"عروس قونيا" لرشا دندشلي: الخيال شكلاً من أشكال الذاكرة
تتناول رواية "عروس قونيا" للروائية اللبنانية المصرية رشا دندشلي علاقة الإنسان بالمقدس عبر سرد يتداخل فيه التاريخ والتصوف والخيال بين بيروت وقونيا.
أكثر ما تشي به مجمل أحداث "عروس قونيا" (فضلاً عن العنوان الفرعي: محاكمة شمس التبريزي) للروائية اللبنانية – المصرية رشا دندشلي هو أن الخيال هو شكل من أشكال الذاكرة. ("عروس قونيا – محاكمة شمس التبريزي"، رشا مختار دندشلي، دار الفارابي، 2026) إن الذاكرة في هذا العمل هي أقرب إلى صدى لماض مكتوم، ماض مبعثر وفي بعض تجلياتها إن الذاكرة هنا هي صدى لماض يحرّض المرء على الغوص في تعثّر العلاقة بين الإنسان والله. فنحن في هذا العمل الروائي إزاء أنماط من العلاقات الملتبسة مع الله حيث الزمن في هذا السياق هو مجرد وهم وحيث ذاكرة المقدس الشديدة القدم وقد تطفلت على الحاضر بما يفوق التوقعات، توقعات الراوية بالدرجة الأولى. فبين بيروت 2023 وقونيا القرن الثالث عشر ترى الإيمان برب العالمين وقد صار محل تبعثر أو ربما محلّ حيرة لا خلاص منها بأي شكل من الأشكال وفي البال بهذا السياق تحديداً عبارة مهمة للمتصوف الشهير أبن عربي تقول: اللهم زدني فيك تحيّراً، وهي عبارة تليق كعنوان آخر لرواية دندشلي.
على الرغم من تخمة الأحداث التي تصوغ العملية السردية في هذه الرواية (380 صفحة) فإن المتلقّى قد يجد الجرأة بنفسه ليقول: ليس هناك من شروط ملموسة لإنتاج هذا العمل ذلك أن الشرط الأول الذي أسس لهذه الرواية – وهو شرط يتداخل فيه الظاهر الفقهي من جهة والباطن الصوفي من جهة أخرى حيال التصورات عن الله – أفضى – هذا الشرط – إلى تراكم نصّي يبدو الواقع إزاءه محل غياب على الدوم على الرغم من فداحة بعض أحداث الرواية. فالغيب هو الملموس الأبرز وهو الذي يعطي لهذا الحدث أو ذاك فرصة الظهور بصرف النظر عن وجاهة هذا الحدث أو محدودية تأثيره.
إن الحضور الكلي لله يطغى في هذا العمل على كل حدث آخر حيث يتجلى هذ الحضور بدءاً من رفرفة الفراشات وصوت الناي وصولاً إلى هيمنة الجريمة أو أقله التفكير فيها. فمن طفلة الثلاثة عشرة عاماً في قونيا القرن الثالث عشر إلى الشابة في بيروت 2023 نحن مع هذه الرواية حيال كم مرهق من السراديب المعتمة والدهاليز المرهقة حيث ذلك التمازج اللزج بين التاريخ السري لسبل التقرّب من الله من ناحية والتاريخ السري لجملة من الأمراض النفسية وصولاً إلى الإنتحار من ناحية أخرى.
الغموض والتأويل في حضور الرومي وشمس التبريزي
وفي هذا الصدد تحديداً تنطوي رواية رشا دندشلي على الكثير من التحوّطات إزاء تلك التصورات التبجيلية لجملة من الأسماء التاريخية حيال العلاقة مع الله وعلى رأس هذه الأسماء جلال الدين الرومي وشمس التبريزي فضلاً عن أسماء أخرى حيث اللعبة السردية المتشعبة بين الأزمنة والأمكنة والتي تفضي بمتلقي هذا العمل إلى المراوحة بين جملة من التصورات تقوم بمجملها على عدم البتّ نهائياً، وكأني بكاتبة هذه الرواية تستدعي الغموض، محض الغموض، ليكون الأفق الذي عبره تقوم العملية الإدراكية وما على القارئ في هذا الصدد – إذا ما أردنا أن نستعير الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل - ما على القارئ إلا أن يكون "عديم الشفقة" من جهة التأويل وإنتاج الدلالة حيال خلفيات الكاتبة ومقاصدها وصولاً إلى مآربها من وراء هذا العمل.
فنحن في هذه الرواية إزاء تراكم نصّي متداخل وهو تراكم يعززه الزمن المعلّق من ناحية والإضطرابات النفسية للراوية من ناحية أخرى فضلاً عن ذلك الصراع المستشري بين مكونات الخيال والكلمات إزاء المقدس بعامة لنكون من ثم فوق أرض سردية لا تعرف الثبات حيث للمتلقي الهامش الأضخم في إنتاج الدلالة وتعديلها. وكمتلق لهذا العمل أجدني وقد انجررت إلى عبارة لم ترد في الروية لكنها تشكّل خلفيتها الأمتن وهي تعود لأحد متصوفي القرون الوسطى في أوروبا: المصادفة هي الله عندما يسافر متنكراً.
لا تصور واضحاً تاريخياً عن علاقة البشر بربهم في "عروس قونيا" بل ترى أن هذه العلاقة محفوفة على الدوم بشتى ضروب التذبذب والإنكفاء تارة ثم الإندفاع إلى حد الإتيان بالموبقات تارة أخرى وهو ما تجسّد في الجزء الأخير من الرواية بيد أن للصدفة في كل وقت مساربها الخاصة في رسم صورة علاقة الإنسان بربه على الرغم من أغلال العقائد والتشريعات التي قد جذرها التاريخ والعادات والممارسات الطقوسية.
إن التبعثر في الظنون حيال علاقة الإنسان بربه يرسم مجمل مشهد رواية دندشلي، والإنسان بالإجمال – كما جاء في أحد متون الروية – "يخلق واقعه من ظنونه"، ومن أقدر من الظنون على دفع التصورات للتجسّد ولا سيما عندما تكون هذه التصورات تدور في فلك الغيب!
صراع الأرض والسماء في عروس قونيا
على الرغم من إيلاء التوجهات الفردية في العلاقة مع الله الحيّز الأكبر من النقاش في مجمل فصول "عروس قونيا" بيد أنها فردية تراها تستحضر بعمق ذلك الصراع الأبدي بين المدينة الأرضية (terrena civitas) والمدينة السماوية (caelestic civitas) كما صاغ اللاتين في عصرهم مفهومهم لهذا الصراع وهو صراع له وجاهته في التاريخ وذلك بصرف النظر عن تداول الحقب التاريخية وبصرف النظر عن الجغرافيا ولعل طفلة قونيا بسنواتها الثلاثة عشرة في هذه الرواية هي في بعض صياغاتها تجسيد لنمط من التصورات الطفولية عن الربّ وهي تصورات ترمي بظلالها على شابة شوارع بيروت وأزقتها حيث محاولة الإنتحار ثم تلك "الحكمة المخبأة خلف الجنون" كما جاء في الرواية وهي حكمة تراها بكل براءة تستدعي مصالحة الأرض والسماء وهي مصالحة لا طائل من انتظارها، فلا شفاء من الجنون.
على الرغم من تداخل جلّ التصورات في العلاقة الله – إنسان فإن "عروس قونيا" لا تكف عن تذكيرنا تارة بالمواربة وتارة بوضوح القول وبيانه أن ما لا يحمد عقباه في هذه العلاقة يكمن في التصورات الدوغمائية حيث القواعد الشديدة الصلابة. فالإيمان الحقيقي كما جاء في أحد فصول الرواية "لا يولد بالتبعية ولا بالوراثة بل يولد في لحظة انكسار"، وليست كل الصياغات الدوغمائية أو الجماعية لعلاقة البشر بربهم كما بثّ التاريخ هذه الصياغات إلا نكران دائم لكل ضروب الإنكسارات التي تلفّ البشر من كل حدب وصوب.
فإذا كان تعدد أصوات الله في العالم يشير إلى تعدد التصورات عنه فإن تحوّل هذه الأصوات إلى ضجيج جماعي لا يني يؤصّل جهنم في يوميات هذا العالم وبالتالي ليست أمراض تلك الشابة البيروتية في القرن الحادي والعشرين إلا امتداد لنكسات فتاة الثلاثة عشرة عاماً في قونيا القرن الثالث عشر حيث الله الذي يقبع خلف باطن لا أحد يدري حقيقة مآربه أو خلف ظاهر تراه يحشد من أجل أن تكون قبضته شديدة.
الكاتب: فوزي ذبيان/ المدن
2026-08-01 || 21:59