السياب في مئويته وعلاقته مع بيروت وشعرائها
يصادف هذا العام الذكرى المئوية لميلاد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، الذي ارتبط اسمه ببيروت عبر محطات أدبية وشخصية كان لها حضور بارز في مسيرته الشعرية.
هذه السنة هي مئوية ولادة الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب 1926- 1964 والذي كان في حياته وموته مأساة قلماً عرفها الشعر العربي الحديث. وإذ نذكر علاقة السياب مع بيروت في هذا المقال وهذه الذكرى فلان بيروت لعبت دوراً اساسياً في حياته، وكانت نافذته إلى العالم، وكانت صوته حين عز الصوت. وكان يقول عن بيروت: "هنا أتنفس بحرية، لكني اختنق شوقاً للبصرة".
السياب ومجلة شعر
يروي عيسى بلاطة في كتابه "بدر شاكر السياب حياته وشعره" (1971) أن السياب أسس علاقة وثيقة مع مجلة شعر في بيروت بعد ابتعاده تدريجياً عن الشيوعيين ويسميها "المرحلة التموزية". والحال فلقد نشر السباب في مجلة شعر في العدد الثاني ربيع 1957 قصيدة "النهر والموت" المشبعة بالمرارة والحزن وكرر ذلك في قصيدته "المسيح بعد الصلب". ويوضح بلاطه صلة السياب بمجلة شعر بأنها فتحت له آفاقاً أبعد في استخدام الأسطورة والرمز من خلال علاقته وصداقته مع يوسف الخال وجماعة شعر أي أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة.
في تموز 1960 زار السياب بيروت نشر مجموعة شعرية وهي "أنشودة المطر" والتي حازت جائزة مجلة شعر وقيمتها ألف ليرة. وصدر الكتاب عن مجلة شعر. وقد دقق الكتاب أدونيس وشوقي أبي شقرا. وألقى السياب بعض القصائد منه في خميس مجلة شعر وفي الندوة اللبنانية. يروي الشاعر شوقي أبي شقرا أنه عندما قرا كتاب "أنشودة المطر" للمرة الاولى شعر بأن الكتاب يحتمل الحذف والمحو وأشار إلى بعض القصائد في ذلك ولفت نظر أدونيس إليها. وهكذا كان. ويضيف شوقي أبي شقرا: "عندما قرأت السياب في "أنشودة المطر" فهمت أن اللغة العربية يمكن أن تتنفس بطريقة أخرى. السياب فك قيود العروض ولم يكسر الوزن". حضر السياب خميس مجلة شعر وكان يقرأ قصائده ويتقبل النقد ويناقش الصغير قبل الكبير.
يتذكر محمد الماغوط أنه عندما قابل السياب لأول مرة فوجئ بضعفه وتحوله. طلب إليه يوسف الخال أن يرافق السباب في تجواله في مدينة بيروت. ولما عادا في آخر النهار قال الماغوط الخال في المرة القادمة أتمنى لو تكلفني بمرافقة صف روضات. وذلك لأنه بطيء وكلما رأى حسناء يقع في غرامها". وفي اليوم التالي كتب الماغوط: "السياب علمني أن الشعر ليس تفعيلة. الشعر هو أن تصرخ. كان يدخل المقهى مريضاً متكئاً على عصاه، ويخرج قصيدة تهز بغداد". ولكن لما غادر الماغوط بيت الخال قال السياب للخال: "هذا الولد المشاغب، هذا الشاعر السوري الشاب سيغير وجه الشعر العربي الحديث".
ألقى السياب في نادي خريجي الجامعة الاميركية في بيروت محاضرة عن الشعر العربي الحديث ولما وصل الى منتصف المحاضرة وقف ناظراً إلى الجمهور قائلاً: "أبغي أبول... " وكان المرض قد اشتد عليه. في تلك الليلة ذهب مع يوسف الخال وشعراء مجلة شعر إلى مقهى الغلاييني في رأس بيروت. وفي تلك الأمسية دارت القصائد على لسان الشعراء على شكل سوق عكاظ وكل يبدأ بقافية ويكملها للآخر.
مرض السياب وأيامه الأخيرة في بيروت
ويعلق شوقي أبي شقرا: "بعد وقت كلنا وقفنا وحلسنا ووحده السياب بقي ينتقل من قافية الى قافية برشاقة العصفور. يومها أدركت أن الشعر في العراق كالماء والهواء. في 15 نيسان من عام 1964 زار السياب بيروت وعاوده المرض مجددا. وفي 18 نيسان أدخل إلى مستشفى الجامعة الاميركية للعلاج. وأشرف على علاجه كل من د. شفيق حداد ود. فؤاد صبرا ود. فؤاد سامي حداد. وفي 19 نيسان كتب قصيدته "الوصية". وصدر له عن دار العلم الملايين "المعبد الفريق" و"منزل الاقنان" و"أزهار وأساطير". حار أطباء مستشفى الجامعة الاميركية في مرضه واضطر إلى متابعة العلاج في مستشفيات لندن.
يقول أدونيس عن جلسات بيروت مع السياب بأنها كانت مختلفة. فقد كان السياب يتكلم عن النهر، والماغوط يسخر من السلطة، وشوقي يحلل القصيدة . كنا تخرج من المقهى ونحن نكره العالم ونحبه بنفس الوقت أما يوسف الخال فكتب "كان يرسل لنا السياب القصائد من الكويت، فنطبعها وكأننا تطلع إعلاناً ثوريا".
أما آخر قصيدة كتبها السياب فكانت في 22 تشرين الثاني 9641 وكانت بعنوان "عكاز في الجحيم". توفي السياب بعد أيام قليلة وكتب عنه شوقي أبي شقرا راثياً في "النهار" السياب لم يمت في الكويت، مات في بيروت، في غرفة مستشفى وهو يسأل عن البصرة. مات غريباً ليحيا في كل قصائدنا".
وكم كان صادقاً د. إحسان عباس ومختصراً دور بيروت حين قال: "لولا بيروت لضاع نصف شعر السياب".
الكاتب: سليمان بختي/ المدن
2026-07-30 || 20:39