"الجدار": قرية تختفي أمام الكاميرا!
فيلم "الجدار" للمخرجة سيمون بيتون، الذي صدر عام 2004، يوثق بناء الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية وشهادات فلسطينيين وإسرائيليين حول آثاره.
قبل الضجة التي أحدثها وثائقي "نازا" NAZA ليوفال أبراهام وراحيل شور، بشهاداته عن آليات القصف وقتل المدنيين في غزة، كان "الجدار" للمخرجة سيمون بيتون قد طرح، منذ العام 2004، سؤالاً عن أثر السياسات الإسرائيلية في حياة الفلسطينيين. ورغم اختلاف الزمن والمكان، يلتقي الفيلمان عند سؤال واحد: ماذا تكشف الكاميرا مما تحجبه الرواية الأمنية الإسرائيلية؟
حقول خضراء، وأشجار زيتون، وقرى ترتفع مآذنها في الأفق. ثم تتحرك رافعة، ويستقر لوح خرساني ضخم أمام المشهد. يأتي لوح ثان، ثم ثالث، حتى يغيب ما كان ظاهراً قبل لحظات. لا انفجار ولا انهيار، القرية باقية، لكن الجدار حجبها. في هذا المشهد من وثائقي الجدار، تجعل سيمون بيتون المتفرج شاهداً على لحظة يتحول فيها مكان قريب إلى عالم لا يمكن رؤيته.
صدر الفيلم العام 2004، بعنوان Mur بالفرنسية/Wall بالإنكليزية، وعرض ضمن نصف شهر المخرجين في "كان". وعلى امتداد نحو مئة دقيقة، تسير الكاميرا بمحاذاة ورشة بناء الحاجز الإسرائيلي في الضفة الغربية ومحيطها. تراقب الخرسانة وهي ترتفع، وتستمع إلى من يتغير يومهم مع تقدم البناء. ومن هذه اللقاءات تتشكل حكاية أرض يجري تقطيعها، وأناس يجدون أنفسهم فجأة على الجانب الآخر من حياتهم المعتادة.
جدار يشطر هوية صاحبته
بدأت حكاية الفيلم أمام شاشة التلفزيون. في صيف 2002، شاهدت بيتون إعلاناً إسرائيلياً يقدم الحاجز باعتباره حلاً للمشكلات الأمنية. أقلقتها الفكرة إلى حد أنها لم تستطع النوم تلك الليلة. كانت ترى في الفصل تهديداً يمسها شخصياً، ولدت في المغرب لأسرة يهودية، وانتقلت إلى القدس العام 1966، ثم عاشت في فرنسا، محتفظة بالعربية والعبرية والفرنسية داخل تجربتها.
تصف بيتون نفسها بأنها يهودية عربية، وهو تعريف يصعب اختزاله في جانب واحد من الحاجز. لذلك شعرت بأن الجدار يشطرها وينكر إمكان العيش بين ثقافتين. لكن الذهاب إلى موقع البناء أضاف إلى قلقها سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث للسكان عندما يمر هذا المشروع بين بيوتهم وأراضيهم؟
وفي مقابلة مع صحيفة "لوماتان" المغربية، أوضحت أنها رأت فيه أداة لاقتطاع الأرض وفصل الفلسطينيين بعضهم عن بعض.
أرادت تسجيل اللحظة قبل أن يصبح الجدار مشهداً مألوفاً. بدأت استطلاع المواقع في كانون الثاني/ يناير 2003، تتنقل بكاميرا صغيرة وتدون ملاحظاتها. كانت أجزاء من الجدار والخنادق تظهر هنا وهناك، وكان عليها أن تلاحق مساراً يتغير على الأرض. وفي حزيران/ يونيو، انطلقت مع فريقها للتصوير، يحملون معداتهم وأسئلتهم إلى ورشة تمتد عبر حياة الناس.
بُناة ما يحاصرهم
تصل الكاميرا إلى مصنع الألواح الخرسانية، ثم إلى العمال الفلسطينيين المشاركين في البناء. وجودهم يضع أمام المشاهد مفارقة يصعب تجاوزها، أيد فلسطينية تسهم في إقامة الحاجز الذي يضيق على مجتمعها. وتلتقي بيتون سكاناً على جانبيه، فيما تسبق أصوات المارة ظهور الوجوه على الشاشة. يلفت أرشيف مهرجان إدفا إلى هذا الاختيار، الذي يوحي بأن الجدار جعل أصحابه غير مرئيين قبل أن نتعرف إليهم.
بين هؤلاء مزارع فلسطيني أصبحت أشجاره في أرض يتعذر عليه بلوغها. كانت ثمارها قد ساعدته في دفع تكاليف الدراسة الجامعية لبناته، والآن يقف حاجز بينه وبين مورد رزقه. عبر هذه الشهادة، يكتسب فقدان الأرض معنى يومياً واضحاً، سنوات من العمل، وتعليم الأبناء، ومستقبل الأسرة، تتعلق بإمكان الوصول إلى بستان.
ومن الورشة تنتقل الحكاية إلى مكتب عاموس يارون، المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك. هناك يحضر المشروع بلغة رسمية، ويشرح المسؤول مبرراته. تقول بيتون إنها طرحت أسئلة تقنية وأبقت الإجابات في مقاطع طويلة، من دون تشويهها. يكفي تجاور تلك الإجابات مع شهادات السكان ليظهر الاختلاف بين رؤية الجدار من وراء مكتب، ومواجهته عند الطريق إلى الأرض.
وقت لرؤية ما يختفي
تمنح بيتون اللقطات الواسعة وحركات الكاميرا الطويلة مساحة كبيرة، وتترك الأصوات والصمت يعملان داخل المشهد. ففي وصفها للفيلم، يشغل الأفق والسماء والأرض مكان الشخصيات. هكذا يمنح مشهد الألواح الخرسانية المشاهد فرصة متابعة الاختفاء خطوة خطوة، بدل تلقي صورة سريعة لجدار مكتمل.
وقد أخذ على الفيلم نقص الخلفية التاريخية للأحداث التي سبقت البناء. بيتون تركز على التجربة المباشرة وآثار الفصل، ولا تقدم رواية شاملة للصراع. ومع ذلك، وجد أسلوبها صدى دولياً، ونال الجدار جائزة خاصة من لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية العالمية في "صندانس" 2005.
أما أحد أبلغ الوقائع المرتبطة بالفيلم، فروتها بيتون عن عرضه في أبو ديس، بمبادرة من مهرجان السينما الفلسطيني في رام الله، إذ عُرض "الجدار" على جدار الفصل نفسه. لوقت قصير، تحولت الخرسانة التي تحجب المنظر إلى شاشة تعيد الأرض والناس إلى مجال الرؤية.
الكاتب: شفيق طاهر/ المدن
2026-09-30 || 18:58