بساحته الكبيرة التي تعج بالذكريات، وبدالية العنب التي تلقي بظلالها عليه، وبزواياه التي ما زالت تعبق برائحة قهوة الأجداد ودخان أراجيلهم، يروي لنا مقهى الهموز قصص الماضي. كراسيه الخشبية ذهبية اللون تقص علينا حكايات من جلسوا عليها، وطاولاته وباحاته شاهدة على ذكريات الاستعمار. ولا ننسى أصحاب الطرابيش الحمراء "الأتراك"، الذين كانوا من أوائل روّاده، وأصحاب الطرب الأصيل الذين غنوا على مسرحه.
بتعامله الظريف مع زبائنه وابتسامته التي لا تغيب عن وجهه، يحدثنا رايق وليد الهموز صاحب أقدم قهوة في مدينة نابلس، عن بدايات قهوة الهموز قائلا: "أنشأ جدي المقهى عام 1892، بعد أن ترك الخليل ليقطن في نابلس، واستأجر أربعة محلات في شارع الشويترة. واليوم يزيد عمر مقهى الهموز عن 120 عاما".
المقهى قديماً كان مقهى الهموز بسيطا في عهد الأتراك، إذ وضعت الكراسي والطاولات على الرصيف، وكان المقهى يتكون من أربعة محلات مع الرصيف المحاذي له آنذاك. لاحقا تم الاتفاق مع البلدية على بناء "بركس" كبير مساحته أربعة دونمات، بدلا من الأربعة محلات. قديما، ارتاد المقهى كبار السن والعمال في مقالع الحجارة فقط، إذ كانوا يجتمعون في مقهى الهموز فجرا، لشرب الشاي والقهوة، وينطلقون بعدها إلى أشغالهم.

كان المسرح جزءا لا يتجزأ من القهوة قديما وكان موجودا في نهاية هذه القاعة
يقول أبو بشار عبد الهادي (77 عاما) أحد رواد القهوة قديماً: "كنا نحترم الكبار كثيراً، ولا ندخل القهوة بتاتا عندما نراهم فيها. وعندما كبرنا أصبحنا نرتاد القهوة ونتسامر الأحاديث مع أصحابنا، فقهوة الهموز أفضل مقهى في مدينة نابلس وأعرقها، إذ كان لا يدخلها سوى كبار العائلات والموظفين".
تغييرات واستحداثات "وأنا في سن الخامسة عشرة، قمت بهدم المسرح لبناء المقهى الجديد خلف المحلات، من أجل إحداث توسعة وتسليم المحلات الأربعة للبلدية، إضافة إلى أن زمن المسرح انتهى"، هذا ما قاله وليد الهموز عن بدايات إحداث التغييرات في المقهى. ويضيف وليد: "كان المقهى للكبار ولرواد المسرح، إذ لم يجرؤ أي شاب على دخول المقهى في حال وجود من هم أكبر سنا".
وتابع الهموز عمليات استحداث المقهى، باستبدال الأرضية الداخلية بالرخام، وبتركيب نوافذ جديدة. أما الساحة الخارجية، فكانت أرضا ترابية قبل أن تبلط بأكملها من قبل البلدية، وترك سقف الساحة مفتوحا وعليه دالية العنب. وغير الهموز الساحة بإضافة نافورة مياه، وزراعة الورود المختلفة في الأحواض الجديدة بمنتصف الساحة. وكل هذه التغييرات كان هدفها جذب الشباب، وبالطبع تجديد روح المكان.
حاضرة تاريخياً شهد مقهى الهموز على الكثير من الأحداث التي عصفت بمدينة نابلس، كالثورات والحروب. وكان للانتداب البريطاني النصيب الأكبر من الذكريات، ففي عام 1940 أُغلق المقهى ومنع الناس من دخوله، بسبب اتخاذ البريطانيين المقهى كمركز عسكري لهم. وحين عين سليمان طوقان رئيسا لبلدية نابلس، اتخذ طوقان من مقهى الهموز مقرا لاجتماعاته مع الإنجليز. وفي عام 1927 شهدت نابلس هزة أرضية، إلا أن مقهى الهموز لم يصب بأي أذى. كما كان للزعماء المحليين نصيب بدخول المقهى والجلوس فيه، إذ التقى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مع مجموعة من الفدائيين سرا، وذلك في عام 1965 مع بداية ظهور حركة فتح.

ارتاد مقهى الهموز كبار السن قديما، أما اليوم فهو ملجأ الشباب قبل غيرهم
أم كلثوم وعبد الوهاب شهد مسرح المقهى العديد من القصص والحكايات، رواها الحكواتيون منذ العهد التركي. ولا ينسى مسرح الهموز أقدام من اعتلاه من المغنيين المشهورين، أمثال أم كلثوم. ويقول الهموز:" لا أعلم تحديدا كم كانت تكلفة تذكرة الدخول إلى المقهى عند غناء أم كلثوم، ولكنها كانت غالية بعض الشيء، وأذكر أيامها أن المقهى كان يعج بالناس وقد أقفل باب المقهى، في حين تجمهر عليه الصبية آملين بسماع القليل من صوتها".
وزار كل من محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش والراقصة سامية جمال مقهى الهموز في السابق.
المشروبات والألعاب تقسم المشروبات في قهوة الهموز إلى قسمين: مشروبات فصل الصيف ومشروبات فصل الشتاء. وفي المقهى شجرتا عنب وزفر، إذ يقدم شراب الزفر الذي يستخلص من شجرة الزِفر في الصيف، إلى جانب القهوة والشاي وشراب الحصرم والتمر الهندي والليمون، إضافة إلى التوت الشامي.
أما في فصل الشتاء، فيقدم السحلب والإينر "شراب القرفة المغلية مع المكسرات"، والزهورات بجميع أصنافها.
بيده الأولى يمسك قهوته وبالأخرى يمسك ورق الشدة، ويمرر هذا الكرت وذاك لصاحبه، وعلى طاولة أخرى يجلس عجوزان يلعبان طاولة الزهر باحترافية، مع تصاعد دخان أراجيلهما فوق رؤوسهما. فطاولة الزهر وألعاب الورق والشطرنج، هي ألعاب لم تتغير مع مرور الوقت وما زال يلعبها الجميع عندما يأتون إلى المقهى.

يبرع كبار السن في لعب طاولة الزهر، فهي لعبة متوارثة من الآباء للأبناء
روّاد العصر أما الآن، فقد تم استحداث القهوة لتتلاءم مع روح العصر الجديد، وليزيد إقبال الشباب عليها لأنهم الفئة الغالبة في المجتمع. ويقول الهموز: "وضعت شاشة تلفاز كبيرة في وسط الساحة الرئيسية الخارجية، فأصبح بإمكان الشباب مشاهدة مباريات كرة القدم مع أصحابهم. وأيضا قمنا بإمداد المقهى بشبكة انترنت لاسلكية، لأن بعضا من الشباب يأتون هنا للدراسة، ويكونون بحاجة إلى وجود اتصال بالانترنت، فيمضي الشباب ما بين ست إلى سبع ساعات في القهوة، وما يميزها أنها قريبة من وسط البلد وفي منطقة هادئة".
الشاب أحمد من جامعة النجاح، أتى إلى المقهى بعد انتهاء دوامه الجامعي، ويقول: "آتي إلى هنا مع صديقي من أجل إنجاز مشروع التخرج. نجلس لساعات طويلة ونكون مرتاحين كثيراً وننجز ما نريده، فالمكان هادىء". أما ضرار طوقان، مدير مكتبة بلدية نابلس وأحد رواد مقهى الهموز حاليا، فيعتبر هذا المقهى رمزا من رموز مدينة نابلس، فطبيعة الحياة قديما جعلت من المقهى مكانا للترفيه والاجتماعات. ويأخذنا طوقان بجولة بسيطة في المقهى وما حوله ويقول: "عندما كنت صغيراً، أتذكر من كان لديه خيل أو غيره من الحيوانات يقوم بربطها، ومن ثم يأتي إلى القهوة بعد يوم متعب من العمل والدوام". ويتابع: "القهوة شهدت تغييرات بشكل رائع لتتلاءم مع فئة الشباب وليزيد إقبالهم عليها".
لا يقتصر زوار المقهى على أهالي مدينة نابلس، وإنما يأتيه زوار من المدن والقرى المجاورة.
وهناك سياح أجانب يستظرفون الجلوس في مقهى الهموز على أي مكان آخر. أما لكبار السن، فيشكل مقهى الهموز مكانا لذكرياتهم، ولا تستغرب إذا رأيت أحدهم قادما من الأردن ليسترجع ذكرياته مع أحبائه في المقهى. وكذلك لا تستغرب من شهرة مقهى الهموز في عدد من الدول العربية مثل لبنان والأردن وسوريا، فهو علم يستدل به على أماكن مجاورة.
الكاتبة: هبة بطة
تصوير: ديما باكير
المحررة: جلاء أبو عرب