إخلاص جبارة: تغلَّبت على الإعاقة البصرية وتعيقها القوانين
رغم إعاقتها البصرية منذ ولادتها، استطاعت إخلاص جبارة من قرية سالم إتمام تعليمها الأساسي والجامعي بنجاح وتفوق، بل وقررت خوض تجربة الدراسات العليا. لكن ما يشغل بالها هو فرص العمل، فالبطالة متفشية ويعاني منها الشباب بشكل عام أصلاً، فكيف هي حظوظ ذوي الإعاقة ف
كغيرها ممن يعانون من الإعاقة البصرية، لم تكن حياة الطالبة إخلاص جبارة (27 عاماً) الدراسية سهلة على الإطلاق. تنحدر جبارة من أسرة متواضعة الحال مكونة من ثلاثة شبان وثلاث فتيات، تعيش في قرية سالم إلى الشرق من مدينة نابلس. تعاني هي وأحد أشقائها من إعاقة بصرية منذ ولادتهما.
لم تقف الإعاقة البصرية حاجزاً أمام مسيرتها التعليمية، إذ أصرت عائلتها على تسجيلها في مدرسة القبس المخصصة للطلاب ذوي الإعاقة البصرية، والكائنة في مدينة البيرة. اضطرت جبارة أن تنهي عشر سنوات من الدراسة الابتدائية والإعدادية في مدرسة بعيدة عن قريتها، نظراً لكونها إحدى المدارس القليلة المجهزة بشكل كامل لذوي الإعاقة البصرية. ولكنها اختارت أن تنهي السنتين المدرسيتين الأخيرتين في مدرسة سالم الثانوية للفتيات، رغم كونها غير مجهزة لذوي الإعاقة البصرية على الإطلاق. تقول جبارة: "كانت فترة صعبة، اعتمدت فيها على شرح المعلمات، ومساعدة بعض الصديقات، وكنت أحصل على كتب خاصة من وزارة التربية، مع بعض التأخير في استلامها أحياناً".
رغم استشهاد والدها عام 2004 على يد الجيش الإسرائيلي، وخلال فترة تأديتها لامتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، إلا أن إخلاص جبارة تمكنت من نيل شهادتها وبمعدل جيد بلغ 73%.
إصرار على التعليم الجامعي
قررت إخلاص جبارة الالتحاق بجامعة النجاح الوطنية في نابلس عام 2005، لنيل شهادة البكالوريوس في تخصص أدب اللغة الإنجليزية. تذكر جبارة أن الجامعة لم تكن مجهزة لذوي الإعاقة آنذاك، إذ كانت تفتقر للكثير من أعمال المواءمة، التي من من المفترض أن توفر لهم. "لم يتوفر في الجامعة كتب وطابعات خاصة بذوي الإعاقة البصرية، لكني حصلت عليها بعد مساعدة من رئيس الجامعة في حينها" تقول جبارة، وتضيف: "رافقتني والدتي طوال السنة الأولى لمساعدتي، فكنت أسجل المحاضرات صوتياً وأستعين بالزملاء والزميلات". وتنوه جبارة إلى أن والدتها لم تستطع مرافقتها خلال السنة الجامعية الثانية وما بعدها، وذلك لعدم مقدرتها على التعاطي مع مواد اللغة الإنجليزية. واستطاعت إخلاص جبارة تدبر أمورها حتى تخرجها عام 2009 وبمعدل 74%.
"أنت غير لائقة صحيا"
منذ تخرجها، تقدمت إخلاص جبارة إلى عدة وظائف شاغرة، لكنها لم تفلح بإيجاد وظيفة باستثناء فترة قصيرة قضتها مع إحدى مؤسسات ذوي الإعاقة في بيرزيت. وتقول جبارة إنها صدمت من ردود البعض، وتشير إلى أنها كانت قد قدمت طلباً لمديرية التربية والتعليم في نابلس عام 2012، لكنها فوجئت بمكالمة هاتفية من أحد الموظفين بعد فترة، قال لها خلالها: "مع الأسف، تم استبعاد طلبك، فأنت غير لائقة صحياً".
وتبدي جبارة سخريتها من بعض الأسئلة التي وُجهت لها في الوزارة، إذ تقول: "سألوني كيف ستكتبين على السبورة؟ وكيف ستتواصلين مع الطلاب؟". وتابعت: "من المحزن أننا ما زلنا نسمع أسئلة كهذه في هذا الزمان". وتؤكد جبارة قدرتها على إتمام مهمتها على أكمل وجه كمدرسة لغة إنجليزية، إذ تشير إلى إمكانية استعمال جهاز حاسوب خاص للكتابة يـُـعرض على حائط غرفة الصف. وأبدت جبارة استياءها من تعامل بعض موظفي مديرية التربية، الذين ماطلوا كثيراً في سبيل عدم السماح لها بمقابلة مسؤولي المديرية في نابلس، على حد قولها.
[caption id="attachment_11335" align="aligncenter" width="1000"]

تقول مديرية التربية والتعليم في نابلس إنها ملتزمة تماماً بتوظيف ذوي الإعاقة بحسب القانون[/caption]
وبحسب قانون الوظيفة العمومية، فإنه يتوجب على كل مؤسسة حكومية تخصيص ما نسبته 5% من الوظائف للأشخاص ذوي الإعاقة. وحول ذلك تقول جبارة: "هناك تحسن بطيء في تطبيق هذا القانون، في حين لا تعمل به كثير من المؤسسات حتى الآن".
لكن مدير مديرية التربية والتعليم في نابلس د. محمد عواد يؤكد لـ
دوز أن وزارة التربية هي أحد أكثر المؤسسات التزاماً بقانون توظيف ذوي الإعاقة، مشيراً إلى أن الوزارة تفصل طلبات المتقدمين للوظائف، إذ تخصص سجلاً خاصاً بذوي الإعاقة يدرج فيه كل من يصنف "غير لائق صحياً" بعد عرضه على لجنة خاصة. ويضيف عواد: "رغم أن لدينا معلماً من ذوي الإعاقة البصرية، إلا أننا لا نفضل تسليمهم مهام تدريسية وذلك لصعوبة تواصلهم مع الطلبة، فالتدريس مهارة وفن. ولذلك نحن نوظفهم في شواغر أخرى كالإرشاد الاجتماعي مثلاً".
هل الإعاقة مرض؟
وتعبر جبارة عن استغرابها لعدم توظيف المؤسسات العاملة في مجال المعاقين أشخاصاً من ذوي الإعاقة أنفسهم، وتقول: "أمضيت سنوات طويلة كمتطوعة مع العديد من المؤسسات. واليوم أشعر أنهم لا يعيرونني اهتماماً ولا يهتمون بتوظيفي".
وحول ذلك، يقول الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام للمعاقين في نابلس سامر عقروق لـ
دوز: "إن عدد الوظائف الحكومية المخصصة لذوي الإعاقة بحسب القانون يبلغ حوالي 9.000 وظيفة". مؤكداً أن نسبة المعينين لا تتجاوز 1%. ويشير عقروق إلى دور الاتحاد في مخاطبة الجهات الرسمية وحثهم على تطبيق قانون توظيف ذوي الإعاقة.
وكان الاتحاد قد خاطب رئيس الوزراء الفلسطيني د. رامي الحمد لله، لمطالبته بإعادة النظر في اعتبارات تصنيف ذوي الإعاقة بـ "غير اللائق صحياً"، إذ يرى عقروق، أن هناك حالات لا يجب أن تدرج تحت هذا التصنيف. وتطرق عقرورق إلى ملف إخلاص جبارة قائلاً: "مقارنة مع غيرها من ذوي الإعاقة، فحالها أفضل من الكثيرين. ولا يجب أن ننسى أن البطالة مشكلة يعاني منها الشباب بشكل عام، فما بالنا بالنسبة لذوي الإعاقة!".
لعل في "الماستر" وظيفة!
ومع محاولاتها المتكررة منذ تخرجها عام 2009 لإيجاد فرصة عمل، قررت إخلاص جبارة التسجيل لنيل شهادة الماجستير عام 2012، في تخصص اللغويات التطبيقية والترجمة باللغة الإنجليزية، وتمكنت من تجاوز امتحان القبول بنجاح. وها هي اليوم على أعتاب التخرج مع نهاية الفصل الجاري. وتأمل جبارة أن تحسن شهادة الدراسات العليا من فرصها بنيل وظيفة جيدة.
وتبدي أم جمال، والدة إخلاص، قلقها على مستقبل ابنتها قائلة: "الله وحده يعلم ما عانيناه كعائلة وما عانته إخلاص حتى وصلت إلى الدراسات العلية، ومن غير الإنصاف ألا تلاقي اهتمام المُشَغّلين بسبب إعاقتها". وتشير أم جمال إلى أوضاع أسرتها "المستورة"، وحاجة ابنتها الملحة لايجاد فرصة عمل، خاصة بعد قطع الإعانة المادية عن ابنها وابنتها ذوي الإعاقة البصرية منذ سنتين، وذلك بسبب تسلمهم لـ "راتب الشهيد" عن زوجها شهرياً. وحول ذلك تقول: "لهذا السبب تم إيقاف كافة أشكال الإعانات عن أسرتي". وتتساءل: "أليست أسرة الزوج المتوفى أكثر حاجة لإعانات وزارة الشؤون الاجتماعية؟ لكن ما حصل معنا هو العكس".
لكن وبحسب أنظمة الشؤون الاجتماعية، لا تدرج أي عائلة تتلقي دخلاً شهرياً ثابتاً أياً كان مصدره في سجلات الوزارة، كحال عائلة جبارة، ولهذا السبب تم إيقاف الإعانة المالية عنهم.
الكاتب: أحمد البظ
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2014-11-23 || 08:40