الباعة المتجولون: بين لقمة العيش والقانون
بينهم خريج الجامعة ومن لا يفك الحرف: الباعة المتجولون. تراهم يقفون أمام بسطاتهم في مركز نابلس وأسواقها أو يجرون العربايات من شارع لآخر بحثا عن لقمة عيش كريمة. يبيعون كل شيء تقريبا ويعيقون حركة سير المركبات والمشاة ويخالفون القانون.
دفعت الأزمة الاقتصادية والبطالة الكثير من المواطنين إلى التوجه للأعمال البسيطة والعمل كباعة متجولين. هذه المهنة لا تتطلب خبرة أو شهادات ولا رأسمال كبير، كما لا يترتب عليها دفع رسوم أجرة أو ضرائب، لكن وبسبب تأثير هؤلاء الباعة على جماليات المدن وصعوبة فرض الضوابط الصحية عليهم، توجد قوانين تمنع مزاولتها في معظم دول العالم.
وفي الوقت الحالي أصبحت هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير في مدن الضفة الغربية وفي نابلس بشكل خاص. وأينما تنظر خلال تجوالك في أسواق المدينة ستقع عيناك على عربة هنا وبسطة هناك. سيطرة الباعة المتجولين على الأرصفة وخاصةً في الأماكن الأكثر ازدحاماً بوسط نابلس، تسبب اختناقات مرورية وتؤدي في كثير من الأحيان إلى شل حركة المشاة على الأرصفة، ناهيك عن الأثر الاقتصادي السلبي، الذي يتسبب به هؤلاء الباعة على أصحاب المحلات.
[caption id="attachment_20313" align="aligncenter" width="1300"]

خاصة منطقة الدوار تكتظ بعربات الباعة وبسطاتهم على جانبي الرصيف[/caption]
الباعة الجائلون في نابلس
لأسباب تجميلية وتنظيمية، وبعد بناء المجمع التجاري في منطقة دوار الشهداء، قامت بلدية نابلس بإعادة توزيع أماكن تواجد الباعة المتجولين. وتم تخصيص أماكن لأكثر من 150 بائع متجول، وتوزيعهم عن طريق القرعة. كل بائع متجول سحب آنذاك رقما يحدد موقعه داخل المجمع الشرقي أو المجمع الشعبي في شارع العدل أو داخل المجمع الغربي في شارع حمدي كنعان، بالقرب من كراجات القرى الغربي. وفي مقابل الاستفادة من هذا المكان يدفع البائع رسوما سنوية للبلدية.
ولكن هذه الحملة لم تحل الازمة، فلم يلتزم سوى عدد قليل جداً من البائعين بالأماكن التي تم تخصيصها لهم. الأغلبية يقومون باستعمال العربة والتجول في المدينة، هذا إضافة إلى إقبال مواطنين جدد لم يتم تخصيص أماكن لهم على مزاولة هذه المهنة، إذ يتجولون بعربات بدون ترخيص، مما يؤثر سلبا على وضع ودخل الباعة الملتزمين بالأماكن المخصصة لهم داخل المجمعات.
المشترون لا يأتون إلى المجمع
ويجيب أحد الباعة المتجولين عن سبب عدم التزامه بالمكان المخصص له من قبل البلدية، قائلا: "أنا خسرت بالمجمع الشعبي 500 شيكل بسبب عدم وصول الناس إليه، فأنا كمواطن عندما أريد شراء خضار مثلا أقوم بالشراء من العربايات الموجودة على الدوار والقريبة من المواصلات العامة، بدلا من قطع مسافة طويلة للوصول الى المجمع". وقال بائع آخر يلتزم بالقرار، بأنه رجل كبير السن لا يستطيع الخروج بالعربة، ولذلك يرضى بالقليل الذي يوفره له المكان المخصص له داخل المجمع.
وبالرغم من أن شرطة نابلس تقوم بملاحقة الباعة وفرض مخالفات على أصحاب العربات غير الملتزمة، إذ تكون الغرامة ما بين 50-100 شيكل ويتم حجز بضاعتهم وإعادتها آخر النهار، إلا أن هذا لا يشكل عامل ردع كاف. بل ويتهم بعض أصحاب البسطات موظفي البلدية بالمحاباة وعدم النزاهة وبأن القانون لا يسري على الجميع.
[caption id="attachment_20317" align="aligncenter" width="1300"]

كلما كانت البسطات بعيدة عن مواقف السيارات، كلما قل عدد المشترين منها[/caption]
إجراءات البلدية الجديدة
ومن الإجراءات التي قامت بها بلدية نابلس مؤخراً، التعميم الصادر بتاريخ 13-12-2014 بخصوص أصحاب العربات المتجولة في المدينة، والذين خصصت لهم أمكنة في المجمع الشرقي أو الغربي، بضرورة العودة إلى المكان المخصص لهم خلال ثلاثة أيام من تاريخ الإعلان. وإلا فسوف يتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، وحرمانهم نهائيا من المكان الذي سيتم تخصصيه لآخرين غيرهم.
وعندما سألنا الباعة عن رأيهم بالإعلان، أعربوا عن استنكارهم له وأجمعوا على أن هذا الإجراء غير مجد، لأن الأماكن التي تم تخصيصها لهم لا تجلب أي نفع لهم. وعليه، فهم لا يخشون من فقدانها كما أخبرنا أبو محمد، صاحب بسطة في منطقة المجمع الشرقي، ولكنه يقوم بالتجوال في مناطق مختلفة داخل المدينة. وأضاف أبو محمد أن النظام لا يسري على الجميع، إذ يوجد باعة غير قانونيين "لا يمتلكون ترخيصا" ويقومون بالتجول بحرية وسط المدينة.
عمالة الأطفال
وخلال جولتنا تم ملاحظة ظاهرة غريبة، وهي أن بعض البسطات تقوم باستخدام السيارات المتوقفة كمكان لعرض البضاعة. ومما يلفت النظر أيضاً وجود عدد كبير من الباعة المتجولين "غير القانونين" دون السن القانوني. وفي مقابلة مع علي، أحد الأطفال الذين يمارسون هذه المهنة ويبلغ من العمر 12 عاماً، أفاد بأنه يعمل على عربة لمساعدة عائلته، التي تتكون من سبعة ذكور وخمس إناث، ولا يستطيع الذهاب إلى المدرسة حتى إنه لا يعلم آخر صف كان به في المدرسة. وفي سؤال حول ما إذا قامت الشرطة باتخاذ أي إجراء بحقه، أجاب بالنفي.
أما محمد، البالغ من العمر 15 عاما، فأوضح أنه يلتحق بالدراسة وهو في الصف العاشر، ولكنه يعمل بعد الدوام المدرسي على عربة غير قانونية، علما بأن والده يملك بسطة قانونية داخل المجمع الغربي.
احتجاج
[caption id="attachment_20481" align="alignnone" width="1024"]

لم يحتمل مخالفة الشرطة له، فصبّ سائلا قابلا للاشتعال على نفسه وحال المارة دون وقوع كارثة[/caption]
تظهر المقابلات التي أجريت مع أصحاب العربات، أنهم يحصلون بالمتوسط على ما يقارب 50 شيكلا باليوم، مما يشكل توترا وضغطا كبيرين، خاصة وأن معظم الباعة أصحاب عائلات كبيرة وهم مصدر الدخل الوحيد لعائلاتهم. ومن الجدير بالذكر أن الحد الأدنى للأجور في فلسطين حسب الإحصاء الفلسطيني لعام 2011 هو 65 شيكلا للمياومة و8.5 شيكلا للساعة و1450 شيكلا في الشهر لعائلة مكونة من خمسة أفراد.
وخلال العمل على هذا التقرير، فوجئنا بحادثة تقشعر لها الأبدان حين قام أحد الباعة المتجولين في صباح يوم السبت 20-12-2014 بسكب مادة حارقة على جسده في محاولة لإشعال النار بنفسه عندما حاول أفراد الشرطة مخالفته ومصادرة عربته، فكان هذا أسلوبه للتعبير عن استنكاره لما تمارسه الشرطة اتجاه الباعة المتجولين والضغوط الواقعة عليهم.
وفي الختام، وبالرغم من أن بلدية نابلس تحاول باستمرار تنظيم أماكن التسوق وخاصة فيما يتعلق بانتشار البسطات في مركز المدينة، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في فرض النظام رغم تعيين أماكن خاصة بهم وفرض غرامات وعقوبات على المخالفين. فإلى متى ستبقى هذه الأزمة ويبقى بائعو البسطات عالقين ما بين القانون ولقمة العيش.
الكاتبة: ليلى فطاير
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2014-12-26 || 08:41