نخبة إسرائيل تشرّح العلاقة بأميركا: باقون «ذخراً إستراتيجياً»... ولكن
تكشف السجالات الدائرة داخل النخب الإسرائيلية حول موقع تل أبيب في الحسابات الأميركية، عن قلق متزايد إزاء تآكل شروط ترجمة «القيمة الاستراتيجية» إلى نفوذ سياسي فعلي، في ظلّ تحوّلات داخلية أميركية متسارعة تهزّ ركائز العلاقة التقليدية بين الطرفين.
تشهد إسرائيل، منذ أسابيع، نقاشاً محتدماً حول موقع الدول العبرية في الحسابات الأميركية. وفي هذا الإطار، صدر عن باحثين إسرائيليين متخصّصين في السياسة الخارجية والعلاقات الإستراتيجية، رأيان متقابلان. صاغ الرأيَ الأول، روعي كيبريك، مدير الأبحاث في معهد «ميتفيم» الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية، وذلك في مقال نشره موقع «زمان يسرائيل».
تتمحور أطروحة كيبريك حول كون بنيامين نتنياهو، دمّر على مدى سنوات، الأصل الاستراتيجي الأوّل لإسرائيل، أي «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة، مقوّضاً، بسياساته الداخلية والخارجية، الركائز الحزبية والشعبية والقيمية التي قامت عليها تلك العلاقة، محوّلاً إسرائيل في النتيجة إلى «عبء استراتيجي» أفقدها حق النقض ومقعدها على طاولة النقاش. ويسترجع الكاتب جملة محطّات في هذا المسار، من بينها إفساده العلاقة مع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، على خلفية توقيع الأخير الاتفاق النووي مع إيران، وتبنّيه الأحزاب الأرثوذكسية على حساب التيّارَين الإصلاحي والمحافظ، فضلاً عن قيادته الانقلاب على القضاء وتدمير غزة، وتحويل إسرائيل، في الوعي الأميركي، من شريك موثوق إلى «قصب مكسور» يجرّ واشنطن إلى حروب غير ضرورية. ويخلص إلى أن إسرائيل فقدت حق النقض ضدّ الخطط الأميركية المتعلّقة بها.
في المقابل، يذهب الرأي الثاني الذي طرحه موشيه إلعاد، العقيد المتقاعد والباحث في شؤون الشرق الأوسط، في مقال نشره موقع «القناة 12» العبرية، إلى أن إسرائيل ليست عبئاً على الولايات المتحدة، بل أصل استراتيجي لا بديل منه، وأن أيّ رئيس أميركي، مهما بلغت مسافة حملته الانتخابية من إسرائيل، ينتهي إلى هذه الخلاصة بمجرّد اطلاعه على تقييمات «البنتاغون» و«مجلس الأمن القومي». ويستشهد إلعاد بشهادات مؤسسية وعسكرية أميركية رفيعة تؤكد كفاءة الشراكة مع تل أبيب، مستحضراً قول وزير الخارجية الأميركي السابق، ألكسندر هيغ، إن «إسرائيل هي أكبر حاملة طائرات أميركية لا يمكن إغراقها». ويرى أن «منطق الحكم» يتغلّب دائماً على «منطق الحملة الانتخابية»، معتبراً أن التحالف صمد طوال سبعة عقود لأنه يستند إلى المصالح لا إلى العواطف.
بالتدقيق في الرأيَين اللذَين يبدوان متناقضَين جوهرياً -فيما تناقضهما ظاهري في حقيقته-، يتبيّن أن إلعاد يتحدّث عن القيمة الموضوعية لإسرائيل في الحسابات الإستراتيجية الأميركية، بما تشمله من موقع جغرافي وقدرات استخبارية وتكنولوجية ودور ردعي. أمّا كيبريك، فيتناول الشروط السياسية التي تجعل هذه القيمة قابلة للتحوّل إلى نفوذ فعلي، ومن بينها الإجماع الحزبي، والدعم الشعبي، ووحدة «اللوبي»، والشراكة القيمية.
"لا تبدو المؤشرات مطمئنة بالنسبة إلى إسرائيل"
وبالجمع بين وجهتَي النظر، يتبيّن أن إسرائيل لا تزال تمثّل «حاملة الطائرات» التي تحدّث عنها هيغ، لكن قبطانها أبحر بها في اتجاه معاكس للرياح، حتى باتت السفينة، وإن لم تغرق، أقلّ قدرة على المناورة. بتعبير آخر، الأصل الإستراتيجي لا يزال قائماً، لكن شروط استثماره تتآكل تدريجياً.
في تفصيل ما تَقدّم، تتمثّل أبرز الملاحظات المنهجية التي يقدّمها إلعاد في التمييز بين المرشّح والرئيس في الولايات المتحدة؛ فالمرشّح، برأيه، يخاطب الناخبين، بينما يدير الرئيس «دولة عظمى». ويمثّل على ما تَقدّم، بريتشارد نيكسون، الذي لم تكن إسرائيل في صلب برنامجه الانتخابي عام 1968، لكنه أمر بإقامة جسر جوي لمصلحتها خلال حرب تشرين/ أكتوبر 1973، وذلك بعدما أدرك أن هزيمتها تمثّل انتصاراً سوفياتياً مؤلماً للولايات المتحدة. كما أن جيمي كارتر استثمر في اتفاقيات «كامب ديفيد» لأنه رأى أن التسوية المصرية - الإسرائيلية مصلحة أميركية عليا. أمّا باراك أوباما، الذي تصوّره السرديات الإسرائيلية «عدواً»، فقد وقّع أكبر اتفاقية مساعدات عسكرية في تاريخ العلاقات بين الطرفَين.
ويكشف النمط المتكرّر المشار إليه، أن المؤسسة الأميركية العميقة تعيد ضبط بوصلة أيّ رئيس. لكن كيبريك يطرح، من حيث لا يقصد، سؤالاً يشكّك في استدامة هذا النمط؛ إذ ماذا لو تغيّرت البيئة السياسية التي تتيح لتلك المؤسسة أداء الدور المذكور؟ فالرئيس الذي يقرأ تقييمات «البنتاغون» لا يزال يصل إلى النتيجة نفسها، لكنه يفعل ذلك اليوم في بيئة داخلية أكثر عدائية، وفي ظلّ «لوبي» منقسم، و«كونغرس» لم يعُد فيه دعم إسرائيل محلّ إجماع؛ وهو ما من شأنه إحداث فرق جوهري في القدرة على الفعل.
على أيّ حال، لا تبدو المؤشرات مطمئنة بالنسبة إلى إسرائيل. فالتيار الانعزالي في «الحزب الجمهوري» لم يعُد هامشياً، والجيل الشاب في الحزبَين لم يعُد ينظر إلى إسرائيل بوصفها «حاملة طائرات»، بل باعتبارها عبئاً أخلاقياً وسياسياً. ورغم أن مراكز الأبحاث التي يستشهد بها إلعاد، من «راند» إلى «CSIS»، لا تزال تصدر تقارير تؤكد القيمة الاستراتيجية لإسرائيل، إلا أن تأثير هذه التقارير في الرأي العام لا يفتأ يتغيّر، في ظلّ الاستقطاب الحادّ داخل الولايات المتحدة، وتعاظم النظرة السلبية إلى تل أبيب، التي تسهم سياسات الأخيرة نفسها في ترسيخها. ورغم ذلك، لن تفقد إسرائيل قيمتها الاستراتيجية بصورة فجائية؛ فلا يزال «البنتاغون» بحاجة إليها، ولا تزال قيمتها الموضوعية مرتفعة، إلا أن الفجوة بين هذه القيمة وبين القدرة على ترجمتها إلى نفوذ سياسي آخذة في الاتساع. وكلّما اتسعت هذه الفجوة، بات من الأسهل على رئيس أميركي مستقبلي، ولا سيما إذا كان من التيار الانعزالي الجمهوري أو الليبرالي الديمقراطي، أن يتجاهل تقييمات جنرالاته ويستجيب لمزاج قاعدته الانتخابية. وبالنسبة إلى إسرائيل، تكمن المشكلة الحقيقية في أن أيّ خليفة مقبل لنتنياهو سيكون أسيراً لمحدّدات داخلية تعيق قدرته على ترميم موقع الكيان في الوعي الجمعي الأميركي.
المصدر: الأخبار
2026-07-27 || 21:34