر منها؟ إنّها أم الأسير التي وهبت أغلى ما تملك لوطنها ولشعبها فلذة كبدها. فهي تتجرع ألم الشوق والانتظار ببعد أبنائها عنها في سجون الاحتلال.
تموت ألماً عندما يُجتث ابنها منها، وتراه يُؤخذ أمام عينيها وما بيدها حيلة لتمنعهم، تكاد تقول خذوني أنا ولا تأخذوا ابني، تعتصر ألماً وتنزف دمعتها حرقة على فراقه.
يبدأ رأسها بحصر جميع الاحتمالات الممكنة لما سيحل بابنها فور أخذه، والتساؤلات تتهاوى على رأسها كالحجارة، ماذا سيفعلون به؟ كيف سيكون؟ كيف سيأكل؟ كيف سينام؟ وأين هو؟
دموعها لا تكف عن الانهمار، وعيناها لا تستطيعان النوم، أنينها الموجع الصارخ في أزقة منزلها كفيل بإبقاء من في البيت مستيقظاً.
وتبدأ نار الحنين والشوق بأكل قلبها، ولكن نظراتها إلى صورة ابنها تخمد تلك النار ولو قليلاً، تحتضن صورة ابنها مراراً وتكراراً وتعلقها في أرجاء المنزل، فتشعر بوجودِهِ حولها.
أمل اللقاء
تلك اللحظة التي تنتظرها الأم ولا تنام ليلتها، عندما يسمح لها بزيارة السجن لترى ما حلّ بابنها، تريد أخذ كل شيء معها لتعطيه إياه، تلملم مشاعرها المضطربة وترسم بسمة تتناثر على ثغرها.
طوال الطريق ومع ضجيج الباصات المصحوب بضجيج أفكارها تتخيل لقاء ابنها، تشتاق للعناق وللحديث والسؤال، ولكن الطريق تطول عليها.
هي تعرف ولكنها تتجاهل
وماذا تقول لمشاعرها عندما تعرف أن ابنها لن يخرج من السجن أبداً إذا حُكم عليه بالمؤبد؟ وماذا تفعل إذا أحسّت باقتراب نهايتها ولم يخرج من السجن بعد؟ فهناك الكثير من الأمهات اللواتي توفين بانتظار رجوع أبنائهنّ.
وإن خرج من السجن بعد انقضاء مدة حكمه، فقد لا يسلم مرة أخرى من أيديهم، فالاحتلال مستمر بوحشيته لتمر على أمه نفس تفاصيل الحكاية الموجعة.
وماذا تفعل برغبتها بضم ابنها الى صدرها والحديث معه ورؤيته كيف يكبر وينجح أمامها؟ فتلك اللحظات المسروقة التي لا تتجاوز الدقائق عند لقائه لا تكفيها.
متسع لكل أمل
نرجع مرة أخرى الى الصورة، صورة ابنها التي تجد بها روحه. من الأمور المدهشة التي تتعلق بالصورة أن أمهات الأسرى يأخذن صور أبنائهن ويضعن لها أطراً خشبية ويتوجهن بها إلى خيام الاعتصام ويجلسن وهن يحتضنونها. والأدهش من ذلك عندما يأتي صحفي ومعه كاميرته، يقلن له: "صورني مع ابني"، وترفع الأم الصورة بجانب وجهها وتبتسم ابتسامة عريضة، تشعرك بوجودهِ معها حقاً.
هو معها
نعم لا تستغربوا، هو معها! فحديثها يحمل في طياتهِ اسمه، تذكره وكأنه ماثل أمامها، تشعر بقربه عندما تكون وحدها.
وهي ترى ابنها في غيرها، وتنظر الى هذا الطفل وذاك وتمسك بيده كي يكبر ويصبح ناجحا كما لو كان ابنها بل وأكثر.
فهذه الأم هي من تعلمنا كيف ننتظر ونحسب ونحسم أمورنا، وكيف نصبر على شدائد الأمور، وكيف نضحي بأغلى ما نملك لقاء الوطن والشعب، وهي التي تسطر أرقى معاني الامل: هي حلقة الوفاء المفقودة.
إنها لا تشبه أحداً ولا أحد يشبهها، إنها عظيمة.
الكاتبة: هبة بطة
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا المقال لا يعبّر بالضّرورة عن وجهة نظر دوز
2014-06-21 || 22:27