تل الصمود.. المقاومة الشعبية والحماية الدولية
تتصدر قرية تل جنوب غرب نابلس المشهد الفلسطيني الراهن، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين واستمرار المواجهة الشعبية في الضفة الغربية.
بدت قرية تل، جنوب غرب مدينة نابلس، وكأنها تختصر المشهد الراهن في فلسطين، وتقدم فى نفس الوقت، لمحة عن معالم المرحلة المقبلة حيث عناد الشعب الفلسطيني وصموده في أرضه وتبني خيار المقاومة الشعبية الأنجع والأجدى، أمام عجز السلطة الفلسطينية في رام الله عن حماية الشعب، وحتى عن دعم وتأطير وتنظيم المقاومة الشعبية وطلب الحماية الدولية لها، كما انفصام الفصائل الاخرى عن الواقع واستلابها لشكل واحد من أشكال المقاومة، وفشلها في رؤية الأسلوب الأمثل بمواجهة الاحتلال بالضفة الغربية التي كانت ولا تزال ساحة الصراع المركزية منذ تنفيذ أرييل شارون خطة فك الارتباط والانفصال الأحادي عن قطاع غزة في 2005.
وفي الجانب الاسرائيلي، نرى انفلات المستوطنين وإرهابهم بدعم كامل من المؤسسة الرسمية السياسية والعسكرية، وهروب حكومة بنيامين نتنياهو - بتسلئيل سموتريتش- إيتمار بن غفير وأجهزتها الأمنية، إلى الأمام في خيارات إجرامية ويائسة ستؤجج المقاومة وقد تؤدي إلى انفجار الأوضاع برمتها، خصوصاً بعد الحسم أو توهم الحسم وفرض وقائع سياسية وميدانية في بقية الجبهات بغزة ولبنان، وسحب أعداد كبيرة من الجيش إلى الضفة الغربية لمواجهة الغضب المتصاعد والمقاومة الشعبية في مواجهة المستوطنين والاحتلال وتجلياته المختلفة.
قرية تل تختصر مشهد الصمود والتصعيد في الضفة الغربية
إذاً، بدت قرية تل جنوب غرب نابلس وكأنها تختصر المشهد الراهن في فلسطين المحتلة لجهة الصمود والعناد الجماهيري، وخوض المقاومة الشعبية بالوسائل المتاحة، وانفصام السلطة في رام الله القريبة وفشلها في الدفاع عن مواطنيها أو حتى وضع مطلب الحماية الدولية على جدول الأعمال الإقليمي والدولي، وفي نفس الوقت، عدم قراءة الفصائل المسلحة وفهم الواقع الفلسطيني بشكل دقيق واستلابها لأسلوب واحد من أساليب المقاومة رغم النتائج الكارثية في قطاع غزة وحتى في الضفة الغربية نفسها، واستغلال اسرائيل ذلك لمزيد من القتل والتدمير والتهجير، وسعيها لتعميم نموذج غزة على كامل الضفة بعدما طبقت ذلك فعلاً في مخيمات الشمال بجنين وطولكرم.
واجه أهل تل إرهاب واعتداءات المستوطنين بتغطية كاملة من جيش الاحتلال، بالوسائل المتاحة دفاعاً عن أنفسهم وأرضهم وممتلكاتهم وحقوقهم، علماً أن العملية –قتل الجنود والمستوطنين- لم تكن مخططة مسبقاً بل جاءت في إطار الدفاع المشروع عن النفس وحق المقاومة الأصيل للمدنيين العزل بمواجهة عدوان المستوطنين المدججين بالسلاح والمحميين من جيش الاحتلال وترسانته الهائلة.
تصاعد اعتداءات المستوطنين
ما جرى في تل، تطور منطقي وطبيعي للمقاومة الشعبية بفلسطين في الأشهر الأخيرة، بعدما تضاعف اعتداءات المستوطنين، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على ممارسات وتحرشات متفرقة وتشويش الحركة هنا وهناك، وعرقلة مواسم الزراعة والحصاد وتخريب آبار المياه والبنية التحتية، بل تطورت الأمور إلى اعتداءات منظمة وإحراق وسرقة البيوت والممتلكات ودور العبادة الإسلامية والمسيحية، وعليه فلا يجب الاستغراب أو المفاجأة من الرد في تل وعوريف وصرة -نابلس ثم سوسيا –الخليل- وكور –طولكرم- بالوسائل المتاحة وبما في متناول الناس بصدورهم العارية وقضيتهم العادلة.
وبتفصيل أكثر فما جري لا يمكن فهمه إلا في إطار الدفاع المشروع عن النفس في سياق مقاومة شعبية تكفلها كافة الشرائع والمواثيق الدولية وقراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، بما في ذلك تجريم الاستيطان والاحتلال بحد ذاته، وتأكيد الحق الفلسطيني الأصيل في مقاومته.
إلى هذه المقاربة التأسيسية، بدت التطورات في قرى تل وسوسيا وعوريف وصرة وكور والضفة الغربية بشكل عام، وكأنها تختصر المشهد الفلسطيني الراهن بعدة اتجاهات وزوايا، أهمها، بالطبع العناد والصمود الشعبي لأهل البلاد الأصليين في مواجهة المستوطنين والاحتلال ومخططات التهجير والتهويد والضم.
كذلك، أظهرت المقاومة الشعبية المتنامية في تل وأخواتها، مدى انفصام قيادة السلطة في رام الله العاجزة عن الدفاع عن مواطنيها، وأكدت من جهة أخرى، انغلاق الفصائل المسلحة على شكل واحد من ـشكال المقاومة وفشلها في قراءة الواقع الراهن بالضفة حيث المقاومة الشعبية هي الخيار الأمثل والأقل كلفة والأكثر جدوى في مواجهة المستوطنين والاحتلال.
في الجانب الإسرائيلي، يظهر مشهد تل وأخواتها انفلات المستوطنين في تجلي بشع للاحتلال غير الشرعي بحد ذاته وبدعم كامل من المؤسسة السياسية والعسكرية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات العامة، على الرغم من بعض الاصوات المحذرة من التداعيات السلبية على صورة الدولة العبرية وتكريس عزلتها الدولية.
في السياق الإسرائيلي، قالت صحيفة "هآرتس" إن جيش الاحتلال قام بسحب عدد كبير من قواته من بقية الجبهات في غزة ولبنان إلى الضفة الغربية، لحماية المستوطنين، ما يعنى الغرق في معركة استنزاف طويلة ستؤدي في النهاية إلى انهياره مع بقاء النار مشتعلة في تلك الجبهات -إضافة إلى جنوب سوريا- كما يُقال عن حق، على الرغم من عدم امتلاك القيادة العسكرية الشجاعة لمواجهة نظيرتها السياسية بهذه الحقيقة والاكتفاء بالبوح بها في الكواليس المغلقة كما نقلت "هآرتس" أمس الأحد.
في التعاطي الاسرائيلي مع مشهد تل وأخواتها، هربت الحكومة الثلاثية الأكثر تطرفاً إلى الامام عبر اتخاذ قرارات لزيادة البؤر والمزارع الاستيطانية –عددها 200 تقريباً- التي تستنزف جيش الاحتلال أصلاً، إضافة إلى التقييد على حرية حركة الفلسطينيين في أبعادها المختلفة واستنساخ نموذج غزة -إبادة قتل تدمير وتهجير - في كامل الضفة الغربية، بعدما حدث هذا فعلاً في مخيمات الشمال بجنين وطولكرم، ما يعني صب الزيت على النار وتأجيج المقاومة الشعبية الفلسطينية في تكريس لنبوءة الفيلسوف يشيعياهو ليبوفيتش عن الاحتلال الذي سيدمر المجتمع الإسرائيلي ويدفعه إلى الانهيار.
في الأخير، أكد مشهد تل وأخواتها مرة أخرى، حاجتنا إلى قيادة فلسطينية مختلفة شابة وصادقة ونزيهة، ترتقي إلى مستوى المسؤولية وتضحيات الشعب الهائلة في الميدان، وتضاعف الضغط على الدولة العبرية لتعميق عزلتها الدولية واجبارها على الانصياع للقانون الدولي والحقوق الفلسطينية، مع الإشارة إلى معطى مهم جداً حيث تزامنت أحداث تل وأخواتها مع مهرجان التحدي والصمود بقرية العراقيب البدوية في النقب، إثر إعادة بنائها للمرة الـ250، في برهان واضح على مآلات الصراع الحتمية في تل والعراقيب وفلسطين بشكل عام.
الكتاب: ماجد عزام/ المدن
2026-07-27 || 08:33