الياس خوري.. أيضاً وأيضاً
بعد عامين على رحيله، لا يزال الياس خوري حاضراً في ذاكرة الرواية العربية، بنصوص لم تفقد شيئاً من بريقها.
من الصعب أن تشبع من الكلام على الياس خوري بالرغم من مرور سنتين على رحيله. فهذا الرجل الذي مهر الرواية العربيّة بخاتمه منذ تسعينات القرن الماضي، أي منذ صدور روايته الملحميّة «باب الشمس»، كما لم يمهرها أحد سواه، ما زال حاضراً في الحديقة التي تتوسّط ذاكرتنا كأنّه يغزل عقداً من ياسمين، أو يحرس أحلام الفراشات. والحقّ أنّ وقتاً طويلاً سيمضي قبل أن نتعلّم قراءة ما خطّه هذا الروائيّ الأديب من دون أن نستذكر الومضات السحريّة التي كانت تنبعث من مجلسه المضمّخ بعبق الحكايات، فتتساقط الومضات مثل حبيبات العقد الفريد، وتبقى عصيّةً على التدوين.
دلف ابن الخوري إلى ذاكرتنا بوصفه الروائيّ الذي حوّل حكايات النكبة الفلسطينيّة إلى عمارة أدبيّة ستطبع مصائر الرواية العربيّة جيلاً بعده جيل. وكان هذا الأديب البيروتيّ، الذي تغرف سطوره من بحور الشعر العربيّ القديم، وترشح إلفةً قلّ نظيرها مع إنجيل ابن مريم، صاحب نظريّة قوامها أنّ الحكاية المسكوبة أدباً قادرة على أن تهزم التأريخ. فلئن كان المنتصر يكتب التاريخ، إلّا أنّ الحكاية تحوّل انكسارات المهزومين والمهمّشين والمسحوقين إلى مادّة أدبيّة تقارع السرديّة التاريخيّة الرسميّة بقوّة الجرح الموسوم بالصمت.
لكنّ مَن يحيل الياس خوري على الحيّز الفلسطينيّ وحسب، لا يفيه إلّا بعضاً من حقّه. فهذا الرجل الذي استلّ السلاح، إبّان الحرب الأهليّة اللبنانيّة، لئلّا تظلّ معاركه «نظريّة»، كما أسرّ لنا ذات يوم، لم يتوانَ في تفكيك أساطير الحرب، وما خالطها من عبث، وذلك عبر روايتين هما «يالو» و«سينالكول»، لعلّهما من أرفع النصوص التي وُضعت عن تلك الحقبة من تاريخ لبنان. فمزج الحرب بالحبّ، وأظهر كيف يبتلع العنف أصحابه، ويحوّلهم إلى دمًى من موت.
وبمعزل عن النكبات والحروب، ترك الياس لنا مجمعاً للأسرار صاغ فيه حرّيّة المرأة المطلقة في نصّ تتداخل عناصره على نحو يستبق «باب الشمس» من حيث الدائريّة والتشابك. أمّا أجمل إنتاجه على الإطلاق بالنظر إلى الارتباط بالموسيقى والشعر، فإنّه روايته «كأنّها نائمة». وهي نصّ سيمفونيّ يتنزّه بين بيروت وناصرة الجليل، ويقيم موازاةً غريبةً بين المسيح وامرأة اسمها ميليا صارت أحلامها أقوى من الواقع. وكان ابن الخوري، قبل هذه المحطّات الأدبيّة اللامعة، قد رفع القبّعة لكلمة الله ونجّار الناصرة في رواية هي أشبه بالتمرين الأدبيّ عنوانها «مملكة الغرباء»، يرسم فيها مؤلّفها قدر غرباء الأرض بوصفه استعارةً كونيّة، وذلك عبر تناصّات كثيفة تبدأ بالملك الضلّيل امرئ القيس (أجارتنا إنّا غريبان ههنا/ وكلّ غريب للغريب نسيب) ولا تنتهي بالليتورجيا البيزنطيّة، التي كان الخوري متيّماً ببعض أناشيدها.
الياس خوري، بعد سنتين من رحيله، حضور في الذاكرة وحضور في القلب، ونصوص لم تفقد شيئاً من لمعانها.
الكاتب: أسعد قطّان/ المدن
2026-09-16 || 18:44