قيود الشيكات تضرب التجارة في الضفة
في ظل تفاقم أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي، البنوك العامة في فلسطين تتجه إلى تشديد سياساتها تجاه إصدار دفاتر الشيكات، وهي خطوة أدت إلى إرباك حركة البيع والشراء، وتقليص حجم الصفقات بين التجار والموردين.
في وقت تتفاقم فيه أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي، اتجهت البنوك العاملة في فلسطين إلى تشديد سياساتها تجاه إصدار دفاتر الشيكات، في خطوة انعكست سريعاً على نبض السوق المحلي. فالشيكات، التي تُعد الأداة الأوسع استخداماً في تسوية المعاملات التجارية والبيع الآجل، بدأت تتراجع حضوراً في التعاملات اليومية، ما أدى إلى إرباك حركة البيع والشراء وتقليص حجم الصفقات بين التجار والموردين.
هذا التحول امتد ليطال بنية النشاط الاقتصادي نفسه، في سوق يعتمد بشكل كبير على الشيكات كوسيلة لضمان الحقوق وتنظيم التدفقات النقدية. ومع تقييد هذه الأداة، يجد التجار أنفسهم أمام خيارات محدودة، في ظل شح السيولة وتراجع القدرة على الإيداع، ما يدفع نحو مزيد من الحذر والانكماش في التعاملات التجارية، ويضع الدورة الاقتصادية أمام اختبار صعب.
دويكات: سياسات البنوك لعبت دوراً كبيراً في خفض الصفقات التجارية
وتعليقا على تشدد البنوك في إصدار الشيكات، قال عضو غرفة تجارة وصناعة نابلس ياسين دويكات، إن سياسات البنوك لعبت دورا كبيرا في خفض الصفقات التجارية وتقليص حجم الدورة الاقتصادية في مختلف محافظات الوطن، نتيجة تشددها في منح دفاتر الشيكات وتقييد قبول إيداع الشيكل.
وأوضح دويكات، أن الشيكات تُعد الأداة الأساسية المتداولة بين التجار لسداد الالتزامات، سواء بين المستوردين وتجار الجملة والتجزئة أو حتى على مستوى الموظفين والعمال، مشيرا إلى أن حجم الشيكات المتداولة في فلسطين خلال الأعوام 2023 و2024 و2025 بلغ ما بين 24 إلى 25 مليار شيكل سنويا.
دويكات: تعتمد الأسواق بشكل رئيسي على الشيكات
وأضاف أن الأسواق تعتمد بشكل رئيسي على الشيكات كمحرك أساسي للتجارة، حيث تُستخدم في تنظيم عمليات البيع والشراء وضمان الحقوق، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الدفعات المؤجلة.
وأشار دويكات إلى أن تشدد البنوك في الفترة الأخيرة، من خلال تقنين إصدار دفاتر الشيكات حتى للملتزمين، ورفض قبول الشيكل كإيداع، انعكس بشكل مباشر وسلبي على العديد من القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها قطاع العقار.
دويكات: عمليات بيع الشقق والأراضي تعتمد على أقساط عبر الشيكات
ولفت إلى أن عمليات بيع الشقق والأراضي تعتمد عادة على دفعة نقدية أولى، يليها أقساط شهرية أو سنوية يتم سدادها عبر شيكات، ما يضمن حقوق المطورين العقاريين قانونيا، إذ يمكنهم اللجوء إلى القضاء في حال عدم السداد عند الاستحقاق.، إلا أن غياب الشيكات في الوقت الحالي أدى إلى تعطل هذا النمط من التعاملات.
وأكد أن التأثير لم يقتصر على قطاع العقار، بل امتد إلى تجار الجملة والمصانع، الذين كانوا يبيعون بضائعهم مقابل دفعة نقدية وجزء مؤجل عبر شيكات، لافتا إلى أن العديد من تجار التجزئة لم يعودوا قادرين على الحصول على دفاتر شيكات، ما أثر على قدرتهم على الشراء.
خفض مبيعات التجار والمصانع
وقال إن هذا الواقع دفع التجار والمصانع إلى خفض مبيعاتهم، إذ قام تجار الجملة بتقليص تعاملاتهم مع تجار التجزئة إلى نحو النصف، بهدف ضمان تحصيل أموالهم، في ظل غياب أدوات الدفع الآمنة.
وأشار دويكات إلى أن هذا التراجع انعكس بشكل واضح على الدورة الاقتصادية، التي شهدت انخفاضا ملحوظا بالتزامن مع تراجع حجم الشيكات المتداولة.
وأضاف أن البنوك تبرر تشددها بأن من يحصل على دفاتر شيكات يجب أن يكون قادرا على إيداع الشيكل عند استحقاقها، في حين تعاني البنوك من فائض في الشيكل وعدم القدرة على استيعاب المزيد من الإيداعات، ما دفعها إلى تقليص الكميات المقبولة من التجار، حتى المعروفين لديهم.
ظاهرة اقتصادية سلبية
ووصف دويكات هذه الحالة بأنها "ظاهرة اقتصادية سلبية"، مؤكدا أن الاقتصاد الفلسطيني يشهد تراجعا ملحوظا في الدورة الاقتصادية وحجم الصفقات التجارية، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة.
وأوضح أن من بين هذه العوامل إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، وجفاف مصادر السيولة، وتراجع دخول العمال إلى أراضي الـ48، إضافة إلى صرف رواتب الموظفين العموميين بشكل منقوص، إلى جانب تشدد البنوك في منح دفاتر الشيكات، وهو ما فاقم الأزمة.
وفيما يتعلق بمؤشرات النشاط الاقتصادي، قال دويكات إنه قبل تقييد البنوك لإصدار دفاتر الشيكات وقبول الشيكل، وتحديدا قبل الحرب على غزة والتصعيد مع إيران، كانت الحركة التجارية نشطة وتفوق نسبتها 90%، مشيرا إلى أنها تراجعت لاحقا من نحو 95% إلى 50%، وصولا إلى نحو 20% حاليا، وفي بعض القطاعات إلى 10%.
غرفة تجارة وصناعة نابلس تطالب سلطة النقد بضرورة التعامل بمرونة أكبر من التجار الملتزمين
وأكد أن غرفة تجارة وصناعة نابلس تواصل مطالباتها، من خلال رئيسها سامح المصري، لسلطة النقد بضرورة التعامل بمرونة أكبر مع التجار الملتزمين، سواء من خلال منح دفاتر شيكات أو قبول إيداع الشيكل.
وأشار إلى أنه جرى اتفاق سابق بين الغرفة التجارية ومحافظة سلطة النقد على أن تقوم البنوك بقبول الشيكل من التجار ضمن حدود المبالغ التي كانوا يودعونها قبل قرارات التقييد، إلا أن معظم البنوك – بحسب دويكات – لم تلتزم بهذا الاتفاق، ولم تنفذ ما تم التوافق عليه مع سلطة النقد.
وحذر دويكات، من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى مزيد من الانكماش في النشاط التجاري، داعيا إلى تدخل عاجل لإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية وتخفيف القيود المفروضة على أدوات الدفع في السوق الفلسطينية.
يشار إلى أن أحدث البيانات الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية أظهرت تراجعاً في قيمة وعدد الشيكات المتداولة في السوق الفلسطينية خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي، في مؤشر يعكس تباطؤ النشاط التجاري وتراجع استخدام الشيكات كأداة دفع في التعاملات الاقتصادية.
الشيكات المتداولة خلال يناير 2026: نحو 1.43 مليار دولار
وبحسب مسح وتحليل "الاقتصادي" لهذه البيانات، فقد بلغت القيمة الإجمالية للشيكات المتداولة خلال يناير 2026 نحو 1.43 مليار دولار، مقارنة مع 1.508 مليار دولار في يناير 2025، مسجلة انخفاضاً بنحو 78 مليون دولار، أي ما نسبته 5.2% على أساس سنوي.
كما تراجع عدد الشيكات المتداولة بشكل لافت ليبلغ 307 آلاف و641 شيكاً، مقارنة مع 417 ألفاً و580 شيكاً في الشهر نفسه من العام الماضي، بانخفاض قدره 109 آلاف و939 شيكاً، أي ما نسبته 26.3%.
وتشير الحسابات التي أجراها "الاقتصادي" إلى أن متوسط قيمة الشيك المتداول خلال يناير 2026 بلغ نحو 4,650 دولاراً للشيك الواحد، وذلك بقسمة القيمة الإجمالية للشيكات المتداولة البالغة 1.43 مليار دولار على عدد الشيكات المتداولة البالغ 307 آلاف و641 شيكاً.
تراجع الشيكات المرتجعة
وفيما يتعلق بالشيكات المرتجعة لعدم كفاية الرصيد، أظهرت البيانات تراجعاً في قيمتها وعددها مقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي.
فقد بلغت قيمة الشيكات المرتجعة نحو 82.5 مليون دولار خلال يناير 2026، مقارنة مع 85 مليون دولار في يناير 2025، بتراجع قدره 2.5 مليون دولار، أي ما نسبته 2.9%.
كما انخفض عدد الشيكات المرتجعة إلى 26 ألفاً و900 شيك، مقارنة مع 42 ألف شيك في الشهر المقابل من العام الماضي، بتراجع قدره 15 ألفاً و100 شيك، أي ما نسبته نحو 36%.
وبلغ متوسط قيمة الشيك المرتجع نحو 3,070 دولاراً للشيك الواحد.
وبلغت نسبة قيمة الشيكات المرتجعة إلى إجمالي قيمة الشيكات المتداولة نحو 5.8% خلال يناير 2026، مقارنة مع نحو 5.6% في الشهر نفسه من العام الماضي.
أما من حيث العدد، فقد شكلت الشيكات المرتجعة نحو 8.7% من إجمالي عدد الشيكات المتداولة خلال كانون الثاني/ يناير 2026، مقارنة مع نحو 10% في يناير 2025، ما يشير إلى تحسن نسبي في مستوى الالتزام بسداد الشيكات رغم تراجع التداول الكلي.
ويأتي تراجع تداول الشيكات في السوق الفلسطينية في وقت تشددت فيه البنوك في منح دفاتر شيكات لعملائها مع تفاقم أزمة فائض الشيكل لدى الجهاز المصرفي، الأمر الذي دفع بعض المصارف إلى تشديد إجراءات منح دفاتر الشيكات أو تقليصها، ما انعكس على حجم التداول.
إلى جانب ذلك، يشير تراجع عدد الشيكات المتداولة إلى زيادة الحذر لدى التجار والشركات في استخدام الشيكات كأداة ائتمان تجاري، في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وتعد حركة الشيكات أحد المؤشرات المهمة لقياس مستوى النشاط التجاري والسيولة في السوق الفلسطينية، إذ تعكس حجم التعاملات التجارية والائتمانية بين الشركات والأفراد.
وفي 2025، أفادت سلطة النقد، بتداول 5.7 مليون شيك، بقيمة إجمالية بلغت 20.25 مليار دولار، أعيد منها لعدم كفاية الرصيد 602 ألف شيك بقيمة 1.37 مليار دولار، ما يشكّل 10.5% من حيث العدد و6.8% من حيث القيمة.
المصدر: الاقتصادي
2026-04-29 || 10:32