"يوم محمود درويش الشعري" في باريس ومدن أخرى
تحتفي مدن عربية وأجنبية بالشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش عبر تظاهرة ثقافية دولية تستعيد شعره وإرثه الفني والإنساني.
ينظّم كل من مركز بومبيدو ومعهد العالم العربي في باريس تظاهرة احتفاء بالشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وذلك من خلال 30 فضاء داخل فرنسا وخارجها، وتحمل عنوان "يوم محمود درويش الشعري"، حيث تحضر القصيدة الفلسطينية في مدن بعيدة عن فلسطين، عبر أشكال متنوعة من الاستلهام وإعادة القراءة والتمثيل، مع توزّع برامج الاحتفاء على 15 مدينة، في الفترة بين 25 و27 سبتمبر/ أيلول الجاري.
درويش في ذاكرة الفن والشارع الفلسطيني
ويشارك في البرنامج فنانون ومثقفون عرب وأجانب يقدمون قراءات جديدة لأعمال درويش، إلى جانب مشاريع فنية ارتبطت بشعره وسيرته، من بينها مشروع الفنان الفرنسي إرنست بينيون-إرنست، والذي سبق أن أنجزه بعنوان "مسار محمود درويش"، ووضع خلاله صوراً للشاعر الراحل ومقاطع من شعره في قرية البروة، مسقط رأسه، وفي عدد من مدن الضفة الغربية. كرس الفنان الفرنسي كل وقته وجهده وفنه منذ ما لا يقل عن نصف قرن من الزمن، لما يسمى "فنون الشارع"، التي عكس فيها أعمال كبار المبدعين. عند بدايات عام 2017 لإقامته في مدينة رام الله الفلسطينية في الضفة الغربية حيث عاشت المدينة تحت ظل الشاعر الكبير فترة من الزمن، وبالتحديد لمناسبة محددة كمنت في افتتاح مدينة بروكسل البلجيكية في جامعتها كرسي دراسات مخصص لشعر درويش، غير منفصل لا عن نضاله السياسي الخاص ولا عن القضية الفلسطينية التي كانت قضية درويش منذ ولادته وحتى رحيله، في النهاية كان الأمر أشبه بما يسمى في الإنجليزية "هابننغ"، يمتزج في الجوهر والشكل بالموضوع والمكان والجمهور في بوتقة واحدة. في غرافيتي أرنست يقف درويش بكامل أناقته ووسامته وطلته، مرتدياً بنطالاً أسود وقميصاً شبه أبيض. كأنه لم يغادر الحياة، أو كأنه يمشي باتجاه من ينظر إليه، وحول نظارته السميكة طيف من أحلام كبيرة. حين رسم أرنست صورة درويش في الأماكن العامة بحجمه الحقيقي، كان قصده أن يبقيه جزءاً من المشهد اليومي الفلسطيني، لأنه (أي درويش) في رأي بينو "يوازي فلسطين وفلسطين توازي درويش"... لكننا لا ندري لماذا اختار الرسام الفرنسي صورة الشاعر لا شعره؟ كأن نجومية وجه الشاعر كانت أقوى من نجومية شعره بالنسبة إلى الفنان الآتي من فرنسا.
ويربط إعلان بومبيدو اختيار درويش بـ"المأساة التي تجري حالياً في غزة"، إذ يقدّم شعره من خلال علاقته بتاريخ الفلسطينيين المقتلعين منذ 1948، وفقدان المكان، ما يقتضي تعريف الكتابة وسيلةً لحفظ الذاكرة في مواجهة المحو. وتقدّم الباحثة إيف دو دامبيير نواراي، ضمن لقاءات باريس، جانباً من هذا الطرح، في مقاربة نظرية بين الفلسطينيين وسكّان أميركا الأصليين، في سياق يتعلق بالحاجة إلى رواية من غَيّبت السرديات المهيمنة أصواتهم.
وضمن افتتاح البرنامج الباريسي للتظاهرة، تقدّم الشاعرة الغزّية نور العاصي مجموعتها الأولى "هذا بيتي"، التي تتناول الحرب في غزة. وتحمل الدوحة أيضاً التساؤل نفسه عبر جلسة "ورثة محمود درويش من منظور فني ولغوي وسينمائي". وفي تورينو، يأخذ هذا البحث صيغة مباشرة في جلسة بعنوان "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، ويقدّمها المنظمون على أنها محاولة لإبقاء صوت الشاعر وأغانيه لفلسطين حاضرة في تجارب استلهمت شعره وأساليبه. كما تستعيد باريس جانباً رافق شعر درويش، وهو قصائده المغنّاة، عبر تجربة مارسيل خليفة في أمسية "وعود العاصفة: بعد خمسين عاماً"، إلى جانب محاكاة موسيقية لـ"جدارية" يقدّمها وليد بن سليم.
درويش يحضر في مدن المغرب
في المغرب، إضافة إلى برنامج طنجة، كذلك أعلن "المعهد الفرنسي" عن فعاليات في أكادير ومراكش، تشمل قراءات وعروضاً تتناول أعمال الشاعر والتركيز على موضوعات المنفى. المبادرة التي تُعرَف بـ"يوم الشعر"، أُطلقت عام 2020، بهدف تجديد أشكال الاهتمام بالشعر عبر فعاليات مشتركة في أماكن متعددة، وقد خصّصت دوراتها السابقة لشخصيات، من بينها: الشاعر الأميركي جون جيورنو (2020)، والفرنسي شارل بودلير (2021)، والأميركيَّين باتي سميث (2022)، وجوناس ميكاس (2024).
وبذلك، تمتد دورة محمود درويش بين مدن عدة، من بيروت والدوحة وطنجة إلى باريس وتورينو وجنيف ومونتريال، مقدمة قراءات متعددة لتجربته، تجمع بين استعادة نصوصه وإعادة تفسيرها واستحضار تأثيرها في الشعر والموسيقى والمسرح والسينما والفنون البصرية.
المصدر: المدن
2026-09-20 || 21:30