الحرب وفلسطين يخيّمان على دور نشر معرض بيروت للكتاب
بين الحرب وفلسطين وأزمة صناعة الكتاب، تدخل الدورة الـ67 من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، محمّلة بأسئلة تتجاوز جديد الناشرين. الرواية تحافظ على حضورها، فيما يتزايد الإقبال على الفكر والسياسة لفهم التحولات الراهنة.
بين الحرب وفلسطين وأزمة صناعة الكتاب، تدخل الدورة الـ67 محمّلة بأسئلة تتجاوز جديد الناشرين. الرواية تحافظ على حضورها، فيما يتزايد الإقبال على الفكر والسياسة لفهم التحولات الراهنة. وبين ارتفاع كلفة النشر وتراجع القدرة الشرائية، تتمسك بيروت بدورها مركزاً للطباعة والترجمة والنشر العربي
في كل دورة، يدخل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» قاعته مُحمّلاً بأكثر من عناوينه الجديدة. يدخل حاملاً معه تاريخ المدينة، وما مرّت به من متاعب وأحداث ونقاشات. ورغم أنّ دورته الـ67 تحمل رقماً لا يُسعد الذاكرة العربية، إلا أنّها تُفسّر دخول الحرب وفلسطين إلى المعرض بوصفهما ضيفين رئيسيين، تُشّرع لهما دور النشر أجنحتها للمشاركة بكتاب أو ندوة وربما صورة وقصيدة.
السيرة والمدينة في الصدارة
في دورته السابعة والستين، تبلغ دار «الآداب» عامها السبعين. مناسبة لا تريد مديرة إحدى أعرق دور النشر في العالم العربي رنا إدريس أن تسميها احتفالاً في هذا الوقت الصعب الذي يمر به لبنان، بل تراها فرصة للتفكير في الاستمرار، فترفع شعار «الثقافة ليست مشروعاً مؤجلاً»، وتفتح في ثالث أيام المعرض جلسة حوارية بعنوان «ذاكرة ناشرة بيروتية مع الكِتاب والكتّاب».
وتستضيف «الآداب» في جناحها واسيني الأعرج وطارق بكاري والحبيب السالمي وعبد الإله بن عرفة ولينا هويان الحسن وبسمة الخطيب، على أن يدير الحوارات طلبة قسم الأدب العربي. وتعود بيروت وحربها ونكباتها إلى الواجهة مع «أهل الماء والنار» لطارق العريس، و«غيبة ميّ» لنجوى بركات، ورواية لورا مقدسي «سامي هاني خواجة» المتمحورة حول انفجار المرفأ.
وفي «النهار» تحية إلى غسان تويني في مئويته، بندوة يشارك فيها رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة ومروان حمادة وناصيف حتي، فيما تلفت الدار بتواقيع منها «حول العقل الإسلامي» لمالك أبو حمدان و«غازي كنعان، صانع دولة الدمى» لنقولا ناصيف.
أما «الرافدين»، فتأتي بأكثر من خمسين عنواناً جديداً، وتستضيف خزعل الماجدي، القادم من هولندا، في ندوة وتوقيع حول «موجز تاريخ الحضارة»، وهو كتاب يصفه ناشر الرافدين محمد هادي بأنه «تأسيسي جداً».
وتتصدر السيرة رفوف «نوفل ـ هاشيت أنطوان»، في مقدمتها «قدر في هذا المشرق» لوليد جنبلاط الذي تقول مديرة التحرير في الدار رنا حايك إنّه «مطلوب جداً»، و«على خشبة الحياة» لرفيق علي أحمد الذي يستعيد الحرب والمسرح وشارع الحمرا، و«وردة ريتسوس: سير وأسرار» لأحمد علي الزين الذي يتجاوز صاحبه إلى جيله ومدنه العربية. وتحضر الصحافة في «صحافي من عصر مضى» لمها زراقط عن طلال سلمان، من الطفولة والمطابع إلى تأسيس «السفير» وإغلاقها.
وتتسع القائمة للسياسة مع «سوريا سقط الأبد: هل ينجو البلد؟» لسامي كليب وعمر كايد، ولترجمات منها «نحو الأرض الجديدة: الدفعات الثلاث من المتطوعين» لنبيلة يوسف فقيه و«نادي نساء الحرب» لهالة كوثراني. ويلفت في قائمة الدار دخول المؤثرين إلى النشر مع «ماذا لو؟ خانك جسدك؟!» لإيمان صبحي، وهو أول كتاب لمؤثر تصدره «نوفل» ويقوم على تجربتها الشخصية مع المرض.
فلسطين جوهر الحكاية
«العرب لا يقرأون التاريخ، وإذا ما قرأوه، سرعان ما ينسونه» هذا مضمون عبارة نقل عن لسان الجنرال «الإسرائيلي» الميت موشي ديان. لكنْ لدور النشر المشاركة في معرض بيروت رأي آخر، إذ تخصص جزءاً كبيراً من إصداراتها حول فلسطين. استجابةً لوعي ثقافي وحركة شعبية تريد أن تعرف أكثر عن عدوها، وتناهضه في الساحات المعرفية أيضاً.
تدخل «الآداب» المعرض بنحو 35 إلى 40 إصداراً جديداً، مع حضور واضح للأدب الفلسطيني، إذ تقول رنا إدريس إنّ «فكرة تحرير فلسطين هي في جوهر الدار»، ولذلك تهتم بدعم مشروع أدب الأسرى. لا يعني ذلك، بالنسبة إلى الدار، التخلي عن معاييرها الأدبية لصالح الظرف السياسي؛ بل تؤكد إدريس أن ما تنشره من هذا الأدب يخضع للمعايير نفسها التي تعتمدها في أي كتاب يحمل اسم «الآداب».
في القائمة الجديدة من أدب الأسرى، تستمر الدار في احتضان مشروع الأسير الفلسطيني المحرر باسم خندقجي بالجزء الثالث بعنوان «فراشات مريم الجليلية»، بعد «قناع بلون السماء» الحائزة جائزة «بوكر» العربية عام 2024. ويحضر الأسير ناصر أبو سرور في «على سرير الكتابة»، ووليد دقة في مذكراته «بائع التذاكر»، فيما تعود عدنية شبلي برواية «تمويه».
كما تصدر الدار «لا بريد إلى غزة» للكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي، و«غزة الناجية الوحيدة» لغادة الخوري، التي تقرأ غزة من موقع لبناني، في ما تعتبره إدريس تعبيراً عن همّ مشترك بين الشعبين. وتستعيد هنا عبارة سماح إدريس «إذا تخلينا عن فلسطين، تخلينا عن أنفسنا». وهي، بالنسبة إليها، جزء من رسالة «الآداب» منذ تأسيسها.
وتعود منشورات «تكوين» إلى المعرض بعد حضورها سابقاً عبر وكلاء، بنحو 35 إصداراً خلال العام، من بينها مجموعة من الكتب الفكرية التي تعكس أحد خطوط الدار الأساسية، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، في مقدمتها «إسرائيل على حافة الانهيار» للمفكر إيلان بابيه، و«وهم الحضارة الغربية: ما بعد الإبادة الجماعية في غزة» لحميد دباشي. ويشرح مدير المنشورات والشريك المؤسس في «تكوين» الشاعر محمد العتابي أنّ الدار تركز على الكتب التي «تشتبك مع الدعاية الصهيونية وتنصف الحق الفلسطيني».
في المقابل، تقارب «الساقي» الموضوع من بوابة الفكر والتاريخ، عبر «فلسطين كما أشرحها للعالم» لإلياس صنبر، و«غزّة، معنى الكارثة: حرب الإبادة في منظور التاريخ العالمي» لجلبير الأشقر، ضمن قائمة واسعة تدخل بها الدار المعرض.
الكتب الفكرية والأدبية تحافظ على حضور قوي للنسخة الورقية، فيما يبرز الكتاب الإلكتروني أكثر في بعض المجالات الأكاديمية (محمد العتابي)
أما في مشاركة دار «أبعاد»، فتبدو فلسطين في صميم اهتمامها، كامتداد لهوية فكرية واضحة. يبرز هذا العام كتاب «مشروع إسرائيل الكبرى – دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني» للدكتور أسعد رزوق، الصادر في عمل مشترك بين «أبعاد» و«دار نلسن»، وتناقشه الدار في ندوة بإدارة الكاتب والناشر سليمان بختي. وتتسع هذه الهوية في عناوين أخرى، من بينها «الوعد المشؤوم وموقع سعاده من وعد بلفور» لعادل بشارة، و«قدسنا الأسرلة والتهويد» و«عين على فلسطين» لسعيد أبو علي.
الناشر في مواجهة السوق
في أعقاب موجات التضخم والانهيار الاقتصادي، دخل الكتاب وصناعته في بيروت معركة جديدة للبقاء. ارتفعت كلفة العمل في مجال الطباعة والنشر، فيما تراجعت القدرة الشرائية للقارئ.
لا يختلف الناشرون على تشخيص الأزمة. يعدد مدير «الرافدين» محمد هادي ارتفاع كلفة الورق والحبر والترجمة والتحرير والشحن وإيجارات الأجنحة، فيما يصعب تحميل القارئ هذه الزيادات. وتضيف مديرة «الساقي» رانيا المعلم كلفة حقوق الترجمة والمشاركة في المعارض إلى قائمة الأعباء التي تثقل صناعة الكتاب.
أما مدير «أبعاد» سركيس أبو زيد، فيشير إلى ضغوط اقتصادية متراكمة على سوق الكتاب اللبناني، من ارتفاع كلفة الإنتاج والشحن إلى كلفة المشاركة في المعارض العربية، ما دفع بعض دور النشر إلى الاعتماد على الوكلاء لتخفيف أعباء الحضور المباشر.
ولا يبدو الناشر اللبناني، حتى في معرض مدينته، بمنأى عن هذه الضغوط. يوضح أبو زيد أن الناشرين المحليين يحصلون، في عدد من البلدان العربية، على تخفيضات تشجيعية في رسوم المشاركة خلال الأزمات، فيما لم يحصل الناشر اللبناني هذه السنة على تخفيض مماثل، رغم طرح المسألة مع الجهات المنظمة.
على الضفة الأخرى من المعادلة، المتعلقة بتراجع القدرة الشرائية للقارئ، تقول المعلم إن هذه هي المشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى «الساقي»، فقد يدخل القارئ المعرض راغباً في شراء خمسة كتب، لكنه يخرج بكتاب أو اثنين.
ويصف إميل تيان، المدير التنفيذي لـ«هاشيت أنطوان»، سوقاً متراجعة تحت ضغط الأزمات المالية والأمنية، إلى جانب غياب جزء كبير من السياحة العربية التي كانت تسهم في تنشيط مبيعات الكتب في بيروت.
لا تتوقف التحديات عند بيع الكتاب، بل تمتد إلى إنتاج أسماء جديدة. تراهن «الآداب» هذا العام على إبراهيم الرياحي، الفائز بـ«جائزة أسماء صديق للرواية الأولى» عن روايته «النسخة التي لم تعش»، ضمن مشروع ترى فيه الدار مساحة لدعم الأصوات الروائية الجديدة، في وقت بات فيه إطلاق الكتاب الأول أكثر كلفة وصعوبة.
قد لا تبدو أرقام معرض بيروت مغرية، من حيث الربحية، مقارنة ببعض المعارض العربية، لكن «الآداب» ترى أن السوق اللبنانية لا تزال من الأسواق المهمة لها، بعدما أثبتت الدورات السابقة قدرتها على تحقيق مبيعات وإقبال يحافظان على موقع بيروت في خريطة النشر العربي.
حلول من قلب الدار
أمام ضغوط السوق، تعيد دور النشر النظر في مراحل عملها. وبالنسبة إلى محمد العتابي، فإن الطريق من المطبعة إلى القارئ بات أكثر كلفة، ولذلك خفّضت «تكوين» كميات وأعداد طبعاتها، التي كانت تصل في بعض الإصدارات إلى آلاف النسخ، لتصبح «على قدر الاحتياج». فالمسألة لم تعد مرتبطة بكلفة إنتاج الكتاب وحدها، بل بحجم المخاطرة التي يستطيع الناشر تحملها.
وتسلك «الساقي» اتجاهاً مشابهاً، عبر طبعات بأحجام أصغر وإعادة الطباعة وفق الطلب، إلى جانب حساب أدق لعدد الإصدارات وتوقيت صدورها. فالكتاب، تقول المعلم، يصل إلى نقطة يصبح عندها رفع السعر «مشكلة أكبر إذا فقد القارئ القدرة على شرائه أصلاً». أما «الرافدين»، فتحاول التعامل مع المعادلة عبر ضبط الأسعار والخصومات وتقليص هامش الربح وتأجيل بعض المشاريع عند الضرورة. في المقابل، لجأت دور أخرى، بحسب أبو زيد (أبعاد)، إلى الاعتماد على الوكلاء لتخفيف كلفة الحضور في المعارض؛ وهو ما يفسر أيضاً حضور «تكوين» في دورات سابقة من معرض بيروت عبر وكلاء، قبل أن تعود هذه الدورة بمشاركة مستقلة.
بيروت: الحديقة الخلفية للكتاب
لم تعد بيروت السوق الأكثر نشاطاً للكتاب كما كانت، ولا الواجهة الرئيسية لحركة الكتاب والأدباء العرب، لكنها لم تخرج من صناعة الكتاب نفسها. حافظت على موقع أساسي في البنية التحتية للنشر، من الطباعة إلى الشحن والخدمات اللوجستية. والتي تلخصها عبارة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ».
وفي رأي محمد العتابي، «تظل عاصمة من عواصم الكتب العربية»، حتى بعدما انتقل جزء من الثقل التجاري إلى معارض وأسواق أخرى في الخليج ومصر، بفعل تراجع القدرة الشرائية وتداعيات الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.
لكن ما خسرته المدينة من موقعها كسوق، احتفظت بجزء كبير منه بوصفها مركزاً لصناعة الكتاب. يصف العتابي المدينة بأنها «العاصمة اللوجستية الأولى من حيث الطباعة والشحن في الوطن العربي». وتجربة «تكوين» نفسها مثال على ذلك؛ فالدار تطبع إصداراتها في لبنان، بما فيها كتب موجهة إلى أسواق العراق والكويت، وتعتمد على الخدمات اللوجستية اللبنانية لشحن الكتب وتوزيعها. خدمات لا تقتصر على دار واحدة، إذ تعتمد دور ومكتبات عربية عدة على المطابع ومستودعات التخزين في بيروت.
لا تتوقف قيمة المدينة عند الطباعة والشحن. يضيف إميل تيان، المدير التنفيذي لـ«هاشيت أنطوان»، عنصراً آخر يراه أساسياً في موقع بيروت العربي: «حرية الناشر»، التي يعتبرها «اعتباراً لا يثمّن». منذ خمسينيات القرن الماضي، شكّل لبنان مساحة للنشر والتداول أمام كتب ومجلات ونشرات وبيانات سياسية كانت تواجه المنع أو المصادرة في بلدان عربية أخرى. لعل عنوان «الحديقة الخلفية» يصف هذا الدور الجديد بدقة، المكان الذي يُطبع فيه ويُخزّن ويُشحن ويجد فيه الناشر هامشاً أوسع للعمل والحركة.
الورق لا يزال عملة رائجة
في مواجهة التحولات التقنية وضغوط السوق، يبقى التمسك بالكتاب الورقي ركناً أساسياً في استراتيجيات دور النشر. يتعامل محمد هادي مع التحول الرقمي بحذر، لكنه لا يرى فيه نهاية للكتاب الورقي، الذي يصف علاقته بالقارئ بأنها «علاقة روحية». كذلك، لا يرى سركيس أبو زيد أن صعود الكتاب الإلكتروني والصوتي ينتقص من حضور الورق. «لا شيء يوازي ملمس الكتاب ورائحته»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن القارئ بات يستخدم أكثر من صيغة، بحسب حاجته وسياق القراءة. وهو ما يلتقي مع محمد العتابي في وصف العلاقة بين الصيغ المختلفة بأنها «تكاملية»، إذ تتفاوت الأفضلية بحسب نوع الكتاب؛ فالكتب الفكرية والأدبية لا تزال تحافظ على حضور قوي للنسخة الورقية، فيما يبرز الكتاب الإلكتروني أكثر في بعض المجالات الأكاديمية.
لكن الملاحظة الأكثر لفتاً تأتي من «دار النهار»، التي ترصد تحولاً في سلوك القارئ نفسه: «عم نشوف، عم نلاحظ عودة للطبعة الورقية، للكتاب الورقي». ولا تحدّد الدار سبباً واحداً لهذه العودة؛ ربما هدأت موجة المنصات الرقمية وملفات PDF بعدما كانت «ترند»، وربما اكتشف القارئ أنّ ثمة ما لا يعوّضه الشكل الرقمي.
ماذا تقرأ بيروت اليوم؟
«كانت كتب الشعر أكثر رواجاً في السبعينيات، ثم برزت كتب التراث في الثمانينيات، والكتب الدينية في التسعينيات، قبل أن تتقدم كتب التنمية البشرية مع بداية الألفية الثانية حتى 2010. وبعد عام 2010 استعادت الرواية حضوراً قوياً، ولا تزال تحافظ على مبيعات جيدة حتى اليوم، وإن بدت صورة ما بعد 2020 أكثر التباساً بفعل التحولات التكنولوجية وصعود الذكاء الاصطناعي» هكذا يرصد مدير «الرافدين» محمد هادي تحولات ذائقة الجمهور العربي. ويوافقه جزئياً محمد العتابي بأنّ القارئ العربي شهد تحولاً خلال السنوات الأخيرة؛ فبعد فترة غلب فيها حضور الرواية والأدب، «صار هنالك توجه أيضاً إلى الكتب الفكرية».
من جهتها تلاحظ رانيا المعلم (الساقي) قارئاً «أكثر انتقائية»، يبحث عما يساعده في فهم السياسة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية وعلم النفس والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من دون أن تتراجع الرواية. ويضع سركيس أبو زيد الكتب السياسية والروايات في مقدمة الطلب، تليها الكتب الأكاديمية التي يرتبط جمهورها بالطلاب والباحثين وطلاب الدراسات العليا. ولا تنفصل حركة المبيعات، في رأيه، عن «أحداث الساعة»، إذ تتداخل فيها عوامل عدة، من اسم الكاتب إلى موضوع الكتاب.
لكن حياة العنوان لا تنتهي بالضرورة عند لحظة صدوره. تشير المعلم إلى أن حدثاً سياسياً أو نقاشاً على وسائل التواصل قد يعيد كتاباً قديماً إلى الواجهة، ولذلك تراهن «الساقي» على بناء «كاتالوغ يعيش طويلاً»، لا على العناوين التي تحقق مبيعات سريعة فقط.
وفي «دار النهار»، لا تفضل المديرة الإدارية كارلا زيادة الحديث عن «كتاب المعرض» بوصفه عنواناً واحداً يتصدر المشهد «نحن بنراهن على كل إصداراتنا». لذلك تتوزع المبيعات بين كتب قديمة وصلت إلى طبعات متقدمة، وعناوين جديدة تتحرك بسرعة، وأخرى تحتاج وقتاً أطول.
ويظهر هذا التنوع في قوائم الدور المشاركة. في «تكوين»، تتجاور الأعمال الفكرية والسياسية، من «الفاشيات الليبرالية» لسلافوي جيجيك، الذي تستعد الدار لإصداره، إلى ثلاثية ريتشارد وولف. وفي «الساقي»، تمتد القائمة من كتب تواكب التغيرات مع «اعترافات AI حزين» للروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري إلى كتب في النسوية والسياسة وما بعد الحقيقة والنقد الثقافي، إلى جانب حضور أسماء أدبية راسخة مثل أدونيس، وروايات تستمر في حياتها التجارية، بينها «بنات الرياض» لرجاء الصانع و«موت صغير» لمحمد حسن علوان، الذي تستعد الدار لإصدار طبعته الرابعة والعشرين.
أما «الرافدين»، فتقدم عناوين مرجعية وفكرية كبيرة الحجم، بينها «دليل أوكسفورد في علم اجتماع الشرق الأوسط» و«دليل روتليدج في الذكاء الاصطناعي والآداب»، إلى جانب أعمال في التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية، وكتب تتناول القراءة والمكتبات، بينها «جنون الكتب».
وتتحرك «أبعاد» بدورها بين الفكر والتاريخ والقضايا الاجتماعية والأدب والشعر، فتضم قائمتها أعمالاً تتناول تحولات المجتمعات العربية، إلى جانب كتب عن التاريخ الديني والسياسي وأعمال لنصري الصايغ. ويمتد هذا التنوع إلى أدب الأطفال، من خلال سلسلة «مغامرات جاد» لربى سركيس أبو زيد، بالعربية والإنكليزية، التي تتناول تجربة طفل لديه طيف التوحد وعلاقته بمحيطه.
الرواية العربية: أصوات جديدة وعودة إلى الحكاية
إذا كانت الرواية لا تزال تحتفظ بموقعها في سوق الكتاب، فإن قوائم الدور المشاركة تكشف عن مشهد عربي متعدد الأصوات والأجيال. في «الآداب»، تفتح الخريطة الروائية هذا العام على أسماء وتجارب تتقاطع فيها الذاكرة والتاريخ والسياسة والأسئلة الشخصية.
يقدم المغربي طارق بكاري «أرشيف الظل الأسود»، في رواية تتقاطع فيها آثار الاستعمار مع الحياة العاطفية والثقافية، فيما يحضر السوري سومر شحادة بـ«حكاية السيد البرغي»، التي تتناول الرقابة وتأثيرها على القراءة في قالب روائي. أما لينا هويان الحسن، فتعود إلى تقاليد الحكاية العربية في «خطف الماردات»، فاتحة الرواية على عوالم الجن وبادية الصحراء السورية.
وتدخل بسمة الخطيب المعرض برواية «حائكات الأزل»، عن نساء مقموعات في التاريخ ورسائل سرية للخلاص والاستقلال المادي تمر عبر حياكة الدانتيل. وترى الناشرة رنا إدريس في العمل «لغة جديدة وطازجة» لدى الكاتبة.
ويعود واسيني الأعرج بعملين «شريد الديار»، الجزء الثاني من مشروع «الأمير» عن الأمير عبد القادر الجزائري، و«الريمتي» عن الفنانة الشيخة ريمتي ودورها في تأسيس موسيقى الراي الجزائرية.
ويعود الحبيب السالمي، التونسي الفرنسي، إلى «الآداب» ضمن مسيرة طويلة مع الدار، في رواية تواصل اشتغاله على العلاقة بين الشرق والغربة، لكن من خلال التفاصيل اليومية والعلاقات الإنسانية أكثر من الصدامات الكبرى.
أما عالية ممدوح، فتقدم «خلوة النقص»، حيث يدخل مرض الكاتبة إلى صلب التجربة الأدبية، في نص تصفه إدريس بأنه مؤلم، لكن ألمه يتحول إلى مادة أدبية ذات قيمة، ضمن ما بات يعرف بـ«أدب المرض».
ومن الروايات الجديدة التي تطرحها «دار الساقي» أيضاً «هسّ» للكاتب اللبناني رشيد الضعيف، و«غرفة المرايا» للكاتب السوري رامي طويل، حيث تختلط الحقيقة بالخيال في أجواء سردية مشوقة.
وفي «تكوين»، تحضر الروائية والناشرة الكويتية بثينة العيسى بروايتها «البستانيون»، وهي ديستوبيا مستقبلية تتخيل عالماً تتراجع فيه الدولة لمصلحة شركات متعددة الجنسيات تدير العالم بواسطة الذكاء الاصطناعي، فيما تظهر «جيوب البستانيين» بوصفها مساحات للمقاومة. ولا يغيب الروائي عن قوائم «الرافدين» أيضاً، مع «قصة لم تبدأ بعد» لوليد سعد، و«زياح» لمنير الحايك، ضمن حفلات التوقيع التي ترافق مشاركة الدار.
المصدر: الأخبار
2026-10-03 || 10:54