كيف ستساعد واشنطن الدولة اللبنانية على تطبيق الاتفاق؟
تتجه واشنطن إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني ضمن خطة أوسع تستهدف حصر السلاح بيد الدولة ودفع مسار نزع سلاح حزب الله.
لا شكّ في أن ما اتُّفق عليه بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 4 حزيران الجاري مهمّ جداً، ويكاد يكون تاريخياً، إذ يبدو أنّه للمرة الأولى يُعلن بوضوح عدم وجود نوايا عدائية متبادلة بين الدولتين، اللتين اتفقتا، برعاية أميركية، على ضرورة نزع سلاح الكيانات المسلّحة غير الشرعية.
ومن الواضح أنّ مهمة إنهاء مسألة السلاح ليست بالأمر السهل، بسبب رفض "حزب الله" مبدأ التفاوض مع إسرائيل أولاً، وكل ما يتعلّق بنزع السلاح ثانياً، ما يعقّد الأمور ويبقيها في الإطار النظري حتى إشعار آخر.
في هذا الإطار، تنكبّ مراكز القرار في واشنطن على البحث في السبل الكفيلة بمساعدة لبنان على تنفيذ هذه المهمة الشائكة، التي قد تتسبّب باضطرابات داخلية في لبنان، وخصوصاً لدى "الحزب" والبيئة المؤيدة له. وليس سراً أنّ خطة المناطق التجريبية التي اتفق عليها الجانبان اللبناني والإسرائيلي تنصّ على إبقائها خالية من المسلّحين ، لكنها حتماً ليست كافية لتجريد "الحزب" من سلاحه.
التركيز على الجيش وبناء قدراته
وتكشف مصادر مطلعة في واشنطن أنّ كل الخطط الأميركية الهادفة إلى مساعدة لبنان على التخلّص من سلاح "الحزب" ترتكز على الجيش اللبناني، باعتباره المفتاح الرئيسي لحل هذه المشكلة. وخلال المفاوضات الأمنية مع إسرائيل في البنتاغون، استحوذ النقاش حول إمكانات الجيش لتنفيذ خطة نزع السلاح على القسم الأكبر من المباحثات. كما أنّ إجراء هذه المفاوضات في البنتاغون يُعدّ مؤشراً إلى رعاية عسكرية أميركية لأي اتفاق بين لبنان وإسرائيل، وإلى تعهّد واشنطن، في المفاوضات السياسية، بمواصلة دعم الجيش اللبناني لتمكينه من ممارسة سيادته الكاملة في جميع أنحاء البلاد.
وفي الوقت نفسه، تعهّد لبنان بتوسيع نطاق سيطرة قواته ومنع عودة الميليشيات المسلحة إلى المناطق الخاضعة لمسؤوليته.
وأكدت هذه المصادر أنّ البنتاغون يُعدّ برنامج تدريب عسكري للجيش اللبناني في إطار استراتيجية واسعة لنزع سلاح "الحزب"، بحيث ستتولى القوات الأميركية مسؤولية تدريب وتأهيل العسكريين اللبنانيين، ما يشكّل خطوة مهمة جداً، وربما حاسمة، في هذا الملف.
وتشير تقارير أميركية إلى أنّ مطالب إسرائيل تتجاوز عمليات الجيش اللبناني لنزع السلاح في جنوب الليطاني فقط، لتشمل أيضاً منطقة البقاع، حيث تنتشر منصات صواريخ "الحزب" وترسانته العسكرية تحت الأرض.
تكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية
ويمثّل ذلك تحوّلاً دقيقاً في الاستراتيجية الإقليمية الأميركية. وتلفت المصادر إلى أنّ واشنطن تراهن على أن يشكّل تعزيز قدرات الجيش اللبناني ثقلاً موازناً لقوة "الحزب"، وهو رهان يفترض قدرة أجهزة الدولة اللبنانية على استيعاب التدريبات الأميركية من دون أن تتعرض هذه القدرات للخطر أو أن تُستغل من قبل "الحزب". ويتزامن ذلك مع تكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.
من جهة أخرى، تعتبر المصادر المطلعة أنّ قبول لبنان التفاوض مع إسرائيل حول فرض سيطرته على "الحزب" عبر عمليات نزع السلاح يُعدّ خطوة جريئة، لذلك توجد نوايا أميركية حقيقية، من خلال برنامج التدريب العسكري للجيش اللبناني، لتأمين ما يلزم له من إمكانات تمكّنه من تنفيذ مهامه بنجاح.
وبعد عملية مصارحة بين مسؤولين عسكريين أميركيين ولبنانيين، تبيّن أنّ الجيش اللبناني يفتقر إلى القدرات المؤسسية والقوة النارية اللازمة لمواجهة "الحزب". لذلك سيركّز التدريب الأميركي على التخطيط العملياتي، وجمع المعلومات الاستخباراتية، والعمليات المنسّقة، وهي قدرات يوكل الجيش اللبناني حالياً مهمة الاستعانة بجهات خارجية لتنفيذها أو يفتقر إليها بالكامل.
وليس سراً أنّ امتلاك الجيش اللبناني قدراتٍ على تنفيذ عمليات مستقلة، وفق هذه المصادر، من شأنه أن يجعله متفوّقاً على "الحزب"، الذي يعاني من انقطاع طريق الإمدادات مع إيران نتيجة تموضع الجيش السوري ضد المشروع الإيراني.
لكن، في المقابل، تكشف المصادر عن مخاوف من أن تبوء استراتيجية برامج المساعدة العسكرية الأميركية بالفشل، كما حصل في العراق وأفغانستان، بسبب الفساد المؤسساتي اللبناني، والانقسامات الطائفية داخل الجيش نفسه، وتغلغل "الحزب" العميق في مؤسسات الدولة، وهي جميعها عقبات أمام فعالية برنامج التدريب.
سيف العقوبات مسلط
ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان الوقت سيسمح للمستشارين الأميركيين ببناء قدرات عسكرية حقيقية للجيش قبل أن يقدم "الحزب" على انقلاب داخلي يطيح بالحكومة، وهنا بيت القصيد.
مع ذلك، لن تبخل واشنطن بتزويد الجيش اللبناني بكل ما يطلبه لتنفيذ مهمته. وتشير المصادر المطلعة إلى أنّ الولايات المتحدة ستتعاون مع الدول الصديقة للبنان، مثل فرنسا ودول الخليج، لتأمين التكاليف المطلوبة وسدّ النقص في المعدات والتدريب والأفراد، لافتة إلى أنّها ستستخدم سيف العقوبات، الذي بدأت بتفعيله منذ فترة قصيرة، لمعاقبة كل من يتورّط في عرقلة نزع سلاح "الحزب"، وأنّ أحداً، مهما ارتفع شأنه، لن يكون بمنأى عن هذه العقوبات.
ومن الخطط غير المستبعدة التي علمت بها "المدن" في واشنطن، إمكان الاستعانة بقوات عسكرية دولية مقاتلة، ربما من حلف "الناتو"، لمؤازرة الجيش اللبناني في مهمته والإشراف على عملية نزع السلاح. غير أنّ "الحزب" سيتعامل مع هذه القوات باعتبارها قوة احتلال غربية أو تحالفاً استراتيجياً مع إسرائيل، وهذا ما قد يقوّض الحياد الذي حافظت عليه قوات "اليونيفيل" من خلال ولايات شاملة ووحدات متعددة الجنسيات.
كما أنّ فكرة إنشاء ما يُسمّى بـِ "مجلس السلام" الخاص بلبنان واردة جداً، وفق هذه المعطيات، وهو نموذج صُمّم أساساً لقطاع غزة، ويستند إلى هيكل دولي للإشراف السياسي والعسكري وإعادة الإعمار.
وعلى خط موازٍ، تؤكد المصادر المطلعة أنّ ملف سلاح "الحزب" سيكون على طاولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، التي قد تساعد في تطبيق خطة نزع السلاح بسلاسة، إلا أنّ هذا الملف ليس أولوية حالياً بسبب التركيز على الملف النووي.
أمام لبنان مساران محتملان. يتمثل الحل الأسهل في استخدام الحكومة الضغط السياسي والعسكري لإجبار "الحزب" على تسليم سلاحه وحل أجهزته الأمنية، وهو ما لا يلقى آذاناً صاغية لدى "الحزب" حتى الآن.
أما الحل الأصعب، ففي حال فشل الجيش اللبناني في مهمته، فستُترك المهمة للجيش الإسرائيلي، الذي سيسعى إلى تنفيذها بكلفة عالية. وحتى لو ظنّ "الحزب" نفسه قادراً على الصمود، فإن معاناة "حماس" الحالية في غزة تقدّم درساً قاسياً في مخاطر الثقة المفرطة.
الكاتب: جورج حايك/ المدن
2026-06-07 || 08:00