مقهى الرشيد: هنا كان روّاد سينما غرناطة يرشفون القهوة
في شارع غرناطة، أحد أعرق الشوارع المؤدية إلى مركز مدينة نابلس، يقع مقهى الرشيد. منذ نصف قرن يقدم هذا المقهى خدماته للزبائن، وهو شاهد على الصراع المستمر بين الطراز القديم، الذي يريد البقاء، والطابع الجديد، الأكثر جذباً لزبائن وقتنا الحاضر.
أجواء هادئة.. إضاءة معتمة، وتلفاز صغير قديم يطربك حين يشدو بألحان أم كلثوم أو يشعلك حماساً عندما يعرض رياضة المصارعة. أجواء تجعل الحاضرين من كبار السن مرتاحين في مقهى الرشيد، الذي يغلب عليه الطابع القديم مما يجعله تقريبا خالياً من الشباب.
كان مقهى الرشيد في البداية مطعماً ما بين عام 1959 وحتى 1963، عندها بدأ المطعم يتحول إلى مقهى بإدارة مصباح مقبول، الذي خلفه ممدوح بهلول بتاريخ 11\8\1963 ليرث أبناؤه عنه العمل بالمقاهي. الفترة الواقعة ما بين 1963 وحتى الانتفاضة الاولى كانت فترة ذهبية بعمر مقهى الرشيد؛ لأن شارع غرناطة كان يعج بالحياة، فكان هناك قاعتي سينما هما غرناطة وريفولي القريبتين من المقهى، مما جعله مكاناً يعج بالزبائن القادمين لمشاهدة الأفلام.
رائحة التمباك، التي تعم المكان تحمل ذكريات جميلة عاشها كبار السن، الذين ما زال بعضهم يرتاد المقهى، كعمر التكروري الذي يرتاد يتذكر الأجواء المرحة آنذاك والألعاب الشعبية مثل الدومينو والشطرنج والسيجة والشدّة. الماضي كان جميلاً بتفاصيله الكثيرة وذكرياته التي لا تمحى من أذهان من عاشوه، فيحدثنا السيد عمر قائلاً : "كانت الحياة حلوة والناس كانت تحب بعضها وكل شي كان رخيصا. اليوم كل شيء غال، عدم المؤاخذة بتقعد بالقهوة بالنهار بتحطلك 10 أو 15 شيقل، من أول كنت تقعد بالقهوة كل النهار تحط 10 قروش".
المقهى يعزز العلاقات الاجتماعية
أصوات الرجال ترتفع إوهم يتجادلون حول مستقبل البلد، وتتعالى ضحكات آخرين وهم يتسامرون أثناء لعب الشدّة، فيما يجلس مسنٌ في زاوية المقهى، يتكئ على عكازته ويضع يده على رأسه شارد الذهن يفكر بهمومه، التي هرب منها إلى المقهى لشرب كوب من الشاي علّه ينسى، هذا حال روّاد مقهى الرشيد الذي أصبح رابطاً يجمع روّاده. العلاقات الاجتماعية في الماضي كانت قوية ومترابطة، وربما زاد وجود المقاهي من اللحمة بين الناس، يقول أحد المسؤولين عن القهوة خالد بهلول: "كان بالأول في ترابط بين الزباين، حتى لو واحد يختفي يوم ميجيش يروحو يسألو عليه، يروحولو ع الدار يسألو عليه ويفقدوه".
[caption id="attachment_21672" align="alignnone" width="1000"]

كان الرشيد في البداية مطعماً، ثم تحول إلى مقهى بإدارة مصباح مقبول الذي ورّثه لأبنائه[/caption]
قبل الانتفاضة الأولى كان المقهى يفتح أبوابه أمام الزبائن 24 ساعة، لهذا كان يستحوذ على وقت كبير من حياة الناس مما عزز مكانته بينهم، فأسهم بتقوية العلاقات الاجتماعية بين سكان المدينة نفسها، وبين سكان نابلس والزوار من باقي مدن الضفة وقراها. ويرى خالد، أن العلاقة الأخوية بين الزبائن كانت تتجلى بالمقالب المضحكة التي كان الزبائن يمازحون بها بعضهم دون أن يتسبب ذلك بأي خلاف أو شجار.
رفع خالد رأسه وابتسم وهو يحدثنا قصة الزبون الذي وضع قنبلة ألعاب نارية عندما لف لصديقه سيجارة انفجرت في وجهه فور إشعالها! واصفاً حال بقية الزبائن بقوله "انبطح الجميع على الأرض وانفجروا بالضحك".
تحديث المقهى وارد، لكن!
مطبخ صغير هرِم، جدران صماء، وكراس خشبية حفظت أسماء " الختيارية"، الذين يصعب عليهم تغيير مكان جلوسهم الذي اعتادوه، أجواء معاكسة تماماً لطابع المقاهي الحديثة التي يرتادها الشباب، فهي مزودة بـ "بوفيه مفتوح"، وجدرانها لا تخلو من الإضاءة ذات الألوان المتغيرة.
قدم المكان قد يكون ميزة، ولكنّ مقهى الرشيد يشكو من تراجع عدد رواده، حيث إن الطابع الكلاسيكي للمقهى ينفّر فئة الشباب، فمثلاً لا يقدم المقهى المشروبات الغازية أو مشروبات الطاقة ويقدم فقط المشروبات الساخنة التقليدية كالقهوة والشاي واليانسون.
وعلى مستوى الأراجيل فإنه يقدم بشكل أساسي التمباك وهو غير مرغوب لدى الشباب الذين اعتادوا على "المعسل". ورغم محاولة أصحاب القهوة تخفيض الأسعار، إلا أن التراجع بعدد الزبائن ملحوظ مما قد يهدد وجود المقهى مستقبلاً.
[caption id="attachment_21675" align="alignnone" width="1000"]

لا يجذب الطابع الكلاسيكي للمقهى الشباب، لعدم تقديم مشروبات الطاقة[/caption]
ويدرك خالد وأخوته بلال وخلدون بهلول، المسؤولين عن المقهى، أن السبيل الوحيد للحفاظ على قهوة الرشيد هو تحديثها، ولكنه متخوف من تطبيق هذه النقلة النوعية، فهاجس الفشل في جذب الشباب والزبائن الجدد بعد التحديث وخسارة زبائنه الحاليين يجعله يتريث أكثر. ولعل الظروف المادية أكبر عائق أمام التحديث، كما يقول بهلول: "لو الوضع أحسن من هيك، ممكن أقلب او أغير".
ويسعى أصحاب قهوة الرشيد للحفاظ على طابعها القديم وإضافة التحديثات اللازمة، لكي تنجح بالاستمرار دون أن تفقد خاصية القدم ، فرواد المقهى متمسكون بالاجواء الحالية والتي هي امتداد للماضي، ويقول خالد:" في زباين حابين يضل الوضع هيك، في ناس بيرفضوا حتى تغيير الكراسي ".
إبقاء المقهى على طابعه القديم ربما يؤدي إلى إفلاسه بعد سنوات قليلة، وتحديثه بالكامل سيفقده رونقه وتميزه، فهل تكون فكرة آل بهلول في المزج بين القديم والحديث مناسبة للحفاظ على مكانٍ فرض نفسه كجزءٍ من تاريخ نابلس؟
إعداد وكتابة: براء حج ورغيد طبسية
المحرر: عبد الرحمن عثمان
2015-01-16 || 21:04