إيران تدخل "اقتصاد الحرب".. فاتورة المواجهة تصل إلى الداخل
تواجه إيران أزمة اقتصادية متفاقمة بعد أكثر من 6 أشهر من الحرب، مع تراجع الريال وارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتآكل القدرة الشرائية للأسر.
بعد أكثر من 6 أشهر من الحرب، باتت آثار الأزمة الاقتصادية في إيران أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية، من انهيار الريال وأسعار الغذاء إلى طوابير الوقود وتراجع القدرة الشرائية، بينما بدأت الحكومة اتخاذ إجراءات أكثر صعوبة تحت عنوان مواجهة "الظروف الحالية" وبناء قدرة الاقتصاد على الصمود.
وأحدث هذه الإجراءات إعلان الحكومة رفع سعر البنزين للاستهلاك الذي يتجاوز 110 لترات شهرياً إلى 100 ألف ريال للتر اعتباراً من الثلاثاء، مع إبقاء أول 60 لتراً عند 15 ألف ريال، و50 لتراً إضافية عند 30 ألف ريال.
وكانت الحكومة قد أرجأت الزيادة خشية ردود الفعل الشعبية، في ظل حساسية أسعار الوقود منذ احتجاجات عام 2019.
حياة أكثر صعوبة
خلف قرار البنزين، تظهر صورة اقتصادية قاتمة في الداخل الإيراني.
وتقول كبيرة مراسلي "رويترز" لشؤون إيران باريسا حافظي، إن السؤال لدى كثير من الأسر لم يعد يتعلق بتحسين مستوى معيشتها، بل بكيفية المحافظة على ما لديها.
وبحسب شهادات جمعتها الوكالة من شرائح مختلفة، ترتفع أسعار الغذاء بوتيرة أسرع من الأجور، وتتزايد خسائر الوظائف، بينما اضطرت أسر من الطبقتين الوسطى ومحدودة الدخل إلى خفض استهلاك اللحوم والفواكه والإنفاق الصحي.
وتنفد رواتب بعض العاملين خلال أيام، بينما يلجأ آخرون إلى مدخراتهم أو بيع ممتلكاتهم أو الانتقال للسكن مع أقاربهم، ويبحث آخرون عن عمل إضافي.
وفي أسواق طهران، تبدو المشكلة في القدرة على الشراء أكثر من توفر السلع.
وأصبح 74.5 بالمئة من الحد الأدنى للأجور يذهب إلى الغذاء، وفق تقديرات نشرتها صحيفة "دنياي اقتصاد" الإيرانية، بينما ارتفع سعر زيت الطهي الصلب بنحو 400 بالمئة خلال عام، والأرز المستورد بأكثر من 200 بالمئة.
ونقلت الصحيفة عن موظفة في مطبعة بطهران قولها إنها توقفت عن شراء الملابس والسفر والخروج، وباتت تخشى أن تصل إلى مرحلة لا تستطيع فيها شراء أدويتها.
وأصبح العمل الإضافي أكثر انتشاراً، بما في ذلك قيادة السيارات عبر تطبيقات النقل بعد انتهاء ساعات العمل الأساسية.
الريال يأكل الرواتب
وتزامن ذلك مع تراجع حاد للعملة، إذ تجاوز الدولار حاجز مليوني ريال، بينما اقترب متوسط التضخم خلال 12 شهراً من 70 بالمئة.
وبلغت البطالة الرسمية 9.1 بالمئة، وفقد سوق العمل نحو 450 ألف عامل خلال عام، كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انكماش الاقتصاد الإيراني 5.4 بالمئة خلال 2026.
وأصبح الغذاء أحد أبرز مؤشرات الأزمة، ورصدت تقارير من طهران لجوء أسر إلى شراء المواد الأساسية بكميات كبيرة فور حصولها على المال، خشية ارتفاع أسعارها لاحقاً، بينما تقلص أسر أخرى الكميات التي تشتريها.
وبالنسبة لبعض الأسر، بدأ خفض الإنفاق بالطعام الأكثر كلفة، ثم امتد إلى الألبان واحتياجات أخرى، في محاولة لتوفير المال للإيجار والدواء والنقل.
القيادة تعترف بالمشكلة
ولا تخفي القيادة الإيرانية حجم الضغوط، وسبق للرئيس مسعود بزشكيان أن تحدث عن اختلال قطاع الطاقة، متسائلاً عن جدوى إنفاق العملة الصعبة على استيراد البنزين في وقت تحتاج البلاد إلى الدولارات لتغطية احتياجات أخرى.
كما أقر بتراجع التجارة الإيرانية بما يتراوح بين 25 و35 بالمئة، بينما تواجه الحكومة صعوبة في تأمين الإيرادات والعملات الأجنبية.
ويأتي رفع أسعار الوقود وسط نقص في الإمدادات، وتواجه إيران عجزاً يومياً في البنزين يقدر بنحو 14 إلى 15 مليون لتر.
وكانت طوابير قد ظهرت أمام محطات وقود في طهران خلال أغسطس، واضطرت بعض المحطات إلى إعلان نفاد البنزين، بالتزامن مع انتشار المخاوف من تفاقم الأزمة.
وأمام هذه الضغوط، بدأت الحكومة تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن إدارة اقتصاد الحرب، وقالت وزارة الاقتصاد إن "مقر الحرب الاقتصادية" ضاعف نشاطه لمعالجة المشكلات الناجمة عن الحرب والعقوبات، بينما قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن المعركة الرئيسية إلى جانب الجبهة العسكرية أصبحت تدور حول "الإنتاج ومعيشة الناس".
وأشار قاليباف إلى تقلبات العملة والتضخم والبطالة وإدارة الأسواق، قائلاً إن الإيرانيين يستطيعون تحمل المصاعب، لكنهم لا يقبلون سوء الإدارة أو التقاعس.
وتحاول الحكومة حماية الإنتاج وتأمين السلع الأساسية وترشيد استهلاك الطاقة والحفاظ على ما يتوفر لديها من عملة أجنبية، بينما يواصل الضغط الأميركي استهداف مصدرها الرئيسي للدولار.
وتراجعت صادرات النفط الإيرانية إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مع تشديد الحصار والعقوبات على قنوات التجارة والتحويلات المالية، فيما قالت مصادر إيرانية رفيعة لـ"رويترز" إن الضغط أصبح أكثر صعوبة في التحمل.
المصدر: وكالات
2026-09-07 || 09:41