تصدُر قريباً عن دار هاشيت أنطوان في بيروت الطبعة العربية من كتاب "قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، مذكّرات الوزير والنائب اللبناني السابق وليد جنبلاط، بترجمة أدونيس سالم. وكانت قد صدرت بالفرنسية عن دار "ستوك" في باريس. ويأتي فيها الزعيم اللبناني على محطّات في سيرته الشخصية والعائلية والسياسية تتقاطع ونلتقي مع وقائع وتحوّلات لبنانية وإقليمية تتابعت منذ نهايات الخمسينيات إلى سقوط انتصار الثورة السورية في نهاية 2024 على نظام الأسد. وبذلك تضيء هذه المذكّرات ليس فقط على مواقف جنبلاط وتصوّراته في عدة قضايا، منها الطائفية والعروبة والعلاقات اللبنانية السورية والقضية الفلسطينية والربيع العربي وغيرها، بل أيضاً على مسار لبناني ومشرقي عربي واسع. ويسرد وليد جنبلاط مروياته، الموثقة والشائقة والكاشفة، بكثيرٍ من الجاذبية والكثافة، وبذلك يصيب قارئُها مقادير عالية من المتعة والمعرفة معاً. وتنشر "العربي الجديد" مقاطع من الكتاب في أربع حلقات. وهنا الحلقة الثالثة تنشرها "المدن" بالتزامن مع العربي الجديد.
في 14 آذار/ مارس 1978، اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان في ما سمّتها عمليّة الليطاني. وفي حزيران/ يونيو 1982، شنّت حكومة مناحيم بيغن هجوماً عسكريّاً واسعاً على لبنان، ثمّ فرضت حصاراً على بيروت.
هدوء ما قبل العاصفةتحدّثتُ مراراً عن حرب الجبل التي وقعت في عام 1983، والتي شكّلت ذروة مقاومتنا خلال ذلك الصراع الطويل والمرير. غير أنّ هجوم مسلّحي الكتائب على معقلنا الدرزي في الشوف لم يكن ليحدث إلّا في سياق الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، اجتياحٌ رسم منعطفاً مأساويّاً في تلك الحرب التي لم يعد من الممكن وصفها بالأهليّة.
ذلك التقارب بين بعض اللبنانيّين وإسرائيل لم يشكّل سابقة. فمنذ فترة الانتداب الفرنسي تواصل سياسيّون لبنانيّون مع الوكالة اليهوديّة لبناء علاقات معها، من هؤلاء إميل إدّه الذي استهوته الفكرة لبعض الوقت، لكنّه لم يترجمها إلى مشروعٍ سياسي.
وبعد الاستقلال، تحالفت قوى اليمين اللبناني في سعيها إلى بناء بلدٍ يتمحور حول الهويّة المارونيّة، واجتمع بيار الجميّل وكميل شمعون على فكرة تقسيم لبنان إلى كياناتٍ طائفيّة، وتحقيق التواصل بين جبل لبنان والجليل في شمال إسرائيل، ما يحاكي مشروع فرنسا وبريطانيا في نهاية ثلاثينيّات القرن الماضي الذي كان يرمي أيضاً إلى إجلاء دروز الشمال الإسرائيلي نحو جبل الدروز في سوريا، والذي جرت محاولات للتواصل مع جدّتي نظيرة بشأنه، وكان هدف المفاوضين الفعلي لقاء سلطان الأطرش لاستطلاع رأيه في هذا الترانسفير. لكنّ الزعيم الدرزيّ لم يستقبلهم، فلم يكن واردًا بالنسبة إليه أن يتخلّى عن فلسطين، لا سيّما أنّ للدروز فيها أيضاً مقامات مقدّسة. في النهاية، مُنيَ ذلك المشروع بالفشل لحسن الحظ بسبب الخلاف بين القوّتين العظميين، واندلاع الحرب العالميّة الثانية.
وهكذا، إنّ ميل بعض اللبنانيّين للتقرّب من إسرائيل ليس حدثاً طارئاً، بل هو متجذّر في مشهدنا السياسي، ويُستعاد ويُطرح للتداول بين حين وآخر، كما يحدث حاليّاً على نحوٍ غير مسبوق، بسبب الوهن الشديد الذي أصاب الدول التي ورثناها عن الاستعمار الأوروبيّ.
في أيلول/ سبتمبر 1978، وعقب توقيع اتفاقيّات كامب ديفيد للسلام بين إسرائيل ومصر، استغلّ بيار الجميّل وكميل شمعون الفرصة لنقض تحالفهما مع حافظ الأسد. فالزعيمان اليمينيّان اعتقدا أنّ بإمكانهما تطويق سوريا سياسيّاً مع العزلة المتزايدة التي بدا أنّ دمشق تواجهها، وكان ذلك خطأً استراتيجيّاً من جانبهما. أراد الأسد معاقبتهما على هذه الخيانة، فأمر جيشه بقصف المناطق المسيحيّة في بيروت، وخصوصاً المنطقة التي يقطنها كميل شمعون، عدوّه اللدود. استمرّ هذا القصف أشهراً ثلاثة، انتهت بتقديم لبنان شكوى أمام مجلس الأمن في نيويورك، كانت نتيجتها خروج الجيش السوري من وسط بيروت، ثمّ انسحابه الكامل من المناطق التي يسيطر عليها حزب الكتائب وحلفاؤه. أشدّد على أنّني هنا أتحدّث فقط عن ميليشيات اليمين اللبنانيّ، لا عن مسيحيّي لبنان ككلّ. فمن الإجحاف بحقّ الموارنة أن ننعتهم جميعًا بالميليشيات المسيحيّة. مهما يكن من أمر، شكّل هذا الانقلاب في الوضع مفاجأةً كبرى لنا، لأنّ اليسار اللبناني عاد خلال أسابيع قليلةٍ ليكون الحليف الرئيسي لسوريا، وكان قد مرّ على استشهاد والدي عامٌ واحد فقط. بدا ذلك مخرجًا غير متوقّع لأزمتنا الحادّة، وما واجهناه من عزلةٍ وتهميش.
كذلك لم يتوقع أحدٌ زيارة الرئيس المصري أنور السادات، خليفة عبد الناصر، للقدس، التي أدّت إلى الانقسام الكبير بين دمشق والقاهرة، العاصمتين الأبرز في العالم العربي، والانفصال الاستراتيجي النهائيّ بينهما الذي لا سابق له منذ عهد صلاح الدين. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، قام السادات بزيارة رسميّة لإسرائيل أدّت إلى قطع العلاقات الدبلوماسيّة بين مصر والعديد من الدول العربيّة، ومن بينها سوريا. هذا الانقسام المأسوي للعالم العربي كان من تدبير مترنيخ تلك الفترة، أي هنري كيسنجر، الذي أدرك مصلحة الغرب وإسرائيل في تقسيم العالم العربي، فانتهج سياسةً ما زلنا حتى اليوم ندفع ثمنها. تمكّن المصريّون لاحقاً من استعادة سيناء عبر التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركيّة، وهو ما عُرف بـسلام كامب ديفيد. وفي المقابل، تلقّت مصر مساعداتٍ عسكريّةً واقتصاديّة من الأميركيّين، كانت في الواقع هزيلة، ولا تتعدّى بعض مليارات الدولارات. وقد طالب السادات أمام الكنيست الإسرائيليّ باستعادة الأراضي المحتلة في الضفة الغربيّة، التي كان مناحيم بيغن يعتبرها الأرض التوراتيّة يهودا والسامرة. بقيّة القصّة باتت معروفة، فقد اغتيل السادات على يد الإخوان المسلمين سنة 1981 في القاهرة، خلال عرضٍ عسكريّ. عقب تلك الجريمة أطلق الإيرانيّون اسم خالد الإسلامبولي، مخطِّط ومنفّذ عمليّة الاغتيال، على أحد شوارع طهران... لماذا؟ لا يزال الأمر نقطة خلافٍ بين إيران ومصر. وفي أحد خطاباته الناريّة هاجم السادات النظام العلوي السوري، وهو ما كان بمثابة حكمٍ بالإعدام، تماماً كما حلّ بكمال جنبلاط من قبله.
في أشهرٍ قليلة، أعاد اليسار تسليح نفسه، وتحوّلنا في عام 1978 إلى قوّةٍ عسكريّة وازنة تمكّنت في السنوات التي تلت من فرض حضورها، والمحافظة في الوقت عينه على التحالف مع الفلسطينيّين. مع تواصل القتال العنيف، تبيّن لي كم كان والدي على صواب في رؤيته، فسرتُ في خطاه على درب المراقبة والصبر. وعند خطوط التماس التي قسمت بيروت، أحكمنا سيطرتنا على قطاعاتٍ عديدة بالاشتراك مع الفلسطينيّين بشتّى فصائلهم، الذين جمعت بيننا وبينهم أخوّة السلاح. فنحن نقاتل من أجل أرضنا، والفلسطينيّون كانوا شبابًا نشأوا في بؤس مخيّمات اللجوء منذ تشريدهم في عام 1948، عام النكبة. لكنّ تلك الجبهة السياسيّة العريضة التي نشأت ربّما كانت وهمًا، لأنّ العداء الشديد بين الأسد والقضيّة الفلسطينيّة، التي لم يؤمن بها، ظلّ قائمًا.
درجنا في السادس عشر من آذار/ مارس من كلّ عام على الاحتفال بذكرى استشهاد كمال جنبلاط. بدأنا بذلك على نطاق ضيّق، فأحيينا الذكرى الأولى في المختارة، حيث أقسمنا يمين الولاء لقضيّتنا وفاءً لنضال والدي السياسي. يومذاك أردنا أن نتحدّى السوري ونقول له إنّنا لا نزال موجودين، كما أردنا أن نثبت لأنفسنا، قبل الآخرين، أنّنا قادرون على استنهاض روح النضال والمقاومة التي كنا بأمسّ الحاجة إليها لمواجهة المحن القادمة. وعامًا بعد عام، كان يتّسع نطاق إحياء الذكرى، وصولاً إلى يومنا هذا حيث نقف في لحظة خشوعٍ أمام ضريحه، بحضور آخر الأصدقاء المخلصين وقدامى مقاتلينا.
أتذكّر العرض العسكريّ الذي نظّمناه في 16 آذار/ مارس 1982، في عاليه، لإظهار وحدة الحركة الوطنيّة التي كنت رئيسًا لها، وعشرات الآلاف الذين احتشدوا لمشاهدة العرض العسكريّ لمقاتلينا المعروفين باسم جيش التحرير الشعبي. يومذاك كان الجبل الدرزيّ بأسره حاضراً، ونحن في أوج قوّتنا، فأخذتنا النشوة. قبل كلمتي المقرّرة كالعادة في ختام الاحتفال، ألقى ياسر عرفات خطابًا قويّ اللهجة، فتوجّه إلى بيغن والجنرال شارون، وزير الدفاع الإسرائيليّ آنذاك، قائلاً لهما بكلمات ناريّة: «إن كنتم تريدون المجيء للقضاء علينا، فأنا في انتظاركم، أنا هنا!» فما كان من رفيقنا محسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، إلّا أن قال له بروح الدعابة الذي اشتُهر به: «لا تبالغ في دعوتهم، فقد يأتون فعلًا!» وبالفعل، بعد شهرين، كان الجيش الإسرائيلي في لبنان. ففي 6 حزيران/يونيو 1982، عبرت دباباته الحدود في الجنوب.
في عام 1978، اختفى الإمام موسى الصدر في ظروفٍ غامضة. كان والدي يعرفه، كما التقيته شخصيّاً في مكتبه بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في بيروت. والصدر، الذي ينتمي إلى عائلةٍ شيعيّة عريقة، ودرس في إيران، هو صاحب المقولة الشهيرة «السلاح زينة الرجال!» وقد أسّس حركة أمل لاستعادة الحقوق التاريخيّة للشيعة، وهو ما بدا ربّما آنذاك بمثابة مشروعٍ مضادّ لليسار اللبناني. قبل ذلك كان الشيعة منخرطين في صفوف الحزب الشيوعي وحركة فتح بزعامة ياسر عرفات. أمّا المقاومة الإسلاميّة التي تحوّلت لاحقاً إلى حزب الله، فقد نشأت برعاية حافظ الأسد، في بعلبك أولاً، قبل أن تبسط سيطرتها الكاملة على جنوب لبنان.
الاجتياح الإسرائيليّحزيران/ يونيو 1982في تمّوز/ يوليو 1981، تمّ توقيع هدنة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينيّة بوساطة أميركيّة، وتحت رعاية الدولة اللبنانيّة. هذه الهدنة كانت بمثابة سابقة لأنّها شكّلت نوعًا من الاعتراف بحركة ياسر عرفات. استقبلتُ في المختارة فيليب حبيب، المبعوث اللبنانيّ الأصل للرئيس الأميركي رونالد ريغان، والذي كان خلال تلك الفترة المُحاور الرئيسي مع الحكومة اللبنانيّة. وقد حذّرَنا فيليب حبيب قائلًا: «إذا أُطلقت رصاصةٌ واحدة مجدّدًا من لبنان باتجاه إسرائيل، فسوف يجتاحون البلاد ولن يعود بوسعي فعل شيء». أتت الذريعة من لندن مع محاولة مجموعة «أبو نضال» الشهيرة اغتيال السفير الإسرائيلي في بريطانيا، شلومو أرغوف، في 3 حزيران/ يونيو 1982. و«أبو نضال» هو اسم تنظيمٍ فلسطيني صغير تزعّمه صبري البنّا (1). وقد كلّفه النظامان العراقي والسوري مرّاتٍ عدّة بتصفية خيرة كوادر منظمة التحرير الفلسطينيّة. كان الهدف من العمليّات الدمويّة التي نفّذتها مجموعته تشويه سمعة منظمة التحرير، ونسف محاولات التفاوض التي بدأ بها عرفات، وقد استخدمته الأنظمة العربيّة لذلك الهدف من دون أن يردعها رادعٌ أو وازع.
في عام 1983، وخلال زيارة لي مع وفد من الحزب التقدّمي الاشتراكي لجنوب البرتغال للمشاركة في مؤتمر «الاشتراكيّة الدوليّة»، اغتيل عصام السرطاوي، أحد الوسطاء المعتمدين من قِبل ياسر عرفات. حدث ذلك أمام أعيننا في بهو قاعة المؤتمرات، وترك لديّ شعوراً كبيراً بالصدمة.
تعرّفتُ إلى البنّا خلال رحلة قمتُ بها إلى ليبيا، حيث التقيت للمرة الأولى بالقذافي، لفتح قناة اتّصالٍ سياسيّة معه وطلب الدعم. مع حلول المساء، طلب منّي القذافي مرافقته على متن زورقٍ سريع. وهناك، جلس قبالتي صبري البنّا، الإرهابي الكبير، ومنفّذ العديد من العمليّات الضخمة في مطارات فيينا وروما وتل أبيب، والمسؤول أيضاً عن هجوم شارع «دي روزييه» في باريس سنة 1982. لم أكن مرتاحاً جدّاً لوجوده، ولحسن الحظ، تعطّل محرّك الزورق واضطررنا للعودة إلى طرابلس الغرب. يومذاك، كان القذافي يحاول أن يثبت لنا إمكان مهاجمة إسرائيل بإرسال الآلاف من هذه الزوارق السريعة إلى شواطئها...
كنّا من السذاجة بحيث ظننّا أنّ أيّ اجتياحٍ إسرائيلي، إذا ما حدث، لن يتجاوز نهر الليطاني، أي على بُعد أربعين كيلومترًا شمالي الحدود الجنوبيّة، كما حصل في اجتياح عام 1978. كذلك ارتكبنا خطأ فادحًا في تقدير الموقف حين ترسّخ لدينا الاقتناع بأنّ الإسرائيليّين لن يجتاحوا بيروت أبدًا. كان من الواضح أنّ هدفهم هو قتل ياسر عرفات، المتحصّن مع قادة منظّمة التحرير في بيروت، قريبًا من المخيّمات الفلسطينيّة، حيث المئات من الشباب مستعدّون لافتدائه بأرواحهم. أمّا أنا فكان همّي الأساسيّ حماية الجبل للحؤول دون سقوطه الذي سيتيح التواصل الجغرافيّ بين الإسرائيليّين وحلفائهم الكتائب.
في خضمّ ذلك الوضع المضطرب، وجّهتُ في صيف 1981 دعوة غداء إلى رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الياس سركيس، وكان يومذاك في قصر الرئاسة الصيفيّ في بيت الدين القريبة من المختارة، حيث يترأس اجتماعات «اللجنة العربيّة» المؤلفة من الكويت، والسعوديّة، وسوريا، ولبنان، والجامعة العربيّة، والتي التأمت للطلب من بشير الجميّل، القائد العسكريّ للكتائب، قطع علاقاته مع إسرائيل. آنذاك، لم نكن فقدنا الأمل في تأخير شبح الحرب. شارك أيضًا في ذلك الغداء التاريخي أعضاء اللجنة، وهم الشيخ صباح وزير خارجيّة الكويت، والأمير سعود الفيصل، صديقاي الكبيران، وعبد الحليم خدّام وزير الخارجيّة السوري، بالإضافة إلى الشاذلي القليبي، الأمين العام لجامعة الدول العربيّة، التي نقلت مقرّها إلى تونس تنفيذًا لقرار مقاطعة مصر عقب زيارة السادات لإسرائيل.
ومع ذلك، كنت على اقتناع بأنّ مسعى الرئيس إلياس سركيس لن يُكتب له النجاح، لأنّ الإسرائيليّين كانوا قد أنهوا وضع خطّة الاجتياح بالتنسيق مع حلفائهم اللبنانيّين. فهل كان الرئيس ساذجاً إلى هذا الحدّ؟
في كانون الأول/ ديسمبر 1980، حاول مروان حمادة التواصل مع بشير الجميّل، بواسطة جوني عبدو، مدير جهاز المخابرات في الجيش اللبناني، والمستشار المقرّب جدًّا من رئيس الجمهوريّة، لثني الجميّل عن تحالفه مع إسرائيل الذي ستكون له عواقب كارثيّةٌ على لبنان. أدركنا أنّ الحرب ستكون أقسى بكثيرٍ ممّا شهدناه منذ عام 1975، وأنّنا على أبواب مرحلةٍ في غاية الخطورة. لكن كان علينا أن نحاول ولو أنّنا نعرف الجواب سلفاً. شارك في ذلك المسعى أيضًا صديقي سمير فرنجيّة، عضو ائتلاف اليسار، وممثّل جبهة المسيحيّين الوطنيّين، ورئيس لجنة الحوار الدائم التي كانت تعمل للحفاظ على خيط التواصل بين مختلف الأحزاب.
قصد مروان وسمير منزل الرئيس سركيس حيث التقيا بشير الجميّل خلال عام 1981، وتحدّثا باسمي، لتحذيره من خطرٍ أكبر بكثير سيتحقّق إذا قرّر مهاجمتنا في الجبل. هل كان الياس سركيس التزم بدعم انتخاب الرجل الأقوى في اليمين المسيحي خلفاً له في استحقاق 1982 الرئاسي؟ هذا ممكن. لم يفضِ ذلك الاجتماع إلى شيء، وواصل مسلّحو الكتائب تقدّمهم باتّجاه الشوف. في ذلك الوقت، كان بشير الجميّل قد أنهى تطهير الأرض و«توحيد البندقيّة المسيحيّة»، بحسب التعبير الرائج آنذاك، بعدما تولّى أتباعه تصفية خصومه في المعسكر المسيحي. في عام 1981، وقعت مواجهاتٌ مباشرة بين مسلّحي بشير الجميّل والسوريّين، بعدما سيطر حزب الكتائب على موقعٍ استراتيجي في جبل لبنان، بالقرب من مرتفع يُعرف بـ«الغرفة الفرنسيّة»، ما دفع السوريّين إلى قصف مدينة زحلة المسيحيّة قصفاً مكثّفاً وفرض حصارٍ عليها دام ثلاثة أشهر. أراد الأسد بذلك أن يوجّه تحذيرًا إلى قادة اليمين اللبناني، لكنّ هؤلاء قابلوه بعدم الاكتراث.
في 6 حزيران/ يونيو 1982، بدأت عمليّة «سلامة الجليل»، وتوغّل الإسرائيليّون في جنوب لبنان. بعد إغلاق مطار بيروت، اضطررتُ إلى العودة من باريس عبر مطار دمشق. آنذاك كنتُ أقيم في بيتٍ صيفيّ اختارته والدتي لنفسها في قرية شملان الصغيرة، الواقعة فوق الهضاب المطلّة على العاصمة، وكانت معي جيرفيت، «أمّ أولادي»، كما يقول التعبير اللبنانيّ الشائع. في الصباح الباكر، سمعنا دويّ انفجارات. كان الإسرائيليّون يقصفون بيروت، وتحديدًا «المدينة الرياضيّة» المهجورة منذ زمنٍ طويل والتي حوّلها الفلسطينيّون إلى مستودع للذخيرة. كان للغارات الإسرائيليّة وقع الصاعقة على المدينة وعلى لبنان كلّه. طلبتُ إجلاء زوجتي وابني إلى قريةٍ درزيّة أخرى في الجبل، ليقيما في منزل أحد المشايخ من أنصارنا، ثمّ انطلقتُ بدون تردّدٍ نحو المختارة لأشرف مباشرةً على ما يجب فعله.
فور وصولي قال لي المقدّم شريف فيّاض، القائد العسكريّ لمقاتلينا: «الإسرائيليّون أصبحوا قبالتنا»، مشيراً إلى المقلب الآخر للوادي. من الواضح أنّ الإسرائيليّين لم يضيّعوا وقتاً، وقد سيطروا على مزرعة الشوف، وهي قريةٌ مختلطة مسيحيّة درزيّة. بعد ذلك رأينا أرتالًا من الدبّابات تصل من صيدا مثيرةً حولها سحباً كثيفة من الغبار. الواقع أنّنا فوجئنا لأنّنا كنّا مقتنعين بأنّ الإسرائيليّين لن يتجاوزوا نهر الليطاني. بعدما زال وقع المفاجأة، أدركنا أنّهم ينوون محاصرة بيروت الغربيّة حيث مقرّ قيادة منظمة التحرير الفلسطينيّة، والاتّصال جغرافيًّا بحلفائهم الكتائب. كان الفخّ يُنصب لنا. أكانوا يريدون بعد ذلك السيطرة على الجبل وفقًا للخطة المرسومة بين بشير الجميّل وأرييل شارون؟ لم تكن إمكانيّاتنا الضعيفة تسمح لنا بصدّ هجومٍ بذاك الحجم، ولم نكن مجهّزين لقتال أحد أقوى جيوش العالم.
لم يتمكّن الإسرائيليّون في الساعات الأولى للهجوم من دخول مدينة صيدا، بفعل المقاومة الشرسة التي أبداها المقاتلون الفلسطينيّون البواسل، فاضطرّوا إلى الالتفاف حولها. وبالقرب من صور، ألقت طائراتهم الحربيّة قنبلة على ملجأ يحتمي فيه مدنيّون، فقتلت كلّ من كان فيه، مخلّفةً المئات من الضحايا. بعثتُ برسالةٍ إلى زوجتي لتنتقل إلى سوريا ومنها إلى عمّان في واحدةٍ من آخر السيّارات التي تمكّنت من عبور الحدود، بعدما بدأ الإسرائيليّون بقصف طريق دمشق. أمّا والدتي فوافتني إلى المختارة، حيث بدأنا بالاستعداد لحصارٍ طويل.
كان الإسرائيليّون يحاولون الالتفاف حول القوّات السوريّة من جهة البقاع. وبعد ثلاثة أيّام من قدومنا إلى المختارة، وصل رتلٌ جديد وضخم من المدرّعات الإسرائيليّة من جهة جزّين، وهي إحدى المدن المسيحيّة المهمّة الواقعة جنوبي الشوف.. وقفتُ مع والدتي وعمّال المنزل وبعض المقرّبين نتفرّج لساعات على تلك القافلة الطويلة وهي تمّر تحت أنظارنا.
خاضت قوّات النخبة السوريّة معارك ضاريةً في قرية عين زحلتا الشوفيّة، واستخدمت مروحيات «ألوويت» الفرنسيّة والأسلحة المضادة للدروع لمنع الدبّابات الإسرائيليّة من الوصول إلى طريق دمشق. وأتذكّر كيف كان الجنود السوريّون القتلى والجرحى، يُكدَّسون عشوائيّاً في الشاحنات لإجلائهم. لكنّ هذه العمليّة العسكريّة ضمنت لنا إبقاء طرق الإمدادات مفتوحة.
الواقع أنّ حافظ الأسد فوجئ أيضاً بذلك الهجوم الواسع النطاق. أمّا من جانبنا، فقد انسحب معظم مقاتلي منظمة التحرير وأحزاب اليسار نحو بيروت بدون قتال، وسادت حالةٌ من الانهيار والفوضى، فيما عجزت قوّاتنا المنسحبة عن تأمين أيّة خطوط دفاع. وتبيّن لنا أنّ الفلسطينيّين لا يجيدون القتال في المناطق المفتوحة تحت القصف المدفعيّ والجويّ، بل فقط في المدن الكبرى، كصيدا وصور، حيث يمكنهم خوض حرب عصابات بين الأبنية والشوارع. كان علينا بذل جهدٍ للصمود وقتاً أطول في الجنوب لحماية بيروت، وتأخير زحف الجيش الإسرائيلي، وإلحاق الخسائر بقوّاته.
في الشوف اتّخذتُ قرارًا بعدم زجّ مقاتلينا في المعركة، وهو ما حمل بعض الأوساط على اتّهامنا بالتخلّي عن الجبل بدون قتال، وهذا غير صحيح. لم أكن مستعدًّا لمواجهة قوّةٍ بحجم الجيش الإسرائيليّ تسيطر على الأرض والسماء. ومع ما كان لدينا من إمكانيّات هزيلة، لم يمتلك أحدٌ المعنويّات، ولا الخبرة، ولا الإرادة لمحاولة الحفاظ على مواقعنا. وحين أدركنا أنّ مخطط الاجتياح أوسع من مجرّد احتلال الجنوب، استشعرتُ خطر تطويق الجبل لإحكام السيطرة على مناطق الدروز.
بعد أيّامٍ قليلة من مرور الدبّابات الإسرائيليّة تحت نوافذنا، وصل ضابطٌ إسرائيليّ يرافقه رجاله لتفتيش منزلنا. كنّا تحت الاحتلال. أمرنا الإسرائيليّون بالتجمّع، والدتي، وأنا، وعمّال المنزل، في «دار البركة»، أي الباحة التي تتوسّطها بركة للمياه، حيث احتجزونا لفترةٍ طويلة تحت أشعّة الشمس. شعرت والدتي بالتوتّر، فحاولتُ تهدئة أعصابها. أصرّ الضابط على تفتيش المنزل غرفةً غرفة. فقلتُ له: «عمّ تبحث؟ هذا منزلٌ خاصّ». وفي المكتبة، وقع نظره على نسخةٍ من مجلّة «إيستوريا» وعلى غلافها صورةٌ لأدولف هتلر، فاتّهمنا بأنّنا نازيّون، مثيرًا غضب والدتي. وعثر أيضًا في إحدى الغرف على ألبسةٍ عسكريّة، فصاح يتّهمنا بأنّنا إرهابيّون. في مساء اليوم نفسه، أتى ضابطان إسرائيليّان آخران، وكانا أقلّ عدائيّة، فقالا لنا: «نعتبر منزلكم مقدّسًا ولن نمسّه بسوء». لم أتمكّن من الإجابة، لشدّة تأثّري بما جرى في الزيارة الأولى، التي اعتبرتها انتهاكًا لحرمة منزلنا العائلي. وفي الصالون الأزرق، أريتُهما صور والدي وجدّي شكيب أرسلان، الذي شارك في الثورة العربيّة ضدّ الفرنسيّين، وقلت لهما: «هذا تاريخ عائلتي، ولن أبدأ اليوم بتغيير موقفنا من أيّ احتلال». وفي الليلة ذاتها، نجحتُ في تهريب ثلاثة قادةٍ فلسطينيّين نجوا من حصار صيدا ونقلهم إلى البقاع، من بينهم المسؤول الإقليمي لحركة فتح الذي كنّا نؤويه سرًّا، فلم نكن نثق بأحد. وقد خرج الثلاثة مختبئين في سيّارة إسعاف.
خلال تلك الأسابيع التي كان خلالها مصيرنا مهدّداً بالضياع، تمكّنتُ من البقاء في المختارة مع عددٍ ضئيل من المرافقين. وبسبب انقطاع الكهرباء، استعنّا بمولّدٍ صغير يعود إلى زمن والدي مكّننا من الصمود خلال تلك الأيّام الطويلة. جمعتُ مشايخنا ووجهاءنا ومخاتيرنا لأبلّغهم هذه الرسالة: «نحن تحت الاحتلال، وأنا أمنعكم من التعامل مع الإسرائيليّين». فقد لجأ الجيش الإسرائيليّ عمداً إلى نشر جنوده الدروز في الشوف، في مناورةٍ مكشوفة هدفها التواصل مع الأهالي واستمالتهم... فلدروز فلسطين روابط عائليّة، هي قديمةٌ في الغالب، مع دروز سوريا ولبنان. وهكذا، في الأسابيع الأولى من ذلك الصيف، اكتشف جميع الجنود الإسرائيليّين «أنسباء» بعيدين لهم في مناطقنا وراحوا يتودّدون إليهم. وكانوا جميعًا يتحدّثون العربيّة ويتبادلون معنا أخبار الأهل والأقارب.
في تلك الظروف، لم تكن لديّ القدرة الكافية على استئناف القتال لا سيّما أنّ رجالنا تفرّقوا في القرى، فضلًا عن أنّنا لم نكن جيشًا بالمعنى الحديث للكلمة. وقد أُجلي عددٌ من قياديّينا إلى المتن، وهي منطقةٌ جبليّة تقع شرقيَّ بيروت وكانت خاضعةً للسيطرة السوريّة. واجهت لوماً شديداً بسبب عدم المقاومة، فيما استغلّت قوّات بشير الجميّل الوضع لتتمركز في الشوف وتقيم الحواجز على طرقاتنا، وهو ما شكّل إهانةً إضافيّة لنا.
حين بدأ حصار بيروت، كان الإسرائيليّون يفرضون سيطرتهم على الجبل بأكمله. وطوال عشرة أيّامٍ لم أستطع مغادرة دارنا، ولا الذهاب إلى بيروت، حيث يجب أن أكون، لألتقي حلفائي السياسيّين ونستعدّ لعملٍ مشترك. آنذاك، زارني إسرائيلي يُدعى أوري لوبراني، وكان أوّل سياسيّ إسرائيليّ ألتقيه، يرافقه ضابطٌ رفيع المستوى. كان لوبراني دبلوماسيًا سابقًا عمل في إيران، ثمّ كُلِّف بتنسيق الأنشطة السياسيّة في لبنان. عرض عليّ يومها تشكيل لجانٍ مشتركة من المسيحيّين والدروز في الشوف، لتجنّب «التجاوزات» على حدّ قوله. أصغيتُ إلى أقواله وإلى ثنائه الكبير على ما للدروز من خصوصيّة، في محاولةٍ واضحة منه لاستمالتي، بعدما أوضح أنّه مكلّفٌ بإيجاد تسويةٍ من أجل السلام، لكنّي في النهاية أجبته بحدّة أنّ تحالفي مع سوريا ثابت، وأنّ على إسرائيل، إن كانت تريد السلام، التحدّث مباشرةً مع الرئيس الأسد لا معي. لم أكن أريد الوقوع في فخّ تغيير التحالفات في خضمّ الحرب، ولا الإيحاء للإسرائيليّين بأنّني قد أنحاز إلى جانبهم. كان واضحاً أنّهم يعتبرون الورقة الدرزيّة في مصلحتهم، ويسعون إلى تقسيمنا، فحاولت تحييدهم لمواصلة نضالي السياسيّ الذي بات أمراً لا بدّ منه. كنت أفكّر فقط في كسب الوقت والاستفادة ممّا تيسّر لنا من إمكانيّات هزيلة، فيما كان تهديد أعدائنا الرئيسيّين، أي القوّات اللبنانيّة، يتزايد في الشوف. وقد تبيّن أنّ سياسة الصبر هذه آتت ثمارها، فقد استُنفر الدروز وحملوا السلاح ضدّ مَن يعتدون على مناطقهم.
كان المشهد السياسي مثيرًا للدهشة، إذ وقف الجيش الإسرائيليّ الضخم متفرّجًا أمام انهيار عيشنا المشترك مع المسيحيّين. وبدلًا من التدخّل للتهدئة، سمح بالتجاوزات. في الشوف، وبالتزامن مع ما كان يجري على الأرض، اجتمعتْ في مقرّ إقامة المطران إبراهيم الحلو في بيت الدين، لجنةٌ مشتركة ضمّت القوّات اللبنانيّة، والإسرائيليّين، والحزب التقدّمي الاشتراكي، عدّة مرّات، بعدما طلبتُ من كوادر حزبنا المشاركة فيها. تلك اللجان أسهمت آنذاك في تخفيف حدّة التوتّر في بعض المناطق، إذ لم تخلُ أيّ قريةٍ من الضغائن المتبادلة بين الدروز والمسيحيّين، التي زادت منها عمليّات الاختطاف. وقد حذّرتُ مراراً من التجاوزات ذات الطابع الطائفي التي يرتكبها الطرفان.
بعد أيّامٍ قليلة من زيارة لوبراني، قدم كذلك إلى المختارة شيمون بيريز في زيارةٍ غريبة. وكنت قبل ذلك قد لمحتُه مرّاتٍ عدّة في اجتماعات الاشتراكيّة الأمميّة. أخبرني بيريز أنّ ويلي برانت أوفده، وكان ذلك كذبًا، لأنّ الوفد الرسمي الذي أرسله برانت كان برئاسة رئيس وزراء البرتغال ماريو سواريز. سألته على الفور: «لماذا تقتلون المدنيّين؟»، مشيراً إلى مجزرة صيدا، فأجابني: «جيشنا لا يقتل المدنيّين أبدًا». هل كان يصدّق أكاذيبه؟ بعد ذلك دار بيننا ما يشبه حوار الطرشان:
– لماذا أتيتم إلى لبنان؟
– لنهاجم الإرهابيّين.
– لا، أنتم تهاجمون الشعب الفلسطيني، الذي له الحق في العيش.
عرضتُ أمامه حينذاك رأيي في حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وسألته: «هل ستدخلون بيروت؟»، فأكّد لي أنّهم لن يفعلوا، وكان ذلك كذبًا أيضًا. في نهاية هذا اللقاء الذي دام ساعة، انصرف بيريز، وفيما كنت أتوقّع أن تُقدَّم لنا القهوة خلال المقابلة، عرفتُ أنّ مدبّر دارنا رفض ذلك رفضًا قاطعًا. وأعتقد أنّ ذلك كان بطلبٍ من والدتي التي لم ترغب في الانضمام إلينا كذلك. لم أقابل شيمون بيريز مرّةً أخرى قطّ. لكنّ ذلك اللقاء بيننا أثار لفترةٍ طويلة جدًّا ضجّةً كبيرة، وكأنّني أنا من دعوته للقدوم. واتُّهمت بالتواطؤ مع العدوّ، وقيل عنّي الكثير: «كيف يستقبل جنبلاط بيريز؟»، «جنبلاط لم يقنعنا بتبريره»، «الحزب التقدّمي خاننا»، «الدروز لم يقاتلوا!».
كنت قد ضقت ذرعاً بتلك الإقامة الجبريّة في المختارة حين وصل إلى دارنا في أحد الأيّام رايان كروكر، القائم بالأعمال الأميركي في لبنان، يرافقه مروان حمادة، لإخراجي من ذلك الحصار. انتظراني في غرفة والدتي بالطابق الأعلى. وسلّماني رسالةً من ياسر عرفات والسفير السعودي علي الشاعر تطلب منّي الذهاب إلى بيروت المحاصَرة. وكان الأخيران مَن رتّبا عمليّة إخراجي من المختارة بمساعدة الأميركيّين. حزمتُ بعض أمتعتي وودّعتُ رجالي، قبل أن أنطلق في سيّارةٍ رسميّة تابعة للسفارة الأميركيّة عبرنا بها الحواجز الإسرائيليّة. عليَّ الوصول إلى بيروت ولقاء حلفائنا، فالمعركة لم تكن إلّا في بدايتها. أمّا والدتي، فقد قرّرتْ البقاء في المختارة لأنّها لم ترد ترك الدار خالية.
وعلى طريق بيروت، أنزلتني السيّارة التي واكبتها قوّةٌ من الجيش اللبناني في المنطقة الحرّة، أي بيروت الغربيّة، التي كانت توصف بـ«المسلمة». ولا أزال أتذكّر كيف بدت تلك المنطقة العازلة والمدمّرة تمامًا بين بيروتَين: الأرض اليباب.
في العام التالي، وتحديدًا في أواخر آب/ أغسطس 1983، أي قُبيل اندلاع حرب الجبل، حاولت الحكومة الفرنسيّة القيام بمسعًى أخيرٍ للمصالحة بيننا وبين القوّات اللبنانيّة، فاقترح فرانسوا ميتران حلول قوّاتٍ متعدّدة الجنسيّات محلّ القوّات الإسرائيليّة في منطقة عاليه للحؤول دون اشتعال الجبل. وفي فرنسا، في منزل ريجيس دوبريه، مستشار ميتران، التقيتُ روبرت ماكفرلين مستشار الأمن القومي لرونالد ريغان، وحضر الاجتماع مروان حمادة وفرانسوا دوغروسوفر. والتقيت أوري لوبراني مجدّداً في أحد فنادق باريس لمحاولة معرفة المزيد منه عن الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من الشوف. وفي منزل رفيق الحريري في العاصمة الفرنسيّة أيضاً، عقدنا مفاوضات مع ممثّلي أمين الجميّل استمرّت 48 ساعة. لكنّ كلّ تلك المحاولات كانت محكومة بالفشل، فقد اتّضح لنا ممّا يجري على الأرض أنّ القوّات اللبنانيّة واللواء الثامن في الجيش اللبنانيّ بقيادة ميشال عون قد بدأوا بالتحرّك لتطويقنا.
هوامش(1) وُلد أبو نضال في يافا. وبحسب وصف الصحافي باتريك سيل، فقد تحوّل الرجل في أواخر حياته إلى «معلّم في التمويه وفنون الخداع، لا يثق بأحد، ويعيش كالخلد، في عزلة تامّة بعيداً عن الأنظار، ومتحسّباً دائماً لاحتمال الهجوم عليه».
المصدر: المدن