استقالة كريستيان أمانبور... اليمين يزحف إلى غرف الأخبار
الصحفية المخضرمة كريستيان أمانبور تعلن استقالتها من شبكة «سي إن إن» بعد 43 عاماً، بالتزامن مع استحواذ «باراماونت سكاي دانس» على الشركة المالكة للشبكة، وسط مخاوف بشأن حرية الصحافة الأمريكية.
بعد مسيرة مهنية امتدت لـ 43 عاماً في شبكة «سي إن إن»، أعلنت الصحفية المخضرمة كريستيان أمانبور إسدال الستار على هذا الفصل من حياتها. ما لبث أن احتلّ الخبر العناوين في مختلف أصقاع العالم، إذ تعدّ أمانبور أحد أبرز الوجوه الإعلامية التي واكبت محافل دوليّة وحروباً مختلفة خلال العقود السابقة.
لكن بينما فضّلت الصحفية المضي قدماً في قرارها بلا تقديم تفسير واضح، تزامنت خطوتها مع تغيّرات جوهرية طرأت على «سي إن إن». الشبكة التي لطالما قضّت مضجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ ولايته الأولى حتّى قراره الأخير بمنع مراسليها من الدخول إلى البيت الأبيض، شهدت أخيراً صفقة استحواذ بدّلت تموضعها السياسي بشكل حادّ. فالملّاك الجدد هم عائلة أليسون، الشهيرة بسخيها في تمويل «إسرائيل»، ومواقفها الواضحة في دعم ترامب. استقالة كريستيان أمانبور التي تدخل حيّز التنفيذ في منتصف العام المقبل، أتت بعد أسابيع على صفقة الاستحواذ. وقد لفتت في بيانها الإثنين الماضي إلى أنّها ستحافظ على استقلاليّتها حتّى نهاية عقدها مع الشبكة، رغم ما وصفته بـ «الضغوط السياسية والمالية غير المسبوقة».
نهاية حقبة
كشفت كريستيان أمانبور الإثنين الفائت أنّها ستنهي برنامجها اليومي على «سي إن إن» بحلول نهاية العام، على أن تستمر نسخة أسبوعية منه حتى حزيران (يونيو) 2027. ووصفت مسيرتها الحافلة في الشبكة بأنّها كانت «شراكة رائعة امتدت لـ 43 عاماً، وهي فترة تتجاوز عمر الكثير من الزيجات».
وأرجعت أمانبور قرار رحيلها إلى الواقع الحالي قائلة: «لطالما كنت مستقلّة وسأظلّ كذلك خلال فترة بقائي في الشبكة وبعد رحيلي منها»، مشيرة إلى وجود ضغوط غير مسبوقة من دون أن تتوسّع في هذا الجانب.
صنعت الصحفية البالغة 68 عاماً اسمها من خلال تغطيتها الأحداث الدولية، لا سيّما في مناطق الحروب. منذ انضمامها إلى «سي إن إن» في عام 1983، غطّت صراعات عدّة أبرزها حرب الخليج الأولى عام 1991 وحروب البوسنة ورواندا وأفغانستان وإيران وأوكرانيا.
خلال تغطيتها للمجازر المروّعة التي حصلت في البوسنة، اشتهرت المراسلة بعبارة دأبت على تكرارها في ختام برامجها: «الحقيقة أوّلاً، لا الحياد». وستستمرّ أمانبور، التي تحارب السرطان منذ عام 2021، في تقديم برنامجها الصوتي الخاص (بودكاست) بالتعاون مع زوجها السابق جيمي روبن. أمّا «سي إن إن»، فنشرت الخبر من دون إيضاح أسباب الافتراق بين الجانبين. كما وصف مدير الشبكة، مارك طومسون، أنّ «توقيت الاستقالة مناسب على المستويين الشخصي والمهني».
استحواذ... فاستقالة
أتت استقالة أمانبور بعد حوالي أسبوعين من إعلان استحواذ «باراماونت سكاي دانس» على الشركة المالكة لـ «سي إن إن»، «وارنر براذرز ديسكفري»، في صفقة بلغت نحو 81 مليار دولار من دون احتساب الديون. الصفقة التي أُعلن عنها في 6 تشرين الأول (أكتوبر)، وضعت إحدى أبرز الشبكات الإعلامية الأميركية والعالمية تحت كنف الرئيس التنفيذي لـ «سكاي دانس»، ديفيد إليسون.
منذ الكشف عن عملية الاستحواذ، ضجّت الأوساط الإعلامية والسياسية بالاندماج ومخاطره على حريّة الصحافة. كما واجهت الخطوة معارضة واسعة من العاملين في هوليوود الذين أعربوا عن قلقهم إزاء تزايد تركّز السلطة في صناعة تهيمن عليها حفنة من الشركات. ووصل الأمر إلى المحافل القضائية، إذ رفع ائتلاف يضمّ 12 مدعياً عاماً من مختلف الولايات تقوده كاليفورنيا، دعوى قضائية لمنع الصفقة، إضافة إلى دعوى منفصلة مقدّمة من نقابة الكتّاب الأميركية.
في مواجهة المخاوف السياسية والتجارية، قال ديفيد إليسون إنّه يعد بالحفاظ على الاستقلالية التحريرية لـ «سي إن إن». غير أنّ ذلك يصطدم بحقيقة أنّ والده، لاري إليسون، يعدّ داعماً مالياً رئيسياً للصفقة. ولاري هو الشريك المؤسس لعملاق التكنولوجيا «أوراكل»، ولا يخفي الرجل الذي تُقدّر ثروته بحوالي مئتي مليار دولار وسبق أن تربّع على عرش الأغنى في العالم خلال العام الماضي، علاقته الوثيقة سواء بدونالد ترامب عبر التبرّع لحملاته، أو انحيازه لـ «إسرائيل» التي يواكب تمويلها.
مسار واحد
من جهة أخرى، تتزامن عملية الاستحواذ بعد ذهاب ترامب إلى خيار غير مسبوق تمثّل في منع مراسلي «سي إن إن» من دخول البيت الأبيض، مما أثار جدلاً واسعاً في واشنطن. منذ عام 2016، عانت الشبكة من تخبّط الرئيس الأميركي في التعامل مع الإعلاميين عموماً.
ودأب ترامب على توجيه سيلٍ من الإهانات إلى الشبكة ومراسليها في محطّات عدّة، حتّى وصل به الأمر إلى وصف أخبارها على الهواء مباشرة بأنها «زائفة».
بذلك تسلسلت الأحداث تباعاً، رغم عدم وجود إفصاح من الأطراف المعنية بوجود رابط، إلّا أنّ مشكلة ترامب مع «سي إن إن» تبعها استحواذ صديقيه ديفيد ولاري إليسون على الشبكة. وفي غضون أسابيع قرّرت كريستيان أمانبور إنهاء علاقة دامت لأكثر من أربعة عقود بسبب حرصها على «الاستقلالية» المهنية.
ولا يُعدّ هذا السيناريو بالجديد. بعد خسارة ترامب السباق الرئاسي أمام الرئيس الأسبق جو بايدن في عام 2020، ورفضه الاعتراف بالهزيمة وما تبع ذلك من اقتحام مناصريه اليمينيين لمبنى الكونغرس الأميركي، تأزّمت علاقة الرئيس الجمهوري بوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
والأخيرة قرّرت حظر حسابات ترامب على منصّاتها. في مواجهة ذلك، استحوذ حليفه إيلون ماسك على منصّة «تويتر» (إكس حالياً)، وكان أحد أول قراراته إعادة تفعيل حساب دونالد ترامب عليها. الجدير بالذكر أنّ انقضاض عائلة إليسون الصهيونية على «سي إن إن» وغيرها من شبكات البثّ واستوديوهات هولييود الكبرى، يأتي بالتزامن مع سياسة إعلامية إسرائيلية مستجدّة تهدف إلى مجابهة التبدّل الحادّ في الرأي العام الأميركي من جهة النظرة إلى الاحتلال. بذلك يعمل مساران، الأوّل مدفوع بميزانية تاريخية في مجال البروباغندا الإعلامية من قبل الحكومة الإسرائيلية، والآخر من داخل الولايات المتحدة عبر اليمين الأميركي الصهيوني للانقضاض على حريّة التعبير بأشكالها المتعدّدة.
المصدر: وكالات
2026-10-23 || 11:20