كميل: الانتخابات التشريعية أولاً.. قراءة دستورية تنهي الجدل
المختص بالقانون الدستوري، محافظ طولكرم، عبد الله كميل، ينشر مقالا بخصوص الجدل حول موضوع إجراء الانتخابات الرئاسية أولا أم الانتخابات التشريعية، أم أن يتم إجراؤهما في يوم واحد. وهو جدل أثاره عضو اللجنة المركزية لفتح جبريل الرجوب حين طالب بإجراء الانتخابات الرئاسية قبل التشريعية.
كلما اقترب الحديث عن استحقاق الانتخابات الفلسطينية، عاد الجدل ذاته: هل يجب إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً؟ أم الانتخابات التشريعية؟ أم أنهما يجب أن تجريا في يوم واحد؟
وفي تقديري، فإن هذا الجدل لا يجد ما يبرره إذا ما عدنا إلى القانون الأساسي الفلسطيني، الذي يبقى المرجعية الدستورية العليا في تنظيم السلطات العامة وآليات انتقال الشرعية.
تنص المادة (35) من القانون الأساسي الفلسطيني على أن: “يؤدي رئيس السلطة الوطنية المنتخب اليمين الدستورية أمام المجلس التشريعي الفلسطيني قبل مباشرة مهام منصبه.”
هذا النص ليس تفصيلاً شكلياً أو إجراءً بروتوكولياً، بل هو قاعدة دستورية تعكس فلسفة النظام السياسي الفلسطيني، التي تقوم على أن الرئيس المنتخب يباشر صلاحياته بعد أداء اليمين أمام ممثلي الشعب المنتخبين في المجلس التشريعي.
ومن هنا يثور سؤال منطقي: كيف يؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام مجلس تشريعي غير موجود أو انتهت ولايته؟
الإجابة تكمن في النص نفسه، الذي يفترض وجود مجلس تشريعي قائم يمارس وظيفته الدستورية عند تسلم الرئيس المنتخب مهامه. ولذلك، فإن إجراء الانتخابات التشريعية قبل الانتخابات الرئاسية ليس فقط أمراً جائزاً، بل ينسجم مع البناء الدستوري الذي رسمه القانون الأساسي.
أما الدعوة إلى إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، فلا تستند إلى نص دستوري صريح، وإنما إلى اجتهادات سياسية قابلة للنقاش. والدساتير لا تُفسَّر بالرغبات السياسية، وإنما تُقرأ وفق منطوق النص وروحه وأهدافه.
وفي المقابل، فإن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في يوم واحد يظل خياراً ممكناً من الناحية العملية، شريطة أن يتم إعلان نتائج الانتخابات التشريعية واستكمال تشكيل المجلس قبل أداء الرئيس المنتخب اليمين الدستورية، حتى تتحقق متطلبات المادة (35) من القانون الأساسي.
إن القضية الحقيقية ليست في ترتيب الانتخابات، وإنما في استعادة الشرعية الديمقراطية التي غابت عن النظام السياسي الفلسطيني سنوات طويلة. فالمواطن الفلسطيني لا ينتظر جدلاً قانونياً جديداً، بل ينتظر مؤسسات منتخبة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع، وتكون قادرة على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى.
ولذلك، فإن تحويل ترتيب الانتخابات إلى عقدة سياسية لا يخدم إلا استمرار حالة الجمود. أما العودة إلى القانون الأساسي، فهي الطريق الأسلم والأكثر احتراماً للدستور ولإرادة الشعب.
إن المرحلة المقبلة تتطلب توافقاً وطنياً على إجراء الانتخابات في أقرب وقت، بعيداً عن الحسابات الفصائلية الضيقة. وإذا كان هناك خلاف حول ترتيبها، فإن المادة (35) تقدم مؤشراً دستورياً واضحاً بأن وجود مجلس تشريعي منتخب قبل مباشرة الرئيس المنتخب لمهامه هو الأصل الذي قصده المشرع الدستوري.
لقد آن الأوان لأن نغادر دائرة الجدل العقيم، وأن نحتكم إلى النصوص الدستورية لا إلى التأويلات السياسية. فالدولة تُبنى بالمؤسسات، والمؤسسات تُبنى بالانتخابات، والانتخابات لا تكتسب مشروعيتها إلا عندما تُجرى وفق أحكام القانون الأساسي واحترام إرادة الشعب الفلسطيني.
ولعل الرسالة الأهم اليوم هي أن الشرعية لا تُستمد من تفسير النصوص بما يخدم المواقف السياسية او الشخصيه ، بل من احترام النصوص كما أرادها المشرع الدستوري. وعندما يكون النص واضحاً، فإن الاحتكام إليه ليس خياراً، بل واجب وطني ودستوري يعلو على كل اعتبار.
المصدر: عبد الله كميل
2026-08-02 || 10:09